إلى أين يتجه السودان بعد فشل “تمرد” المخابرات؟

إلى أين يتجه السودان بعد فشل “تمرد” المخابرات؟

طرحت الاضطرابات الأخيرة التي شهدتها العاصمة السودانية الخرطوم، وبعض الولايات الأخرى، الثلاثاء الماضي، تساؤلات عن حقيقة الأوضاع بالأجهزة الأمنية والمخابراتية وعلاقتها بأطراف السلطة خلال الفترة الانتقالية، وإلى أين تتجه البلاد خاصة عقب فشل “تمرد” قوات تابعة لجهاز المخابرات.
ولأكثر من 18 ساعة عاشت الخرطوم ومناطق في ولايات أخرى على وقع أصوات الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، إذ أغلق أفراد قوات هيئة العمليات بجهاز المخابرات العامة شوارع رئيسية، وأطلقوا الرصاص، وتوقفت حركة الطيران في مطار الخرطوم، قرب مقر الهيئة الرئيس بضاحية الرياض شرقي الخرطوم.
وحاصرت قوات مشتركة من الجيش و”الدعم السريع” (تابعة للجيش) مقار الهيئة واقتحمت مقري المخابرات في منطقتي سوبا وكافوري، وسيطرت عليهما.
بينما لجأت للتفاوض في المقر الرئيس بضاحية الرياض؛ بسبب حيوية المنطقة المجاورة للمطار والكثافة السكانية المرتفعة بها، بحسب رئيس مجلس السيادة الانتقالي، عبد الفتاح البرهان، الذي وصف الأحدث بـ”التمرد”.
وأدت تلك الأحداث إلى سقوط ستة قتلى، هم أربعة عسكريين ومدنيان، إضافة إلى سبعة جرحى، بحسب الحكومة.
وهيئة العمليات هي وحدة قتالية تتبع المخابرات، وظلت تحظى بدعم كبير من نظام الرئيس المعزول، عمر البشير (1989: 2019)، وتتولى تأمين حقول البترول في الجنوب.
وبجانب الجيش وقوات “الدعم السريع”، خاضت الهيئة معارك ضد الحركات المسلحة في إقليم بدارفور (غرب) وولايتي النيل الأزرق (جنوب شرق) وجنوب كردفان (جنوب).
وقال البرهان، الأربعاء الماضي، إن الهيئة “تمتلك أسلحة حديثة، وكانت تُعد لتحل محل الجيش”.

“دوافع مالية أم سياسية؟”
وعزلت قيادة الجيش، في 11 نيسان/ أبريل الماضي، البشير من الرئاسة؛ تحت وطأة احتجاجات شعبية مناهضة لحكمه.
وعقب عزله، تولى المجلس العسكري (محلول) السلطة، وأصدر رئيسه البرهان قرارا، في تموز/ يوليو الماضي، بتغيير اسم جهاز الأمن والمخابرات الوطني إلى المخابرات العامة.
وحصر القرار مهام الجهاز في جمع وتحليل المعلومات، خلافا لأدواره السابقة في العمل السياسي والاقتصادي، ومباشرة الاعتقال.
وتبع ذلك قرار بحل هيئة العمليات بالمخابرات العامة، البالغ عدد أفرادها 11 ألفا 737.
وقال جهاز المخابرات، في بيان الخميس الماضي، إن لجنة مختصة من المخابرات شرعت بتصنيف أفراد الهيئة وفقا للخيارات المطروحة، وهي البقاء بالجهاز للعمل في المجال الأمني والمعلوماتي، أو الالتحاق بالجيش أو “الدعم السريع”، أو الإحالة للتقاعد.
وأوضح أنه تم تشكيل فرق طافت على قوات للهيئة بالولايات، تؤمن حقول البترول وتعمل مع القوات المشتركة لتأمين الحدود مع دول الجوار.
وأوضح أن ثمانية آلاف و600 فرد اختاروا الإحالة للتقاعد أو الانضمام للقوات النظامية الأخرى، وتم البدء بترتيب استحقاقتهم.
وتابع أنه “عند البدء في ترتيب استحقاقات قطاع الأبيض (جنوب)، تم إرسال فريق إداري ومالي لتسليم استحقاقات 800 فرد من المحالين للتقاعد، لكنهم رفضوا استلامها بحجة ضعف قيمة فوائد ما بعد الخدمة، وطالبوا بزيادة مبلغ الاستحقاق”.
وأردفت المخابرات أن مجموعة منهم احتجزت اللجنة، وحرضت بقية القطاعات بالخرطوم وبعض الولايات، وبالفعل تجاوبوا معهم وأغلقوا طرقًا في مناطق سوبا والرياض وكافوري بمدينتي الخرطوم وبحري.
لكن رواية المخابرات العامة عن المستحقات المالية لم تجد مؤيدين لها، إذ تحدث مسؤولون حكوميون وأحزاب سياسية عن “مؤامرة”، واتهموا جهات محسوبة على نظام البشير بتدبيرها.

“4 سيناريوهات”
وألقت هذه الاضطرابات بظلال كثيفة على المشهد السوداني، ورسمت أكثر من سيناريو للأحداث التي انتهت بسيطرة الجيش على مقار هيئة العمليات بالعاصمة والولايات.

“مسرحية”
ورأي محللون أن تمرد قوات هيئة العمليات مجرد “مسرحية” لإظهار الجيش و”الدعم السريع” بصورة المنقذ والحامي للثورة السودانية والفترة الانتقالية، التي بدأت في 21 آب/ أغسطس الماضي.
وتستمر الفترة الانتقالية 39 شهرا تنتهي بإجراء انتخابات ويتقاسم خلالها السلطة كل من الجيش وتحالف “قوى إعلان الحرية والتغيير”، قائد الاحتجاجات الشعبية، التي أطاحت بالبشير.
ويتهم معارضون قوات “الدعم السريع” بفض اعتصام أمام مقر قيادة الجيش بالخرطوم، في 3 حزيران/ يونيو الماضي؛ ما أسقط عشرات القتلى ومئات الجرحى بين محتجين كانوا يطالبون المجلس العسكري آنذاك بتسليم السلطة للمدنيين.
ووفق أصحاب نظرية “المسرحية”، فإن أحداث هيئة العمليات تستهدف أيضًا كسب تعاطف شعبي لصالح المكون العسكري في مجلس السيادة الانتقالي (وهم أعضاء المجلس العسكري المحلول).
وقال الصحفي السوداني الزين عثمان، لوكالة الأناضول: “يوجد مستفيدون من أحداث هيئة العمليات، فالقوات المشتركة من الجيش والدعم السريع، التي فرضت سيطرتها على المقار وأعادت الهدوء للمدينة، ستجد ثناءً من كثيرين، وإن بدأت القصة بمستحقات مالية، فإن أطرافا دفعت بالأمور إلى التصعيد”.

“مؤامرة”
وذهب مراقبون إلى أن ما حدث هو مؤامرة ضمن مخطط من فلول نظام البشير لإحداث توترات وفتنة.
ويربط هؤلاء أحداث هيئة العمليات بأحداث مدينة مدني، في 11 كانون الثاني/ يناير الجاري، حيث نظم أنصار لنظام البشير مسيرة جماهيرية في المدينة، ضمن سلسلة تظاهرات “الزحف الأخضر”، التي شهدت أعمال عنف أصيب فيها سبعة أشخاص، بحسب “لجنة أطباء السودان”.
كما يستشهد هؤلاء بأحداث فتنة قبلية بمدينتي بورتسودان (شرق) والجنينة (غرب)، سقط فيها قتلة وجرحى، خلال الأسبوعين الماضيين.
ويدعمون رؤيتهم بتصريح للمتحدث باسم مجلس الوزراء، مدني عباس مدني، قال فيه إن ما حدث مؤامرة تستهدف إجهاض الثورة السودانية من جانب فلول النظام السابق، وترتبط بما جرى في ولايات، وهي محاولة لإثارة الفتنة بين القبائل.

“صراع”
ووفق مراقبون، يوجد سيناريو ثالث، وهو أن أحداث الهيئة نتيجة لصراع بين الجيش و”الدعم السريع”، للسيطرة على جهاز المخابرات العامة.
ويستدل هؤلاء بالسرعة التي خرجت بها تصريحات قائد “الدعم السريع”، نائب رئيس مجلس السيادة، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، عقب اندلاع الأحداث بساعات، خلال وجوده في جوبا.
واتهم حميدتي مدير المخابرات آنذاك، أبوبكر دمبلاب، بالتقصير في معالجة ملف هيئة العمليات، بهدف الدفع بمقربين منه (حميدتي) لمنصب مدير المخابرات، بحسب منتقدين.

“انقلاب على الحكومة”
ثمة سيناريو رابع، بحسب متابعين، وهو أن أحداث الهيئة بروفة لتحركات عناصر محسوبة على نظام البشير داخل السلطة الحالية قد تصل للانقلاب على الحكومة الانتقالية.
ويستدل هؤلاء باتهام حميدتي لصلاح قوش، مدير المخابرات السابق، بالوقوف خلف أحداث الهيئة.
وقال البرهان، الخميس الماضي، إن الجيش سيحمي الفترة الانتقالية، ولا مجال للانقلاب، مشددا على أن “الجيش ليس له أي أطماع في السلطة أو الانقلاب”.
وتجنب البرهان، خلال لقاء تلفزيوني، الإجابة مباشرة عند سؤاله عن اتهام نائبه حميدتي لقوش، إذ قال البرهان: “قوش هو الذي أنشأ قوة هيئة العمليات، باعتبارها قوة صفوية خاصة، وهو الراعي لهذه القوة، وأي تصرف يصدر منها يجعل الجميع ينظرون إلى من كونها”.
ولا يستبعد أنور سليمان، كاتب ومحلل سياسي، “أن يكون صلاح قوش وراء إثارة هذا التمرد، فالرجل درج على التصرف دون تفكير، أبان رئاسته لجهاز المخابرات لسنوات”.
وأضاف سليمان للأناضول: “قوش هو من جعل جهاز الأمن والمخابرات مترهل، وعبارة عن جيش جرار لا يمتلك عقلانية، ويضم عناصر مؤدلجة وقبلية يصعب إدارتها”.

“هيكلة جهاز الأمن”
وتطالب قوى التغيير، التي تتقاسم السلطة مع الجيش في المرحلة الانتقالية، بحل جهاز المخابرات العامة أو إعادة تأهيله، لكونه يضم مرتبطين أيديولوجيًا بنظام البشير يمثلون خطرًا على أي تغيير.
ودعا مجلس الوزراء السوداني، الأربعاء الماضي، إلى إحداث معالجات جذرية لجهاز المخابرات العامة.
ورأى أن “ما حدث من أفراد هيئة العمليات يعتبر امتدادًا لنشاط منظم تقوم به قوى النظام البائد (البشير) لمحاولة الانقضاض (على السلطة)”.
وأعلن مجلس السيادة الانتقالي، مساء الخميس الماضي، قبول استقالة رئيس المخابرات، أبوبكر دمبلاب، وتعيين الفريق جمال عبد المجيد محله.