شعرة معاوية.. شعرة لا تنقطع
ليلى غليون
أراد زين العابدين أن يعقد على امرأة، فقال لها في مجلس العقد: “إني رجل سيئ الخلق.. دقيق الملاحظة.. شديد المؤاخذة.. سريع الغضبة.. بطيء الفيأة.. (أي بطيء الرضا)، فإن كان عندك شيء من الصبر على المكروه فتقدمي… وإلا فلا أغرر بك”. فنظرت إليه وقالت: “أسوأ منك خلقًا من تحوجك إلى سوء الخلق”. فقال لها: “أنت زوجتي ورب الكعبة”. فمكث معها عشر سنين ما لامها على شيء، ثم وقع بينهما شيء فقال لها: “أمرك بيدك”، أي أنه جعل طلاقها بيدها إن شاءت طلقت نفسها، ثم ندم على ما بدر منه خوفًا أن تختار فراقه، وبان أثر ذلك عليه، فقالت له: “أما والله لقد كان أمري بيدك عشر سنين فأحسنت حفظه، فلن أضيعه أنا ساعة من نهار وقد رددته إليك”، فقال لها: “لا جرم أنك من أعظم نعم الله علي”.
هناك حكمة تقول: “افتح عينيك جيدًا قبل الزواج واتركهما نصف مغمضتين بعده”، بمعنى أن الفرد عندما يقدم على الزواج يجب أن يختار شريك حياته ويتعرف عليه بشكل عميق ودقيق وتفصيلي، وبعد الزواج، وحتى تسير سفينة الحياة الزوجية على مياه هادئة، يجب على الزوجين كليهما التغاضي عن أمور كثيرة في الحياة حتى لا تتحول إلى جحيم وساحة حرب. وليس المقصود هنا الأخطاء الفادحة التي تحتاج إلى فتح عشر عيون، وليس المقصود التماشي مع الخطأ والهروب من معالجته، ولكن المقصود نشر ثقافة المداراة بين الزوجين، وهو تسامح خلقي راقٍ، وحب يهون عنده الخطأ وربما يحلو.
وفي هذا الزمان، المليء بزخم الضغوطات النفسية والمنغصات ومشاكل الحياة على أنواعها، فإن الجميع في حاجة إلى شعرة معاوية بن أبي سفيان لما قال: “لو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، إن شدوها أرخيتها، وإن أرخوها شددتها”.
وهذه العبارة تختصر حكمة عميقة في إدارة العلاقات وإبقائها حية، بل قانون يحكم العلاقات الإنسانية كلها، فهي منهج حياة يقوم على المرونة والذكاء العاطفي وحسن التقدير، وأحوج ما يكون لهذه الشعرة هما الزوجان اللذان يربطهما عقد غليظ تنبت على ضفافه ورود السكن والمودة والرحمة، ولأن الزواج ليس اتفاقًا دائم الانسجام، بل هو مساحة إنسانية مليئة بالاختلافات… طباع متباينة، ضغوطات يومية، توقعات غير معلنة… هنا تظهر أهمية هذه الشعرة… فإذا شد أحد الطرفين خفف الآخر، وإذا ابتعد أحدهما اقترب الآخر، وإذا ارتفعت نبرة الغضب عند أحدهما برزت نبرة الحكمة عند الآخر، فالقضية هنا ليست من المخطئ ومن على الحق، بل من الأقدر على إنقاذ الموقف.
فما أجمله من خلق، وما أعلاها من نفس تلك التي تترفع عن سفاسف الأمور وتغض الطرف عن الصغائر وعن هفوات الغير وزلاتهم؛ فلا تترصد لهم الأخطاء ولا تحصيها عليهم ولا تقابلهم بثورة أعصاب تنغص هناءهم، بل تقابلها بتغافل حكيم حتى تُبقي على مياه العلاقات في مجاريها، حفاظًا على وشائج المحبة وسلامة المشاعر من أن تُخدش أو تُجرح.
“شعرة معاوية”… ذاك الخيط الرفيع الذي يحفظ العلاقات من الانقطاع، ذاك الخيط الذي لا يُشد حتى ينقطع، ولا يُترك ويُهمل حتى يضيع ويتلاشى، بل يدار بحكمة بين الشد والإرخاء، فطبيعة العلاقات الإنسانية على أنواعها واختلافها متقلبة، فيها الرضا والغضب، القرب والبعد، وهنا تظهر أهمية هذه “الشعرة”: الشد عند الحاجة حين يتطلب الأمر حزمًا يحفظ الكرامة والحدود، والإرخاء حين يكون الخلاف عابرًا أو ناتجًا عن تعب أو هم أو سوء فهم، فيكون التغافل أولى، والتسامح أقرب للإصلاح من المواجهة.
