مفاوضات جنيف بين واشنطن وطهران: ضغوط عسكرية وتصعيد سياسي يضعان المنطقة أمام مفترق حاسم

تتجه الأنظار إلى جنيف حيث تنطلق، الثلاثاء، الجولة الثانية من المحادثات الأميركية الإيرانية برعاية عُمانية، في ظل أجواء مشحونة وتوقعات حذرة، وسط غياب مؤشرات واضحة على اختراق وشيك قد يبدد مخاوف انزلاق المنطقة إلى مواجهة واسعة.
الجولة الجديدة تأتي بعد جلسة سابقة عُقدت في مسقط مطلع شباط/فبراير، من دون إعلان رسمي عن طبيعة التنازلات التي تطالب بها واشنطن بشأن البرنامج النووي الإيراني، مقابل تمسك طهران بما تصفه بحقوقها النووية، وتحذيرها من رد “موجع” إذا تعرضت لهجوم.
في المقابل، يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب إطلاق تصريحات متباينة؛ فتارة يتحدث عن إمكانية التوصل إلى اتفاق، وتارة أخرى يستبعد ذلك ويلقي بالمسؤولية على طهران، ملوحًا بعواقب قاسية إذا فشلت المفاوضات. كما أثار حديثه عن أن تغيير النظام في إيران قد يكون “أفضل ما يمكن أن يحدث” تساؤلات بشأن الأهداف النهائية لواشنطن.
حشد عسكري وضغط اقتصادي
بالتوازي مع المسار الدبلوماسي، عززت الولايات المتحدة حضورها العسكري في المنطقة، بإرسال حاملة الطائرات USS Gerald R. Ford لتنضم إلى USS Abraham Lincoln، إلى جانب مدمرات ومقاتلات، في خطوة تُقرأ على أنها ورقة ضغط إضافية قبل جولة جنيف.
كما يتقاطع ذلك مع تفاهم أميركي–إسرائيلي على زيادة الضغط الاقتصادي على إيران، خصوصًا في ما يتعلق بصادراتها النفطية إلى الصين، في إطار سياسة “الضغط الأقصى” التي يُعتقد أنها تهدف إلى دفع طهران نحو تقديم تنازلات إضافية.
موقف إيراني مشروط
من جهتها، تؤكد طهران استعدادها للنظر في خطوات مثل تخفيف نسبة تخصيب اليورانيوم البالغة 60%، لكنها تشترط بحث رفع العقوبات. وشدد مسؤولون إيرانيون على أن المفاوضات يجب أن تقتصر على الملف النووي، مع اعتبار “التخصيب الصفري” خطًا أحمر، ورفض إدراج برنامج الصواريخ الباليستية ضمن أي تفاوض.
وحذرت إيران من أن أي مواجهة عسكرية قد تتحول إلى نزاع إقليمي واسع، مشيرة إلى أن المنطقة بأسرها قد تتأثر بتداعياته، بما في ذلك إمدادات الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
أزمة ثقة وعقبات معقدة
ويرى محللون أن أزمة الثقة المتبادلة تمثل العقبة الأبرز أمام أي تقدم فعلي، في ظل إصرار واشنطن على شروط مشددة، وتمسك طهران بخطوطها الحمراء. كما تبرز تساؤلات حول موقف إسرائيل في حال التوصل إلى اتفاق يقتصر على النووي دون الصواريخ أو النفوذ الإقليمي.
وتشير تقديرات إلى أن الخيار العسكري، رغم حضوره في الخطاب السياسي، يواجه تحديات معقدة، من بينها تحصين المنشآت النووية الإيرانية، وتطور القدرات الصاروخية الإيرانية، واحتمال اتساع رقعة الصراع إقليميًا، فضلًا عن التكلفة السياسية والاقتصادية لأي تصعيد، بما في ذلك احتمال تأثر الملاحة في مضيق هرمز.
في المحصلة، تدخل مفاوضات جنيف مرحلة دقيقة، حيث تتداخل حسابات الردع مع رهانات الدبلوماسية، ويبقى احتمال الاتفاق أو المواجهة مفتوحًا، بانتظار ما ستسفر عنه جولة الثلاثاء من مؤشرات عملية على نيات الطرفين.


