المستوطنون يمنعون مزارعي الخليل من أرضهم: اعتداءات مسلحة وغطاء عسكري يخنق موسم العنب ويهدد أرزاق آلاف الفلسطينيين (شاهد)

كشفت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، في تقرير ميداني، عن تصاعد خطير في اعتداءات المستوطنين على المزارعين الفلسطينيين في بلدة حلحول شمال الخليل، وسط حماية مباشرة من قوات الاحتلال، ما أدى إلى حرمان مئات العائلات من الوصول إلى أراضيها وخسائر اقتصادية فادحة تهدد مصدر رزقها الأساسي.
ويروي محمد، وهو مزارع من البلدة، كيف خرج مع عشرات من أبناء قريته في محاولة للوصول إلى كروم العنب الخاصة بهم، حاملين أدواتهم الزراعية، في وقت يُعد حاسمًا من موسم تقليم العنب. إلا أن هذه المحاولة تحولت سريعًا إلى مشهد قمعي، بعدما هاجم مستوطنون من بؤرة استيطانية مقامة على أراضي الفلسطينيين المزارعين، مستخدمين غاز الفلفل، ما أدى إلى إصابة عدد منهم، بينهم أطفال.

وبحسب التوثيق، فقد ظهرت طفلتان، في السابعة والتاسعة من عمرهما، وهما تصرخان تحت الكروم بعد تعرضهما للغاز، فيما حاول والدهما، الذي أصيب أيضًا، تهدئتهما وسط الألم. كما أظهر تسجيل مصور وجود مستوطن مسلح بسلاح عسكري ضمن المعتدين، في وقت كان فيه جنود الاحتلال في الموقع.

في المقابل، منعت قوات الاحتلال باقي المزارعين من التقدم نحو أراضيهم، حيث أغلقت الطرق في الوادي، بينما تجمع مستوطنون آخرون في المكان، في مشهد يعكس التنسيق الفعلي بين الجيش والمستوطنين. وأمام الجنود، حاول أحد المزارعين إثبات ملكيته للأرض عبر وثائق رسمية، إلا أن ذلك لم يشفع له. وقال متوسلًا: “نحن نعيش من أرضنا، إذا لم نعمل فيها فلن يكون لدينا أي مصدر دخل، ومع ذلك يمنعوننا من الوصول إليها”.

وتُعد بلدة حلحول، التي يسكنها أكثر من 33 ألف فلسطيني، من أبرز مناطق إنتاج العنب في الضفة الغربية، وهو ثاني أهم محصول زراعي بعد الزيتون. ويؤكد الأهالي أن آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية أصبحت خارج متناولهم بسبب إقامة بؤر استيطانية جديدة منذ اندلاع الحرب، معظمها على أراضٍ فلسطينية خاصة.
ومن بين هذه البؤر، أُقيمت بؤرة “كرم حمامي” في صيف عام 2025 على أراضي البلدة، فوق تلة تتوسط الكروم، رغم أنها لا تستند إلى أي صفة قانونية. ورغم إقرار مسؤولين إسرائيليين بأنها “بؤرة غير قانونية”، إلا أن ذلك لم يمنع المستوطنين من مواصلة اعتداءاتهم وفرض واقع بالقوة، بدعم من الجيش.
ويؤكد المزارعون أن هذه البؤرة وحدها تمنعهم من الوصول إلى آلاف الدونمات، ما يهدد بإفشال موسم العنب بالكامل. ويقدّر الأهالي خسائرهم هذا العام بعشرات ملايين الشواقل، في ظل تراجع فرص العمل وانقطاع مصادر الدخل الأخرى بسبب سياسات الاحتلال.
ويعكس حديث المزارعين حجم المعاناة، حيث قال أحدهم: “أنا مزارع ولست إرهابيًا، أرضي تعطيني العنب الذي نأكله جميعًا. ماذا يريدون منا؟ أين سيعمل أبناؤنا في المستقبل؟ نحن نريد فقط أن نزرع أرضنا، لا أن نصنع القنابل”. وأضاف آخر: “كنا نعيش بسلام، لكن المستوطنين دمروا حياتنا”.
ومنذ نوفمبر الماضي، حاول الفلسطينيون الوصول إلى أراضيهم أكثر من 50 مرة، لكنهم كانوا يتعرضون للاعتداء في كل مرة. ويشير الأهالي إلى أنهم تمكنوا فقط من الوصول مرتين، عندما رافقهم متضامنون، حيث تعاملت قوات الاحتلال معهم بشكل أقل عنفًا، ما يكشف ازدواجية المعايير في التعامل.
كما فرضت سلطات الاحتلال قيودًا بيروقراطية إضافية، مطالبة المزارعين بالحصول على “تنسيق مسبق” للوصول إلى أراضيهم، وهو أمر لم يكن معمولًا به سابقًا، في خطوة يرونها وسيلة جديدة لعرقلة وصولهم. ويؤكد المزارعون أنهم حاولوا مرارًا التنسيق، لكن دون جدوى، حيث ترفض الجهات الإسرائيلية استقبالهم أو منحهم التصاريح.
وخلال إحدى المحاولات الأخيرة، سلّم ضابط إسرائيلي المزارعين أمرًا عسكريًا بإغلاق المنطقة، رغم أن سريان القرار لا يشمل الفترة الحالية، ما يعكس استخدام الأوامر العسكرية كأداة لمنع الفلسطينيين من استغلال أراضيهم.
ويحذر المزارعون من أن الموسم الزراعي الحالي بات مهددًا بالضياع، إذ إن تأخر تقليم الكروم يعني عمليًا فقدان محصول العنب لهذا العام. ويقول أحدهم: “نحن لا نطلب شيئًا سوى العمل في أرضنا، لكنهم يمنعوننا. كيف سنؤمّن الطعام لأطفالنا؟ من أين سنأتي بالمال؟”.
ولم يصدر عن جيش الاحتلال الإسرائيلي -بحسب الصحيفة- أي تعليق على هذه الانتهاكات، التي تندرج ضمن سياسة أوسع لتقييد حياة الفلسطينيين وحرمانهم من مواردهم الأساسية، في ظل تصاعد الاستيطان وتوسعه على حساب الأراضي الفلسطينية.
