أخبار وتقاريرمقالاتومضات

إنها المروءة لا غيرها: كل الناس مسرور إلا أنا يا منصور

الشيخ كمال خطيب

ما أكثرها الظروف والأوضاع التي فيها يضطر الإنسان للعودة إلى الماضي وفتح ملفاته ودفاتره، لعلّ فيها يجد حلًا لمشكلته ودواء للذي نزل به. فمن الناس من إذا نزلت به نازلة اقتصادية فافتقر بعد غنى وأعسر بعد يسر، فإنه يبحث في دفاتره وسجلّاته لعلّه يجد أنه يومًا قد أقرض أحدًا من الناس ولم يسترد قرضه، فيذهب ليطالب بحقه ليخفف عن نفسه بعض ما هو فيه من عسر وضيق.

وإن من الناس ولشدّة ما هو فيه من ضيق وعسر مالي، فإنه يبحث ويحفر في أماكن وأراضٍ كانت يومًا مأهولة بالسكّان تحولت إلى آثار وأطلال وخرابات، فتجده يحفر هناك لعلّه يجد أواني قديمة أو عملات ونقودًا أو ذهبًا بها يفرّج عن نفسه ما هو فيه ويتخلص مما نزل به من الفاقة وقلّة الحيلة وضيق ذات اليد.

ولأننا نعيش في الزمان الذي تبدّلت وتغيّرت فيه كثير من أخلاق الناس وانقلبت فيه الموازين، فأصبح المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، وأصبحت الأصالة عيبًا وتهمة بينما الزيف والخيانة دهاء ووجهة نظر.

إنه الزمان الذي أصبحت فيه الرجولة مستهدفة، وأصبحت فيه المروءة عملة نادرة، فما أحوجنا للتنقيب ومسح الغبار عنها، لنعيد للمروءة لمعانها وبريقها وأصالتها فلا تندثر ولا تنطمس تحت أقدام الزيف والتفاهات، ونمسح عنها دمعتها ونواسيها في مصابها.

مررت على المروءة وهي تبكي فقلت علام تنتحب الفتاة

قالت كيف لا أبكي وأهلي جميعًا دون خلق الله ماتوا

ما أعظمك يوم تقول:

سأل رجل من الصالحين أخًا له، فقال له: “أتدري ما جماع الأخلاق ومنتهى الفضائل؟ قال: لا، قال: إنها المروءة لا غيرها”.

المروءة: هي خلق الكرام، وأروع ما تحلّى به الرجال وتزيّن به أهل الحجى والكمال، إنها شيمة العقلاء وصفة الكبراء.

المروءة: أن لا تعمل عملًا في السرّ تستحي منه في العلن. وكمال المروءة أن يستحي المرء من ربّه سبحانه. فالاستحياء من الله جلّ وعلا يصل بالعبد إلى كمال الدين وعين اليقين، وهو الإحسان الذي سأل جبريل عنه النبي ﷺ في الحديث المشهور لما قال له: “ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك”. فأيّة مروءة هذه أن تقوم على ذنب ومعصية وأنت تعلم أن الله تعالى ربّك وخالقك ورازقك يراك وينظر إليك. إن العبد والإنسان السويّ يستحي أن يراه الناس على معصية أو أمر معيب أو فعل مشين، فكيف بمن يعلم أن الله الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء يراه وينظر إليه.

فما أعظمك أيها الإنسان وأنت تردّد في نفسك ما قال الشاعر وهو يحسب حساب ربّه له يوم القيامة:

إذا ما قال لي ربّي أما استحييت تعصيني وتخفي الذنب عن خلقي وبالعصيان تأتيني

ما أعظمك وما أنبلك وما أنفعك لنفسك، وأنت تتمثّل وتعمل بوصية أحد الصالحين يوصيك أن تظلّ تذكّر نفسك إذا همّت بمعصية أن تقول لها: “يا نفس الله شاهدي، الله ناظري، الله معي، الله مطّلع عليّ”.

