وهذه أيضًا ستمضي…

ليلى غليون
لهذه العبارة والتي اخترتها عنوانًا لمقالتي، قصة جميلة ومؤثرة ومعبرة، تقول القصة: إن أحد الملوك طلب من وزرائه أن يهدوه هدية تنفعه في كل وقت وحال، حال الفرح وحال الحزن، فأحضر الوزراء كلهم هدايا مفيدة ولكنها لا تنفع في كل الأوقات والأحوال إلا وزيرًا واحدًا وقد كان حكيمًا، فقد أهدى الملك خاتمًا، فلما رآه الملك قال له أحسنت هذا هو المطلوب، السر لم يكن في الخاتم ذاته، بل بالعبارة المنقوشة عليه، فقد كان منقوشًا عليه عبارة واحدة فقط وهي: “وهذه أيضًا ستمضي” عبارة تنفع الملك في كل الأوقات والظروف، فعندما يكون في أحسن الأحوال تجعله لا يغتر، وعندما تكون أحواله سيئة تجعله لا ييأس، لماذا، لأن هذه وتلك ستمضي.
تتقلب حياتنا بين مد وجزر، بين لحظات مختلفة، لحظات مضيئة ولحظات مظلمة، لحظات فرح يعانق السماء ولحظات حزن يكتوي من ناره القلب حتى يكاد يذوي.
ولكن في زحمة الحياة وتسارع وتقلب أحداثها وأحوالها، قد تغيب عن الذهن حقيقة عظيمة ساطعة سطوع الشمس في ضحاها تقول: لا شيء يبقى كما هو، ولا شيء يدوم على حال، فما يمر فيه الواحد منا من فرح أو حزن أو قوة أو ضعف أو مرض أو صحة أو غنى أو فقر، ما هو إلا مرحلة وفصل في كتاب حياة كل واحد منا وليس الكتاب كله، وأن كل ما نحن فيه من ابتلاء سواء كان الابتلاء في الخير أو الشر فهو عابر وليس مستقرًا.
ففي لحظات الانكسار والشدة والألم، قد يظن ظان أن الألم قد استقر في قلبه وحصل على إقامة دائمة، فتراه يجزع ويرتجف ويتلفع بثياب الأسى وربما اليأس وكأن الأبواب كلها قد سدت في وجهه حتى يظن أنها نهايته.
وحين تتسع الدنيا وتضحك الأيام في وجهه، يحسب أن السرور عقد لا ينفرط، وأن الأيام ستظل تتدفق عليه بالسمن والعسل والمسرات.
يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: دع الأيام تفعل ما تشاء وطب نفسًا إذا حكم القضاء، ولا تجزع لحادثة الليالي فما لحوادث الدنيا بقاء.
وهذه الأبيات تختصر الفكرة كلها: فلا بقاء لحال، سواء كان هذا الحال يسرًا أو عسرًا، لأن هذا سيمضي، وذاك أيضًا سيمضي، ولو استقر هذا المعنى العظيم في القلب لخفف الكثير من أوجاعه ومعاناته، لأن غالبًا ما يقض مضجع الإنسان ليس الألم ذاته، بل خوفه وقلقه من أن هذا الألم سيدوم ويستقر في قلبه فلا يبرحه أبدًا.
إن عبارة “وهذه أيضًا ستمضي” ليست عبارة تقال لتسكين الألم أو لتخفيف الأوجاع فقط، أو للهروب من واقع الحال، بل هي قانون حياة، فالليل مهما طال فلا بد أن يعقبه الفجر، والشتاء مهما اشتد برده وسقيعه وزمجرة عواصفه، فالربيع قادم لا محالة، وسيعقب كل هذه الزمجرة وشدة البرد دفء وجمال وزقزقة عصافير وأزهار تتمايل طربًا على أنغامها، وكذلك حال الإنسان وحياته لا تثبت على حال.
فحين يشتد البلاء، ويرتفع منسوب الألم في النفس، وتتراكم الخيبات، ويضيق الأفق، بل تضيق الدنيا بما رحبت، ويطرق اليأس الأبواب حتى نظن أن لا مخرج، يأتي الوعد الرباني ليزرع الطمأنينة والأمل في القلب والوجدان، أعمق نقطة في النفس، ليهمس الإيمان فيها بهدوء: ” إصبر… فهذه أيضًا ستمضي” فالمحنة مرحلة وأن لكل مرحلة أجلًا.
فما من دمعة سالت إلا وجفت، وما من وجع أقام إلا وارتحل، وما من ليل طال إلا وانشق عن فجر جميل.
وكم من أزمة ظنناها نهاية الطريق، بل نهاية الدنيا، فإذا هي تنبلج عن خير وفير، وكم من انتظار فرج طال أمده ثم جاء بعده عطاء يفوق كل التوقعات، وكم من خسارة حسبناها كسرًا وضربة قاضية، فإذا بها تعيد ترتيب أوراقنا وأولوياتنا وتوجه بوصلتنا نحو المسار الصحيح.
يقول تعالى: “فإن مع العسر يسرًا، إن مع العسر يسرًا” سورة الشرح. لقد تكرر الوعد مرتين، وتكرار الوعد ليس عبثًا، إنما هو طمأنة وتثبيت للقلوب أن المحنة لن تدوم، وطمأنة للروح فلا يأس ولا قنوط، فالعسر مرحلة وليس مصيرًا ولا نهاية، وكذلك، فالمولى عز وجل لم يقل: بعد العسر يسر، بل قال مع العسر يسر، ولفظة “مع” تدل على المصاحبة، وكأن الفرج واليسر يسيران بمحاذاة الكرب والعسر ملازمان له حاضران معه.
“هذه أيضًا ستمضي” لا تقال للحزين أو المكروب وحده، فكما أن الشدة والحزن لا يدومان كذلك فالفرح والرخاء لا يخلدان، والعاقل من لا يركن إلى نعمة وكأنها سرمدية، ولا يغتر بقوة وكأنها أبدية، فكم من غني افتقر، وكم من قوي ضعف، وكم من صاحب ملك آل ملكه إلى زوال، وكم من صاحب مجد وجاه ظن أن مجده وجاهه دائم، فإذا به صفحة من صفحات الماضي، هذه حقيقة لا نقولها لتعكير مياه الفرح، أو لزرع اليأس في النفوس، بل لتهذيب هذه النفوس ودغدغة القلوب لتظل يقظة متنبهة، ترى الفرح شكرًا وتذكيرًا بالمنعم المتفضل سبحانه لا غرورًا أو اغترارًا، وترى الخير نعمة تحمد الله عليها لا غفلة تنسيها حقيقتها.
إن من أدرك ووعى مفهوم “هذه أيضًا ستمضي” وأدرك أن الأيام دول، يوم لك ويوم عليك، وأن كل ما حوله قابل للتغير، الصحة، المال، الشباب، العلاقات، المكانة… فقد ملك مفتاح السلامة والطمأنينة النفسية، فلا ييأس عند الشدة، ولا يطغى عند الرخاء، ولا يتعلق بما هو زائل، ولا يحزن على ما فات وكأنه نهاية الدنيا، بل يشكر عند الرخاء ويصبر عند البلاء، ويتواضع عند القوة ويرجو عند الضعف.
هي دعوة لأن نعيش حياتنا بوعي وسلام داخلي منبعه إيماننا أن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، ونتعامل مع تقلبات الحياة والظروف بثقة بالله عز وجل ويقين وطمأنينة وتصديق جازم أن كل ما يصيبنا من خير أو شر هو بتقدير الله عز وجل وعلمه ومشيئته، فلا نجزع ولا نغتر.
فسر الطمأنينة لا يكمن في ثبات الأحوال، بل في ثبات القلب على القيم والمبادئ، حتى لو تقلبت الظروف والأحوال، والقلب لا يطمئن ولا يثبت إلا إذا تعلق بالثابت الباقي الذي لا يزول، بالله عز وجل الذي بيده تقلب الأحوال، وحين يتعلق القلب بالثابت لا تزعزعه المتغيرات، فلا يتعلق بزائل، ولا ييأس من متغير، ولا يحزن كأن الحزن قدر أبدي، ولا يفرح كأن الفرح خالد، لإيمانه بالحقيقة التي تقول: لا شيء يدوم.
فإذا ضاقت بك الأيام فقل: سحابة وستنقشع، فلا تحزن حزنًا يطفئ روحك.
وإذا فتحت لك الدنيا أبوابها فقل: الحمد لله المعطي الوهاب، فلا تفرح فرحًا ينسيك حقيقتك.
ولنتذكر جميعًا أن الحياة صفحات تتقلب، والزمان يمضي، والأيام تتغير، وما بين ألم وأمل، وما بين شدة ورخاء، وما بين فرح وحزن، تبقى الحقيقة واحدة وهي: “وهذه أيضًا ستمضي” لكن أثر الصبر في الشدة وأثر الشكر في النعمة هو الذي سيبقى، ويبقى وعد الله حقًا، “ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام”.