أخبار رئيسيةالضفة وغزةتقارير ومقابلاتومضات

بين ألسنة النار وحرّ الصيف .. أفران غزة تتحول إلى ساحة صراع من أجل لقمة العيش

لم تعد النار في غزة وسيلة لإعداد الطعام فحسب، بل غدت امتحانًا يوميًا يخوضه رجال ونساء دفعهم الفقد والجوع إلى العمل في ظروف قاسية، حيث يمتزج لهيب الأفران بحرارة الصيف الخانقة، وتتحول الأرغفة إلى ثمرة ساعات طويلة من الإرهاق والاختناق.

في خيام مهترئة نُصبت على الأرصفة وبين مخيمات النزوح، يقف العاملون أمام الأفران منذ ساعات الصباح الأولى وحتى المغيب، يواجهون الدخان والرماد ودرجات الحرارة المرتفعة، مقابل أجور بالكاد تكفي لتأمين وجبة واحدة لأسرهم.

وبينما يخرج الخبز ساخنًا إلى الناس، يعود هؤلاء إلى خيامهم محملين بآلام الظهر، وضيق التنفس، وأجساد أنهكتها الحرب والعمل معًا.

وتشير تقديرات وزارة العمل الفلسطينية إلى أن عشرات آلاف النساء أصبحن المعيلات الرئيسات لأسرهن منذ اندلاع الحرب، الأمر الذي دفع كثيرات منهن إلى دخول مهن شاقة لم يسبق لهن ممارستها، ومنها العمل في الأفران الشعبية.

من ربة منزل إلى عاملة فرن
داخل فرن متواضع غرب مدينة غزة، تبدأ أم أحمد أبو مغصيب (52 عامًا) يومها قبل شروق الشمس بقليل. ترتدي ملابس غطتها طبقات السواد الناتج عن الدخان، وتجلس لساعات طويلة أمام باب الفرن، تنقل الأرغفة وتراقب نضجها بينما تتصبب منها قطرات العرق.

تقول في حديث معها، إن الحرب سلبتها منزلها وكل ما تملك، ولم يبق أمامها سوى هذا العمل لتأمين قوت أطفالها.

وتضيف: “أرجع آخر النهار ويديّ محروقتان ووجهي مليء بالرماد، لكن عندما أشتري خبزًا أو بعض الطعام لأولادي أشعر أن التعب لم يذهب هدرًا”.

وتوضح أن أجرها المتواضع لا يتناسب مع حجم المشقة، إلا أنها لا تملك خيارًا آخر، خاصة في ظل انعدام فرص العمل وارتفاع أسعار المواد الغذائية.

الدخان يسرق الصحة
لم تقتصر معاناة أم أحمد على الإرهاق الجسدي، بل بدأت صحتها تتراجع مع مرور الأشهر.

فهي تعاني من الربو ونوبات اختناق متكررة بسبب الدخان المتصاعد باستمرار، إلى جانب آلام مزمنة في الظهر والمفاصل نتيجة الوقوف لساعات طويلة.

وتقول: “أحيانًا أصل إلى الخيمة ولا أستطيع حتى غسل وجهي بسبب شح المياه، أنام كما أنا، بثيابي ورائحة الدخان تملأ جسدي”.

وتشير إلى أن أبناءها يساعدونها أحيانًا في العمل، لكنهم هم أيضًا بدأوا يعانون من التهابات جلدية وإجهاد متواصل.

حرارة مضاعفة وأجر محدود
على بعد أمتار، يقف خالد المصري (28 عامًا) أمام فرن آخر، يواصل عمله منذ الصباح وحتى المساء.

يقول إن العمل داخل الخيمة يشبه الوقوف في قلب النار، فالحرارة المنبعثة من الفرن تلتقي بحرارة الشمس، ما يجعل التنفس أمرًا بالغ الصعوبة.

ويضيف: “أرجع إلى الخيمة وأنا أعاني من صداع شديد، وأكتفي غالبًا بوجبة واحدة في اليوم، لكن ماذا أفعل؟ هناك عائلة كاملة تنتظر مني أن أوفر لها الطعام”.

ويؤكد أن أكثر ما يؤلمه ليس التعب، وإنما شعوره بالعجز عن تأمين احتياجات أسرته الأساسية رغم ساعات العمل الطويلة.

نساء يحملن أعباء الأسرة
بدورها، تقول زوجته سمر إنها تشارك زوجها في تجهيز العجين واستقبال الزبائن، رغم معاناتها من مشكلات صحية تفاقمت خلال الحرب.

وتوضح أنها تبدأ يومها بمحاولة الحصول على المياه قبل وصولها إلى الفرن، ثم تمضي ساعات طويلة في العمل، قبل أن تعود إلى أطفالها الذين حرمهم الانشغال الدائم من كثير من الرعاية.

وتقول: “الحرب غيّرت كل شيء… لم يعد لدينا وقت لأنفسنا، ولا حتى فرصة للاهتمام بصحتنا”.

وتضيف أن بشرتها وشعرها تضررا بشكل واضح بسبب التعرض المستمر للحرارة والدخان، بينما أصبح الحصول على المياه للاستحمام رفاهية لا تتوفر إلا نادرًا.

ذكريات حياة تبدلت بالكامل
أما ريم النجار (35 عامًا)، فلم تكن تتخيل يومًا أنها ستقضي نهارها أمام فرن يعمل بالحطب.

تقول إنها كانت تخطط قبل الحرب لافتتاح مشروع صغير يساعد أسرتها، لكن الدمار الذي طال منزلها دفعها إلى البحث عن أي وسيلة للعيش.

وتروي: “أحيانًا أخبز أصنافًا لا أستطيع شراءها لبناتي، فأشعر بوجع كبير، لكنني أواسي نفسي بأن الصبر هو الخيار الوحيد”.

وتشير إلى أنها تعاني من ضعف في النظر، وآلام في الصدر، إضافة إلى طفح جلدي لم تفلح المراهم في علاجه، بسبب استمرارها في العمل يوميًا.

لقمة العيش أقوى من التعب
ورغم ما يرافق العمل من مخاطر صحية وإرهاق نفسي، يواصل العاملون في الأفران أداء عملهم، مدفوعين بحاجة أسرهم إلى الطعام.

ففي غزة، لم تعد الأفران مجرد أماكن لصناعة الخبز، بل أصبحت شاهدة على قصص أناس أجبرتهم الحرب على مواجهة النار كل يوم، حتى لا تنطفئ شعلة الحياة داخل خيامهم.

وبين حرارة الصيف ولهيب الأفران، يواصل هؤلاء رحلة البحث عن لقمة العيش، مؤمنين بأن الصمود لم يعد شعارًا يُرفع، بل رغيف خبز يُنتزع كل يوم من قلب النار.

المصدر: المركز الفلسطيني للإعلام

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى