تساقطوا مثل قطع الدومينو.. ماذا بعد اعتقال حيتان الفساد بالعراق؟

قبل ساعات من بزوغ فجر أمس الأحد لم تكن شوارع بغداد تشبه لياليها المعتادة. دبابات من طراز “أبرامز” ترافق قوات من جهاز مكافحة الإرهاب والجيش العراقي، خلال مداهمات استهدفت منازل مسؤولين وشخصيات سياسية في الدولة العراقية.
ومع أول ضوء للصباح، كانت الطرق المؤدية إلى المنطقة الخضراء مغلقة، فيما انتشرت القوات الأمنية مدججة بالسلاح بكثافة في محيطها.
وشنت -فجر الأحد- قوة مشتركة -تضم جهاز مكافحة الإرهاب والجيش العراقي وأجهزة أمنية مختصة بقضايا النزاهة- حملة اعتقالات في مواقع عدة داخل المنطقة الخضراء، من بينها مجمع بغداد السكني الذي يقطنه مسؤولون ونواب في البرلمان العراقي، حسب ما تم تداوله في مقاطع مصورة انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي.
وبعد ذلك، شددت القوات الأمنية إجراءاتها وأغلقت عددا من الطرق المؤدية إلى المنطقة الخضراء. وعلى غير عادة شوارعها، امتدت طوابير السيارات قبل أن يعود الهدوء إلى الشارع في الظهيرة.
وتبين أن العراق دخل واحدة من أوسع حملات ملاحقة المتهمين بقضايا الفساد منذ عام 2003، بعد تنفيذ أوامر اعتقال بحق مسؤولين ونواب وشخصيات سياسية بارزة، استنادا إلى اعترافات أدلى بها وكيل وزارة النفط السابق عدنان الجميلي.
وعادت ملفات الفساد إلى واجهة المشهد العراقي، وأثارت خطوة الاعتقالات تساؤلات عما إن كانت تمثل بداية مرحلة جديدة في مكافحة الفساد، أم أنها ستواجه المصير ذاته الذي انتهت إليه حملات سابقة.
الزيدي يشرف على العملية
وعن تفاصيل العملية المباغتة، كشف مصدر رفيع يعمل في محكمة تحقيق النزاهة -في تصريحات صحفية- أن حملة الاعتقالات شملت أكثر من 35 شخصية سياسية وبرلمانية والعدد في تزايد، مشيرا إلى أن عددا من المتهمين أُلقي القبض عليهم في إقليم كردستان ومحافظات أخرى، وذلك استنادا إلى اعترافات أدلى بها وكيل وزارة النفط عدنان الجميلي.
وأوضح المصدر أن القوات الأمنية باشرت تنفيذ أوامر قبض قضائية شملت أصحاب درجات خاصة ونوابا ومحافظين ورئيس كتلة سياسية، على خلفية ملفات تتعلق بالفساد واستغلال النفوذ، لافتا إلى أن بعض الموقوفين نُقلوا إلى هيئة النزاهة لاستكمال الإجراءات القانونية. وأضاف أن رئيس الوزراء أشرف على الحملة، فيما رفع رئيس البرلمان هيبت الحلبوسي الحصانة عن النواب المعتقلين تزامنا مع العطلة التشريعية.
وفي بيان رسمي، أعلنت هيئة النزاهة الاتحادية مباشرة إجراءات حازمة بصدد تنفيذ مذكرات القبض القضائية الصادرة بحق عدد من المتهمين بالتجاوز على المال العام، مشددة على أن جميع إجراءاتها المتخذة تجري بدقة بموجب أحكام القانون وتحت مظلته.
في 30 مايو/أيار 2026، اعتقلت قوات الأمن العراقية وكيل وزارة النفط عدنان الجميلي في منطقة الإسحاقي بمحافظة صلاح الدين، بعد وقت قصير من صدور قرار بإعفائه من منصبه مديرا عاما لشركة مصافي الشمال، فيما عُثر لديه على نحو 11 مليون دولار أمريكي.
