الطريق إلى القلوب
ليلى غليون
كثيرون من يملكون بحوزتهم علاّقة تجمع مفاتيح عدة كمفتاح السيارة أو مفتاح البيت أو مفتاح المكتب أو مفتاح للأدراج الخاصة وغيرها من المفاتيح التي أصبحت تلازمنا وترافقنا إلى أي مكان نذهب إليه ولا غنى عنها، وإذا كان معظمنا يملك مثل هذه المفاتيح، إلا أن القليل من يملك مفاتيح من نوع آخر والتي برأيي لها الأهمية بمكان ما يفوق بكثير المفاتيح العادية التي نستخدمها لفتح الأبواب للدخول إلى حيث نريد، إنها مفاتيح القلوب التي من خلالها نستطيع الدخول إلى قلوب الناس ونستحوذ عليها ونملكها، فنجد فيها المتسع لاحتوائنا ونجد فيها القبول والرضى للسكنى فيها عن طيب خاطر، بل نجد هذه القلوب تتفتح على مصراعيها بكل سهولة ويسر أمام صاحب المهارة والقدرة الذي يحمل بيده علّاقة لمفاتيح القلوب لتتفتح له حتى القلوب المستعصية أو التي صدئت أقفالها ليجد عندها حسن الضيافة وحسن الاستقبال والترحاب لا بل وتأبى هذه القلوب أن يفارقها، وإن فارقها اهتزت أوتارها ألمًا لفراقه وشوقًا للعودة إليها.
ففي هذا الزمن المتسارع والذي تختزل فيه المشاعر، لم يعد الوصول إلى القلوب أمرًا بديهيًا، وإن كان هناك العديد من المفاتيح التي من خلالها نستطيع فتح وغزو قلوب الغير.
هذا المقال محاولة لفهم هذا الطريق، الطريق إلى القلوب، وعرض مفاتيحه البسيطة التي تصنع فرقًا حقيقيًا في علاقاتنا اليومية.
المفتاح الأول: الابتسامة الصافية والوجه الطلق، وهذا المفتاح باعتقادي يمثل العصا السحرية في تأليف القلوب وزرع أزهار المحبة فيها لتعبق بشذى فواح يجمع الناس على الألفة والمحبة والأخوة بمشاعر صادقة نقية شفافة، ونحن نتكلم عن الابتسامة الشفافة، وليس عن الابتسامة المصطنعة المغلفة بقناع يخفي تحته الكذب والنفاق وربما البغض والحسد، نحن نتكلم عن الابتسامة الصادقة والتي هي بمثابة إعلان عن المحبة والمودة بل إعلان القبول والرضى بلقاء الذي تبسمت بوجهه، وهذه الابتسامة لا تكلف صاحبها درهمًا ولا دينارًا كما إنها لا تساهم في تضييع وقته ولا تستنفد من جهده شيئًا، ولكنها تفعل الكثير في نفسية من تبتسم له، فربما يكون متكدرًا مهمومًا ، فتخفف عنه كدره وهمه، أو كان في نفسية هادئة، مرتاحة، فإن وجهك البشوش يعقد بين قلبيكما عقد الأخوة الذي لا تنفصم عراه ليصبح كعقدة الحبل المحكمة، ولا تكمن أهمية هذا المفتاح السحري في تأليف القلوب فحسب، بل إن مفتاح الابتسامة والوجه الطلق بمثابة العداد الذي يجمع الحسنات، فهو عبادة نتعبد بها ونتقرب بها إلى الله تعالى، لقوله صلى الله عليه وسلم: (تبسمك في وجه أخيك صدقة)، والصدقة بعشرة أمثالها ويضاعف الله لمن يشاء، فليتخيل صاحب الوجه البشوش كم من الحسنات يحصدها من خلال سيره في الشارع مدة ساعة فقط!!
– المفتاح الثاني: إلقاء السلام، وإفشاء السلام هو رسول محبة بين الناس ومؤلف قوي يجمع بين قلوبهم، ولكننا نلاحظ في أغلب الأحيان أن الناس يبادرون إلى إلقاء السلام على من يعرفونهم فقط ويسقطون هذا الأمر عن الذين لا يعرفونهم أو ليست بينهم صلة قربى أو صداقة أو مصلحة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام)، أي إذا أراد الواحد منا أن يكون مقدمًا عند الله تعالى فليبادر هو بالسلام، ومن منا يأبى أن يكون مقدمًا عند الله عز وجل، فواجب المسلم إلقاء السلام على من عرف من المسلمين أو لم يعرف، لتكون المحصلة الألفة بين المسلمين جميعًا لقوله صلى الله عليه وسلم: (… ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم… أفشوا السلام بينكم)، والسلام أيضًا لا يكلف صاحبه جهدًا ولا مالًا ولا وقتًا، وهو مفتاح لدخول القلوب الذي يزيل الجفوة ويقلص الفجوة ويؤدي للمحبة، والمحبة من علامات الإيمان، والإيمان مفتاح الجنة.
– المفتاح الثالث: الهدية، يقول صلى الله عليه وسلم: (تهادوا تحابوا) والهدية عربون محبة بين الناس، وللهدية لغة خاصة أبلغ من الكلام لما تملكه من تأثير في نفس كل من مهديها والمهداة إليه، لأنها عادة ما تكون تعبيرًا عن محبة أو شكر أو شعور بالغير، أو لتقديم اعتذار، أو لتعميق الروابط الاجتماعية، ولا نقصد هنا ولا بأي حال من الأحوال الهدية باهظة الثمن كما هو الحاصل في أيامنا هذه والتي أصبحت أمرًا مرهقًا ومكلفًا وأحيانًا كثيرة من أجل الوجاهة الاجتماعية، حيث أخرجناها عن دورها ومفهومها الجميل الحقيقي، وبدل من كونها عربون محبة وصلة، فقد أصبح يُنظر إليها كدين مؤجل يصعب في كثير من الأحيان سداده.
– المفتاح الرابع: التزاور، إن هذا المفتاح لا يقل أهمية عن المفاتيح السابقة في فتح القلوب واحتلالها خصوصًا إذا كانت الزيارة في الله ولله ومتجردة من أي غرض ومصلحة ذاتية أو شخصية، وليست مجرد واجب اجتماعي، بل رسالة اهتمام صادقة تحمل في طياتها شعورًا خفيًا يقول للمزور: أنت مهم، فالزائر ما طرق باب بيته إلا لأنه يحبه في الله، هاجت نفسه شوقًا لرؤيته فاسرع الخطى للاطمئنان على أحواله، ولم تصرفه مشاغله وأعماله عن وصاله والسؤال عنه مهما كانت ظروفه، فحين تكون الزيارة في وقتها المناسب، وحين يتحلى الزائر بكل آداب الزيارة، تتحول الزيارة من مجرد حضور جسدي إلى قرب إنساني لتشرع القلوب أبوابها بالمحبة والألفة.
– المفتاح الخامس: التسامح ولين المعشر مع الغير، فصاحب هذا المفتاح يألف ويؤلف بسرعة ويكون التعامل معه بغاية السهولة، فإن ظهر من أخيه أو صاحبه أومن أي كان، زلل أو خطأ، فلا يسمح لذاك الخطأ أن يحجبه عنه أو أن يكون سببًا في البعد أو القطيعة بينهما، بل يغض الطرف ويسارع إلى الصفح، فلا يقف عند كل زلة ولا يدقق على كل خطأ، وإنما يمر عليها مر الكرام، فلا تترك أثرًا سلبيًا في قلبه ويبقى مكان أخيه في قلبه كما كان ويزيد، وبالمقابل يحتل هو مكانًا واسعًا في قلب أخيه بل يأسر قلبه بتسامحه وصفحه.
هذا غيض من فيض من المفاتيح، خارطة الطريق للوصول إلى القلوب، فهلا أحسنا استعمالها لتكون كالصواريخ الذكية التي تصيب أهدافها بمنتهى الدقة!
إن الوصول إلى القلوب ليس بالتصنع ولا هو بالقوة، فالقلوب لا تفتح بالقوة، بل تفتح حين نمنح الآخرين شعورًا بالاحترام والتقدير والمحبة والتفهم ونعاملهم كما نحب أن نعامل، فنكون قد سلكنا أولى خطواتنا في طريقنا نحو تلك القلوب، فالطريق إليها ليس بضجيج الكلمات ولا بمهارة إقناع، بل هو فن إنساني عميق يبدأ بالوعي والشعور بالآخر وينتهي بصدق النية وصدق الأحاسيس، الطريق إلى القلوب هو أن نكون لطفاء حين يكون اللطف صعبًا وأن نفهم ونتفهم قبل أن نحكم، وأن نمنح الاهتمام بصدق لا بدافع المصلحة، فالقلوب لا تتعلق بمن يجيد فن الكلام، بل تتعلق بالصادق، بمن يجيد فن الاحتواء، وحين نسلك هذا الطريق بوعي ومسؤولية لا نكسب قلوب الناس فحسب، بل نرتقي بإنسانيتنا ونترك في هذه القلوب أثرًا لا يمحى على مر الأيام.