“شعرة معاوية”… لا تعني أن يصمت الزوج أو الزوجة دائمًا فيدفن كل منهما مشاعره، أو أن يتنازلا دائمًا فيفقد كل منهما نفسه، بل أن يعرفا متى يتكلما وكيف يتكلما، ومتى يكون الصمت أبلغ وأولى من الكلام.
“شعرة معاوية”… هي تلك اللحظة التي يختار فيها الزوج (أو الزوجة) أن يصمت بدل أن يجرح، هي تلك اللحظة التي يختار (أو تختار) فيها أن يؤجل النقاش بدل أن يحسمه بالقوة، هي تلك اللحظة التي اختار (اختارت) فيها أن يفهم ويتفهم قبل أن يدين، فكم من بيوت هدمها الإصرار على “أنا على حق” “أنت المخطئ” “أنت كذا وكذا”…
فالزوجة الحكيمة لا ترى في تنازلها أو لينها ضعفًا، بل قوة تحفظ بيتها وأسرتها من التصدع، والزوج الواعي لا يرى في اعتذاره لزوجته انتقاصًا من رجولته أو كرامته، بل جسرًا واقيًا من خلاله يحفظ البيت من الانهيار.
يقول الحسن البصري رحمه الله: “ما زال التغافل من فعل الكرام”. وقال الإمام أحمد رحمه الله: “إن العافية عشرة أجزاء كلها في التغافل”، وقال أيضًا: “تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل”، وقيل لأعرابي: من العاقل؟ قال: الفطن المتغافل، أي الذي يتغاضى وهو يعلم، ولا نقصد هنا بالتغافل الغفلة، فالغفلة غير التغافل، ومعنى التغافل تكلف الغفلة مع العلم وإدراك ما يتغافل عنه، تكرمًا وترفعًا عن سفاسف الأمور. وقد قيل لبعض العارفين: ما المروءة؟ قال: التغافل عن زلة الإخوان. فما أجمل أن يتغافل الزوجان عندما يخطئ الواحد في حق صاحبه (إن كان الأمر ليس مهمًا وليس فيه أي تجاوز للشرع). فما أسعد الزوجين حين يفتح الزوج أو الزوجة عينًا ويغمض الأخرى لتمر العاصفة بسلام!
ألا يعلم كلا الزوجين أن كل واحد منهما قد تربى في بيئة تختلف عن الأخرى، وأن لكل منهما طباعًا وعادات وتقاليد يختلف بها عن الآخر، لذا فمن المستحيل أن يكون الزوج نسخة عن زوجته أو هي نسخة عنه، كذلك فإنه من المستحيل أيضًا أن يجد الواحد منهما كل ما يريده من الطرف الآخر، وعندما يدركان أنهما من البشر الذين يخطئون -وليس من صنف الملائكة المعصومين عن الخطأ- يصبح من السهل عليهما أن يتجملا بصفة التغاضي أو المداراة، لأن الحياة الزوجية غالية وثمينة وتستحق التضحية من أجلها.
ولهذا لا تقاس قوة العلاقة بغياب الخلاف، بل بالقدرة على احتواء الخلاف دون انهيار الروابط.
فالهدف هنا أن تستمر العلاقة دون أن تنكسر، وأن يبقى ذلك الخيط الرفيع الذي مهما اهتز لا ينقطع، فيُمسك برفق، فلا يُشد فينقطع، ولا يُترك فيضيع.
“شعرة معاوية”… هي أن لا نتسرع في ردود أفعالنا، هي أن نسمع لنتفهم لا لنرد، هي أن نتعلم فن الاعتذار، وأن في الاعتذار قوة وسلامة ورقيًا نفسيًا، هي أن لا نجعل لحظة غضب تنهي سنوات من القرب والمودة والعلاقات الطيبة الحميمة.
“شعرة معاوية”… هي حين لا نصر على الانتصار لأنفسنا في كل نقاش، حين لا نفسر كل كلمة بسوء نية، حين لا نحمّل الآخرين ما لا يحتملون، حين لا نصمت حتى تمتلئ قلوبنا بالمشاعر السلبية تجاه الآخرين… فكل ذلك شد خطير سينتهي بقطيعة ستأتي حتمًا.
ففي زحام الحياة بصورة عامة، وبين الزوجين بصورة خاصة، العلاقات لا تنهار فجأة، والناس لا يخسرون بعضهم بعضًا فجأة، بل الخسارة تكون غالبًا حين يُفرِطون ويبالغون في الشد، أو حين يهملون الإرخاء… فلا إفراط ولا تفريط.