من دلائل المروءة

فإن للمروءة علامات وإشارات ودلائل إذا وجدت في الرجل فإنه يكون صاحب مروءة، وإن غابت عنه أو تخلّق بعكسها فليس له من المروءة نصيب.

  • الكرم:

    فالبخيل لا مروءة له، والكريم هو الذي يحب بل ويتمتّع بإطعام الناس، وقد قيل: “طعام الكريم دواء وطعام البخيل داء”.

وما أجمل وأصدق ما قاله الإمام الشافعي في مدح الكريم:

وإن كثرت عيوبك في البرايا وسرّك أن يكون لها غطاء

تستّر بالسخاء فكل عيب يغطيه كما قيل السخاء

  • العفة عن المحارم:

    فمن علامات ودلائل المروءة عند الرجل أن يكون عفيفًا عن محارم الله فلا يقربها، فيغضّ بصره ويحفظ فرجه ويقهر شهوته، ويستغني بالحلال عن الحرام.

  • العفّة عن المآثم:

    ومن دلالاتها أن يتعامل بالعدل والقسط مع الناس كل الناس، وأن يحتكم إلى شرع الله مع نفسه ومع غيره {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ…} [135 سورة النساء].

  • النزاهة:

    بأن يبتعد المسلم عن المطامع الدنيوية، لأن الطمع بما في أيدي الناس ذلّ، والدناءة لؤم وهما ضد المروءة.

  • المياسرة:

    فمن دلائل وعلامات المروءة في الرجل أن يكون هينًا لينًا، سمحًا إذا باع وسمحًا إذا اشترى، وأن يعفو عن زلّات الآخرين بحقه وأن يلتمس الأعذار لغيره. وقد قيل: “لا صديق لمن أراد صديقًا لا عيب فيه”.

  • صدق الحديث:

    فقد قيل: “من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدّثهم فلم يكذّبهم، ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروءته وظهرت عدالته ووجبت أخوته”، وقد قيل: “لا دينًا لمن لا مروءة له”. وما أجمل ما قال الشاعر:

كمال المروءة صدق الحديث وستر القبيح عن الشامتينا

وكم هتك أُناس ستر المروءة التي من دلائلها وعلاماتها في الرجل صدق الحديث حين فشى بينهم عبارة “الكذب ملح الرجال”، وكأن الكذب من علامات الرجولة، فيا للعجب.

مراتب المروءة ودرجاتها

مروءة المرء مع نفسه بأن يحملها ويلزمها بكل ما يجمّلها وترك ما يدنّسها ويعيبها ويشينها من الأقوال والأفعال والأخلاق، {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} [9-10 سورة الشمس].

فمن مروءة المرء مع نفسه أن لا يكون جشعًا عند الطعام حتى لو كان وحده، وأن لا يتجشأ بصوت مزعج، وأن لا يخرج صوتًا عندما يمضغ الطعام. جشأ رجل عند النبي ﷺ، فقال له: كفّ جشاءك عنا”. ويكون الأمر أكثر قبحًا إذا كان في المسجد.

وبالعموم ومع كثرة الأمثلة، فالمروءة مع النفس: “أن لا يفعل ما يستحي فعله بين الناس إلا ما يسمح به العقل والشرع”.

مروءة المرء مع الخلق:

بأن يتعامل معهم بكل معاني الأدب والحياء والخلق الجميل، ولا يُظهر لهم ما يكره أن يراه هو من الناس وليتّخذ الناس مرآة له، فكل ما كرهه من قول أو فعل أو خلق فليتجنّبه، فلا يتعامل مع الناس بخلق لا يحب أن يعاملوه به.

فمروءة اللسان، حلاوته وطيبه ولينه.

ومروءة الخُلُق، سعته وطيبه للحبيب والبغيض.

ومروءة المال، بذله وإنفاقه في المواقع المحمودة شرعًا وعقلًا.

ومروءة الجاه، بذله لمن يحتاج له.

ومروءة الأخوة، ترك الخصام والمعاتبة وكظم الغيظ والمماراة والتغافل عن عثراتهم وستر عيوبهم.

