الغارديان: لماذا تعاني أمريكا في التعامل مع فيروس كورونا؟

الغارديان: لماذا تعاني أمريكا في التعامل مع فيروس كورونا؟

نشرت صحيفة “الغارديان” تقريرا لمراسلها لشؤون البيئة في أمريكا، أوليفر ميلمان، يقول فيه إنه بعد شهر بالضبط من تغريد دونالد ترامب بأن تفشي فيروس كورونا في أمريكا “تحت السيطرة بشكل كبير”، فإن منظمة الصحة العالمية قامت بالإعلان عن أن أمريكا قد تكون مركز الوباء الذي شل معظم بلدان العالم.

ويشير التقرير، إلى أن فيروس كورونا انتشر عبر القارة الأمريكية بسبب النقص المزمن في الاستعدادات، والاختلال الوظيفي المتجذر في نظام الرعاية الصحية في أمريكا، ورئيس أنكر بشكل مستمر وجود أزمة ويحاول الآن أن يخفف من جهود احتواء التفشي لصالح إعادة تشغيل الاقتصاد.

ويلفت ميلمان إلى أنه قد تم تشخيص أكثر من 46 ألف شخص في أمريكا بالإصابة بمرض كوفيد-19، وتوفي منهم حوالي 600 شخص، وقد مات يوم الاثنين أكثر من مئة شخص في أمريكا في يوم واحد، مشيرا إلى أن التنامي السريع -قبل أسبوعين فقط كان العدد الرسمي للمصابين 2000- للمصابين أدى بأن تحذر منظمة الصحة العالمية من أن أمريكا تتجاوز بلدانا مثل إيطاليا لتصبح البؤرة العالمية للوباء.

وتقول الصحيفة إن الحجم الحقيقي للعدوى في أمريكا سيكون بالتأكيد أسوأ بكثير، بسبب النقص الحاد في الفحوصات، وهو ما أعاق احتواء وباء كوفيد-19 عندما ظهر بالقرب من سياتل، لافتة إلى أن ترامب أشار في البداية إلى تغطية الإعلام للتفشي على أنه “خدعة”، قبل حظر السفر إلى الصين، حيث بدأ الفيروس، وادعى أن الفيروس تم القضاء عليه في أمريكا.

ويستدرك التقرير بأن رد الفعل الأمريكي أعاقه رفض الإدارة لأجهزة الفحص المعيارية لمنظمة الصحة العالمية، واختيارها أن تنتج أجهزة خاصة بها تبين بعد ذلك أنها ليست صالحة، مشيرا إلى أن إدارة ترامب قد فككت سابقا فريقا فيدراليا يعمل على الجوائح (الأوبئة الشاملة)، بالإضافة إلى أنها خفضت من المجموعة التي تعمل في مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، فرع الصين، ومهمتها تتبع التهديدات الجديدة مثل كوفيد -19.

وينقل الكاتب عن الخبير في البيئة والصحة في جامعة ستوني بروك، كريستوفر سلرز، قوله: “لقد قامت الإدارة بشكل متكرر وممنهج بتخريب أجزاء مهمة من CDC.. وهذا كان بمثابة استجداء لوباء أن يصيبنا، وكانت كارثة مع نقص في الاستعدادات”.

وتجد الصحيفة أن الرسائل المختلطة من البيت الأبيض، حيث تناقض ترامب عادة مع التحذيرات القوية لكبير الخبراء في الأمراض المعدية الدكتور أنتوني فوسي، لم تساعد على أن يتوقف الأمريكيون عن التجمع على الشواطئ ومراكز التسوق.

وينوه التقرير إلى أن حكام الولايات قاموا بالمبادرة بإغلاق التجمعات العامة والأعمال غير الضرورية، إلا أن ندرة المستلزمات الطبية جعلت الأطباء والممرضين يعملون على استجداء تلك المستلزمات على الإنترنت، فيما طلب من صانعي الثياب صناعة الكمامات للعاملين في المستشفيات، مشيرا إلى أنه مع نفاد بعض المستلزمات في أحد المستشفيات، فإن طبيب تخدير قام بارتداء كيس بلاستيكي على رأسه خلال إحدى العمليات.