إجراءات مشددة
وتزامنا مع ذلك، شهدت المنطقة الخضراء إغلاقا كاملا، مع انتشار كثيف للقوات الأمنية والعجلات المدرعة في عدد من شوارع العاصمة بغداد.
وامتدت الإجراءات الأمنية إلى مطار بغداد الدولي، إذ أفاد موظفون في المطار بأن الإدارة شددت إجراءات التفتيش والتدقيق على المسافرين، تحسبا لمحاولة أي مطلوب للقضاء مغادرة البلاد، في مؤشر على اتساع نطاق الإجراءات الاحترازية المرافقة للحملة.
ترحيب برلماني
وفي أول ردود الفعل السياسية، قال عضو مجلس النواب العراقي باسم الغرابي -في تصريح صحفي- إن أي إجراءات حكومية أو قضائية جادة تستهدف مكافحة الفساد واسترداد المال العام تمثل خطوة مرحبا بها، لكونها تستجيب لمطلب شعبي ودستوري طال انتظاره.
وأكد أن نجاح هذه الحملة لن يقاس بعدد أو أهمية الأشخاص الذين صدرت بحقهم أوامر قبض، بل بمدى التزامها بسيادة القانون واستمرارها حتى تشمل جميع من تثبت مسؤوليتهم عن الفساد، من دون تمييز أو استثناء أو انتقائية، وبغض النظر عن انتماءاتهم السياسية أو مناصبهم.
وأضاف الغرابي أن احترام استقلال القضاء وقراراته يمثل ركنا أساسيا في نجاح أي مسار إصلاحي، لأن العدالة تستند إلى الأدلة وأحكام القانون لا إلى الضغوط أو الانتماءات. وأشار إلى أن الرأي العام سيبقى يراقب ما إن كانت الإجراءات ستشمل جميع المتورطين أم ستتوقف عند حدود معينة، معربا عن أمله في أن تشكل هذه الحملة بداية لترسيخ مبدأ أن لا أحد فوق القانون، ومؤكدا ثقته بالقضاء العراقي.
تساقط قطع الدومينو
ويرى الباحث في الشأن السياسي طالب الأحمد أنه إذا استمرت حملة مكافحة الفساد بالوتيرة نفسها وبالقدر ذاته من الحزم، فإنه يتوقع أن تنهار شبكات الفساد التي تشكلت خلال السنوات الماضية “مثل قطع الدومينو”.
وأضاف أن النهج الذي يتبناه رئيس الوزراء علي الزيدي في التعامل مع ملفات الفساد يمثل -من وجهة نظره- تحولا لم يشهده العراق منذ عام 2003، ولا سيما مع غياب ما وصفه بـ”الخطوط الحمراء” في ملاحقة المتهمين حتى الآن. واعتبر أن ذلك يبعث برسالة مفادها أن جرائم الفساد لا تسقط بالتقادم، وأن المحاسبة ستبقى قائمة مهما طال الزمن.
وأشار الأحمد إلى أن نجاح هذه الحملة يتطلب أيضا تعاونا دوليا، معتبرا أن بعض شبكات الفساد تحظى -بحسب تقديره- بدعم من جهات وشخصيات تقيم خارج العراق، الأمر الذي يجعل ملاحقتها واسترداد الأموال المنهوبة بحاجة إلى تنسيق وتعاون يتجاوز الحدود.
ورغم الترحيب الذي رافق الحملة، فإنها تضع السلطات العراقية أمام اختبار لا يتعلق بإصدار أوامر القبض فحسب، بل بقدرتها على استكمال الإجراءات القضائية وصولاً إلى أحكام نهائية واسترداد الأموال العامة، في ظل تجارب سابقة انتهت دون نتائج حاسمة، فيما يترقب الشارع العراقي ما إن كانت هذه الحملة ستؤسس لمرحلة مختلفة في مكافحة الفساد، أم أنها ستظل حدثا استثنائيا سرعان ما يتراجع زخمه مع تعقيدات المشهد السياسي في العراق.
المصدر: الجزيرة