ومروءة المرء مع الخالق، بالاستحياء منه سبحانه من نظره إليك واطّلاعه عليك وإصلاح عيوب نفسك قدر الإمكان، وأن لا تقابل نعمه وإحسانه وفضائله عليك بالكفران والجحود والطغيان.

ومن أعظم معالم مروءة المخلوق مع الخالق سبحانه، أن لا يرانا حيث نهانا، ولا يفتقدنا حيث أمرنا، وقد قيل لسفيان بن عيينة: “إنك قد استنبطت من القرآن كل شيء فأين المروءة؟ فقال: في قوله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [199 سورة الأعراف]”.

خوارم المروءة

مما يذهب بمروءة الرجل ويخرمها أفعال أو أقوال أو أحوال يقوم بها تجعله صغيرًا حقيرًا في أعين الناس:

  • مجالسة أهل البدع والأهواء والسفهاء وأصحاب الأخلاق السيئة، والجلوس في الأماكن المشبوهة والمريبة، لأنها تذهب هيبة الرجل، وتحط من إيمانه ومقامه، لأنها أماكن الأسافل والأراذل.
  • التكلم بالأعجمية وكل لغة غير العربية من غير حاجة، كما يحصل في زماننا من تعمّد خلط اللغة العربية بالإنجليزية وغيرها من اللغات، لإظهار معرفته واطّلاعه وليس بسبب ما تقتضيه ظروف العمل والضرورة، قال عمر رضي الله عنه: “ما تكلّم الرجل الفارسي إلا خبّ ولا خبّ إلا نقصت مروءته”.
  • مدّ الرجلين في المجلس أمام الناس من غير حاجة، ويعظم الأمر إذا مدّها وبين يديه كتاب الله أو في المسجد.
  • الإكثار من المزاح فإنه مما يذهب المروءة، قال ابن عباس رضي الله عنهما: “يا بني لا تمازح السفهاء فتسقط كرامتك ولا اللئام فتذهب مروءتك”.
  • تذوّق الأطعمة والفواكه والخضروات عند الباعة أو الإدّهان بالعطر دون استئذانهم أو دون نية الشراء.
  • الرقص والتمايل فإنه يذهب مروءة الرجل، وقد قال ابن عبدالسلام: “مضاحكة الرجل زوجته وضمّها وتقبيلها أمام الناس بزعم أنها مناسبة عرس، أو قبوله وافتخاره بظهورها وابنته متبرجة بكامل مفاتنها مما بات وللأسف من مظاهر الانفتاح والمدنية المزعومة والموهومة عند من ماتت فيهم المروءة والنخوة والرجولة”.

إنها المروءة لا غيرها

إن المروءة هي ذلك الخلق الذي يمنع صاحبه من القبول بالذلّ والضيم والهوان، ويمنحه القوّة والثقة بالنفس لأن يقول للظالم يا ظالم ولا يخشى في الله لومة لائم.

إنها المروءة كانت من أهم صفات وأخلاق العربي قبل الإسلام في جاهليته، وبعد الإسلام وقد اكتست حلّة الدين وتزيّنت به، حتى إذا نظرنا إلى زماننا هذا نجد سلوك العرب والمسلمين قد فقدوا مروءتهم وتنازلوا عن شهامتهم ونخوتهم فأصبحوا لا يعرفون من العروبة إلا اسمها ولا من الإسلام إلا رسمه.

فهذا المهلهل بن ربيعة المشهور بالزير سالم وقد كان رجل شهوات كأس وطاس وزير نساء، ولكن حين قُتل أخوه كليب فقد طلّق كل تلك الشهوات وامتنع عنها وعاش لشيء واحد هو أن يثأر لأخيه ويسترد كرامته، وهذا ما تحتّمه مروءته وقد قال:

بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه وأدرك أنّا لاحقون بقيصرا

قلت لا تبك عينك إنما نحاول ملكًا أو نموت فنُعذرا

وهذا عنترة بن شداد العبسي يقول في شعره الجاهلي ما يرينا أن المروءة هي من صفات الرجال الشجعان حتى الجاهليين، فكيف لو كانوا مسلمين.

لا تسقني ماء الحياة بذلّة بل فاسقني بالعزّ كأس الحنظل

ماء الحياة بذلّة كجهنم وجهنم بالعزّ أطيب منزل

فأين هي مروءة من يرون مقدساتهم تنتهك، وحرماتهم تدنّس، وإخوتهم وأبناء شعبهم يقتلون ويهجّرون ويموتون مرضًا، بينما هو يقيم الأفراح والليالي الملاح ولا يترك مظهرًا من مظاهره إلا وقام به بل وبالغ في ذلك.

كل الناس مسرور إلا أنا يا منصور

فإذا كان العرب أصحاب مروءة في جاهليتهم، فإن الإسلام قد زيّن تلك الأخلاق وباركها، بل جعلها من مقتضيات الدين. فهذا الشاعر أبو تمّام يقول في قصيدته التي تُعلّم الدنيا كلها المروءة والشهامة بعد إذ سبيت امرأة مسلمة إلى ديار الروم، فأعدّ المعتصم لذلك جيشًا عرمرمًا وصفه أبو تمام بأنه أصدق من الكتب والرسائل وبيانات الشجب والتنديد لما قال في مطلعها:

السيف أصدق إنباء من الكتب في حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب

وقال في ختامها:

فبين أيامك اللاتي نصرت بها وبين أيام بدر أقرب النسب

أبقيت بني الأصفر الممراض كاسمهم صفر الوجوه وجلّت أوجه العرب

وإذا كان حال أمّة العرب كما وصفها أبو تمام يوم اعتزوا بدينهم وكانت المروءة والشهامة والرجولة من صميم مزاياهم، فلقد تغيّر حالهم حتى أنهم أصبحوا يسمعون استغاثة العفيفات ونداءات الأيتام والجياع والمحاصرين والمقهورين وكأنهم صمّ بكم عمي لا يعقلون. وما أصدق ما قال فيهم الشاعر:

ربّ وامعتصماه انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتّم

لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم

فما أعظم أن نذكّر أبناءنا وشبابنا بتاريخ العزّ والمجد والمروءة ليتذكروا أن لهم آباء وأجدادًا كانوا رجالًا تأبى عليهم مروءتهم أن يقبلوا بالضيم والذلّ والهوان.

ففي العام 392 هجري وكانت الأندلس في عصرها الذهبي فتحًا وعلمًا وعزمًا، وبينما القائد العظيم المنصور بن أبي عامر يعود من حملة معارك قادها وانتصر فيها على الأسبان، ولما وصل قرطبة وكان الناس يتجمعون لصلاة العيد فتكون لهم فرصتان، فرحة بالعيد وفرحة بعودة الجيش المظفّر يقوده منصور بن عامر.

وقبل أن ينزل منصور عن جواده والناس يهللون ويكبّرون، اعترضت طريقه امرأة عجوز تبكي بقلب منفطر وتقول له: “كل الناس مسرور إلا أنا يا منصور!!!”. فلما سألها عن عدم سرورها قالت بأن لها ابن ما يزال أسيرًا في حصن “رباح” عند الأسبان، وإذا بالبطل العظيم منصور بن عامر يلوي عنق فرسه وينادي قادة جيشه أن لا ينزلوا عن خيولهم، وأن الملتقى حصن رباح، وهناك دارت معركة مزّقت الأسبان شرّ ممزق، وأطلق سراح أسرى المسلمين ومنهم ابن المرأة العجوز ورجع به إلى أمّه.

فما أحوجنا للنبش والتنقيب في صحائف تاريخنا، نبحث عن تلك العملة الثمينة نمسح عنها غبار السنين ليعود إليها بريقها ولمعانها فلا تندمل ولا تندثر تحت أقدام التافهين والمنبطحين والجبناء. إنها المروءة لا غيرها.

نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا.

رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة.

والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى