الحديث عن تقييم مؤسسة الكنيست ليس خيانة وطنية

الشيخ رائد صلاح
يجب أن نتفق سلفًا أن الحديث عن تقييم مؤسسة الكنيست ليس خيانة وطنية، ويجب أن نتفق سلفًا أن الحديث عن الكنيست لا يقف عند حد هل نصوت في انتخابات الكنيست أم نقاطع، ولا يقف عند حد كم قائمة عربية ستخوض هذه الانتخابات؟ وهل ستكون هناك قائمة واحدة أم اثنتان أم أكثر؟ ولا يقف عند حد من هم المرشحون العرب في هذه القوائم الكنيستية؟
والمطلوب، إذا أردنا أن نتحدث عن مؤسسة الكنيست وانتخاباتها وعن إسقاطاتها، فعلينا الحديث عن مؤسسة الكنيست منذ دخول أول عضو عربي في الكنيست، وأن نتجاوز الحديث التقليدي عن هذه التساؤلات التي أوردتها في السطور السابقة، وأن تنصب جهودنا في فهم ما هي مؤسسة الكنيست، وما هي إسقاطاتها علينا، وما هي إسقاطات وجود عضو عربي في الكنيست أو أكثر.
ولا حرج إذا أردنا أن نفهم ما هي إسقاطات مؤسسة الكنيست وانتخاباتها علينا وإسقاطات وجود عضو عربي فيها أو أكثر، أن نواكب منذ بداية أول وجود لعضو عربي في الكنيست وكيف كان إسقاط وجوده علينا وكيف تراكمت هذه الإسقاطات علينا فيما بعد وصولًا إلى عام 2026.
وسلفًا أقول، لا يمكن في مقالة واحدة الوقوف على كل هذه الإسقاطات، وحفاظًا على الموضوعية فإن فهم كل هذه الإسقاطات يحتاج إلى بحث معمق يمر على هذه السبعين عام ويزيد التي شهدت وجود أعضاء عرب في الكنيست سواء كانوا واحدًا أو أكثر بعيدًا عن لغة تجريح أو تخوين أو تكفير، وبعيدًا عن شخصنة هذا البحث وتشخيص هذا البحث المعمق أو ضبطه وفق الإيقاع الحزبي والكيل بمكيالين أو ثلاثة مكاييل أو أكثر، وعليه فأنا أكتب هذه المقالة مؤكدًا سلفًا أنها ليست كل شيء من أجل فهم كل هذه الإسقاطات، وليست معصومة، بل هي قابلة للنقاش وقابلة للأخذ والرد مع طمعي أن يكون نقاشًا بأسلوب موزون بعيدًا عن شعبوية الرد وبعيدًا عن حصر هذه النقاشات في السؤال التقليدي: هل سنصوت في انتخابات الكنيست, ولأية قائمة عربية، أم سنقاطع؟ ثم بعد هذه المقدمة أسجل هذه الملاحظات:
- وجود أعضاء عرب في الكنيست في البدايات كان محدودًا وكانت الأسماء تعود على نفسها، وسلفًا أقول، أنا لا أتحدث عن أشخاص دخلوا الكنيست باسم أحزاب صهيونية ولكن أتحدث عن أشخاص دخلوا الكنيست باسم أحزاب وحركات نمت في مجتمعنا وحرصت على مقارعة الأحزاب الصهيونية واجتهدت أن تطرح هموم مجتمعنا في أروقة الكنيست وضمت إلى هذا الطرح مواصلة المطالبة بحل القضية الفلسطينية وفق اجتهادات سياسية معروفة، وأبرزت في خطابها الاعتداد بالانتماء العربي الفلسطيني، فكان لها الوقوف على منبر الكنيست وإدانة الاحتلال الإسرائيلي تارة وإدانة ما يعاني مجتمعنا في الداخل من تمييز قومي واضطهاد ديني ومطاردة سياسية تارة ثانية، والتشديد على رفض مصادرة أرضنا تارة ثالثة والكشف عن مواصلة الاعتداءات الرسمية الإسرائيلية على مقدساتنا تارة رابعة إلى آخره، وقد تم هذا الدور مع البراءة العلنية والدائمة من الأحزاب الصهيونية سواء كانت يسارًا أو يمينًا أو وسطًا، ووفق هذه الأصول ظل عضو الكنيست العربي يقوم بدوره.
- تكرس هذا المشهد في ذهنية الكثير منا، وتحول هذا المشهد لدى الكثير منا إلى مشهد مؤثر وينال الإعجاب والتقدير بل اعتبره البعض مشهدًا بطوليًا أن يقف عضو الكنيست العربي على منصة الكنيست ويدين بكلمات واضحة وعلنية سياسة التمييز الإسرائيلي ضدنا وممارسات الاحتلال الإسرائيلي في القدس والمسجد الأقصى المباركين وفي الضفة الفلسطينية وغزة المحاصرة والعدوان الإسرائيلي المتواصل على دول عربية أو على المخيمات الفلسطينية في لبنان، ومع توالي الأيام ترسخ هذا المشهد وأصبح غاية ما يمكن أن يصل إليه مستوى الدور السياسي هو منصة الكنيست في حسابات بعضنا، فهناك وفق هذه الحسابات لدى البعض منا يتم فضح سياسة المؤسسة الإسرائيلية في كل تجلياتها على منبر الكنيست، وهناك يتم الإصرار على المطالبة بحقوقنا حتى لو تم طرد عضو الكنيست العربي من قاعة الكنيست بين الحين والآخر.