ويرى ميلمان أن هذا النقص جعل المشكلات الموجودة أصلا تبدو أسوأ، فحوالي واحد من كل عشرة أمريكيين ليس لديه تأمين صحي، وعدم وجود قانون يجعل الشركات تدفع جزءا من الراتب للموظف المريض اضطر كثيرا من المرضى للذهاب للعمل بالرغم من خطورة نشر الفيروس.

وتذكر الصحيفة أن مدينة نيويورك تواجه تسونامي من الناس المرضى الذين يموتون، فقد تم إدخال 2600 شخص للمستشفى في ولاية نيويورك، وتوفي 150 لحد الآن، مشيرة إلى أن معدل العدوى بالفيروس -نسبة المصابين من السكان- أعلى بخمس مرات من معدل العدوى في أجزاء أخرى من أمريكا، ما دعا المنسقة لفريق التعامل مع فيروس كورونا في البيت الأبيض، الدكتورة ديبرا بيركس، أن تحذر قائلة: “لأصدقائي وزملائي في نيويورك كلهم، هذه هي المجموعة التي تحتاج أن تلتزم التباعد الاجتماعي التام والعزل الذاتي في هذا الوقت”.

ويشير التقرير إلى أن السلطات في نيويورك تبحث في العالم عن أجهزة تنفس وكمامات وملابس للعاملين في الصحة، التي تحتاجها المستشفيات بإلحاح لمواجهة الطوارئ الصحية العامة، التي يتوقع أن تصل ذروتها في الأسابيع الثلاثة المقبلة، لافتا إلى أنه تم تحويل مركز جافيتز، وهو مركز مؤتمرات زجاجي عملاق إلى مستشفى ميداني فيه 2000 سرير.

ويورد الكاتب نقلا عن حاكم ولاية نيويورك، أندرو كوومو، الذي تمت الإشادة بطريقة تعامله مع الأزمة، قوله: “إن ذروة هذه الجائحة أكبر، وجاءت أسرع مما كنا نظن.. سأقلب هذه الولاية رأسا على عقب لأحصل على أسرة المستشفيات التي نحتاجها”.

وتلفت الصحيفة إلى أن كوومو شجب كلا من وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية FEMA وإدارة ترامب مرة أخرى، وقال: “هل تريدون التربيت على الظهر لإرسال 400 جهاز تنفس؟ ماذا سنفعل بأربعمئة جهاز تنفس في الوقت الذي نحتاج فيه ثلاثين ألف جهاز؟ إنكم لا تدركون حجم المشكلة، والمشكلة تعرف بحجمها”.

وينقل التقرير عن كوومو، قوله إن عدد الحالات كان أكبر في نيويورك “لأنها بدأت هنا أولا، حيث يأتي المسافرون الدوليون هنا أولا، ولأن لدينا كثافة سكانية أكبر من أي مكان آخر، وسترون هذا في المجتمعات المدنية في أنحاء البلد كلها، نحن حالة تجريبية فقط.. وهكذا يجب أن تنظر البلد إلى المسألة، فما وصلنا إليه اليوم، ستصلون إليه بعد ثلاثة أسابيع أو خمسة أو ستة”.

ويستدرك ميلمان بأنه حتى عندما يسارع القادة، مثل كوومو، لاستيعاب المرضى، في الوقت الذي يحثون فيه الناس على البقاء في بيوتهم وتجنب الاتصال الاجتماعي، فإن ترامب ألمح إلى أنه مستعد لتخفيف القيود بعد 15 يوما في محاولة لتقوية الاقتصاد ولدعم سوق الأسهم، وقال ترامب يوم الاثنين: “لم يتم بناء بلدنا لإغلاقه.. وهذه دولة لم تبن لهذا، أمريكا ستفتح مرة أخرى للتجارة، ولا أتحدث عن أشهر، يمكنني أن أخبركم ذلك الآن”.

وترى الصحيفة أن ذلك الموقف هو تراجع عن الأقوال السابقة بأن أمريكا في “حالة حرب”، ووضع الرئيس مرة أخرى في مسار صدام مع خبراء الصحة العامة.

وتختم “الغارديان” تقريرها بالإشارة إلى أن الأسابيع القادمة ستشهد تشكل تضاريس الأزمة بالنسبة لعشرات ملايين الأمريكيين القلقين.