- ورغم أن محصلة جهود أعضاء الكنيست العرب في الكنيست كانت تقارب الصفر، إلا أن البعض منا تشرب مشهد هذا الدور في الكنيست سواء كان مرشحًا أو ناخبًا حتى لو أدى هذا الوجود العربي في الكنيست إلى إعطاء تصديق من حيث لم يقصد عضو الكنيست العربي على وجود ديمقراطية إسرائيلية تتيح للعربي الفلسطيني أن يرفع صوته وأن يعبر عن رأيه، وهكذا تم تجميل وجه العنصرية الإسرائيلية دون قصد من مرشح عربي أو ناخب عربي.
- إلى جانب ذلك، فإن ترسيخ مقولة إن غاية ما يمكن أن يصل إليه نضال مجتمعنا في الداخل هو الكنيست أدى إلى تحديد طموح مجتمعنا بحدود الكنيست، وبات مجتمعنا في الداخل مستسلمًا لهذه المقولة على مدار عقود طويلة، ولم يبادر للبحث عن بدائل نضالية أخرى بديلة عن الكنيست. وإذا حدث وأن بادر أحد أفراد مجتمعنا لتقديم منهج نضالي آخر غير الكنيست، فإنه يواجه بالاستهجان والرفض، بل وأشد من ذلك، وهكذا ظلت منظومة النضال السياسي للبعض منا تدور ما بين الكنيست ولجنة المتابعة واللجنة القطرية والنشاطات الجماهيرية التي دارت ما بين إضراب واعتصام وخيام اعتصام ومظاهرة ومهرجانات شعبية ونشاط إعلامي، لدرجة أن البعض منا حوصر عقله وبات على قناعة أن الكنيست هي أعلى سقف متاح لنضالنا السياسي في الداخل.
- ويوم أن دعا البعض منا إلى انتخابات مباشرة للجنة المتابعة العليا من قبل جماهيرنا في الداخل رئاسة وعضوية، استهجن البعض منا هذا الطرح ورأوا فيه منافسًا للكنيست، وبطبيعة الحال تم رفض الانتخابات المباشرة للجنة المتابعة وظلت الأمور على ما هي عليه ولا جديد تحت الشمس، ويوم أن طرحت الحركة الإسلامية مشروع المجتمع العصامي حوصر هذا الطرح، ثم تم حظر الحركة الإسلامية إسرائيليًا وتم حظر الخطوات التي قامت بها الحركة الإسلامية للوصول إلى المجتمع العصامي، وظل السقف الأعلى لحدود نضالنا في الداخل هو الكنيست في حسابات بعضنا، وبات هذا البعض منا يقول: أعطونا بديلًا آخر، ولو لم يتم رفض مشروع الانتخابات المباشرة للجنة المتابعة العليا، ولو لم يتم حظر الحركة الإسلامية إسرائيليًا بعد إعلانها عن المجتمع العصامي ثم المضي قدما نحو تحقيقه، لو لم يتم كل ذلك لكان هناك بالإمكان صناعة بديل عملي عن الكنيست.
- وهكذا تم التعامل مع الكنيست لدى البعض منا وفق مقولة (ليس بالإمكان أحسن مما كان) رغم أن محصلة وجود أعضاء كنيست عرب في الكنيست ظلت تؤول إلى الصفر، وأصبحت الكنيست في المحصلة هي البديل الوحيد المفروض علينا وإلا… ثم تم الدفع بهذا البديل الوحيد نحو مواقف صادمة أحدثت بداية انحراف، ثم ازدادت هذه المواقف الصادمة واتسع هذا الانحراف، وهناك خطر أن يتسع أكثر ما بعد انتخابات الكنيست القادمة وما ستحمل من لعبة الائتلاف والمعارضة.
- من أشهر الأمثلة التي دفعت ببديل الكنيست الوحيد المفروض علينا نحو مواقف صادمة يوم أن قام كل أعضاء الكنيست العرب غير المحسوبين على أحزاب صهيونية بالإعلان عن تشكيل الكتلة المانعة التي دعمت استمرار حكومة يتسحاق رابين من خارج الائتلاف الحكومي. بمعنى أنها دعمت استمرار حكومة يتسحاق رابين دون أن تكون جزءًا من ائتلافه الحكومي، وهكذا أصبحت هذه الكتلة المانعة منزلة بين منزلتين فلم تكن في المعارضة كما كان عليه حال أعضاء الكنيست العرب قبل ذلك ولم تكن في الائتلاف، وهكذا كانت بداية الانحراف لأن هذه الكتلة المانعة وفرت الضمان لاستمرار حكومة يتسحاق رابين دون أن تكون رسميًا في ائتلاف الحكومة بدافع تمرير اتفاقية أوسلو التي قادت شعبنا الفلسطيني إلى المأساة التي يغرق فيها الآن، وهكذا وبهذا الدافع ساهمت الكتلة المانعة بتثبيت حكومة رابين التي واصلت قمع الانتفاضة الفلسطينية يومها وواصلت سياسة فرض القبضة الحديدية على القدس والمسجد الأقصى المباركين وأبعدت المئات من شعبنا الفلسطيني إلى مرج الزهور في سابقة لم تقم بها أية حكومة إسرائيلية قبلها بعد نكبة فلسطين.
- ثم وقع بعد ذلك ما لم يكن في الحسبان حيث أعلن عضو الكنيست دكتور عزمي بشارة عن ترشيح نفسه لرئاسة الحكومة الإسرائيلية، وهذا يعني أن دكتور عزمي بشارة لو افترضنا أنه واصل ترشيح نفسه لهذا المنصب ونجح، فسيكون هو المسؤول المباشر عن جهازي الموساد والشاباك وسيكون هو المسؤول الأول عما تتمتع به المؤسسة الإسرائيلية من قدرات عسكرية ظاهرة وخفية، وهكذا تجاوز دكتور عزمي بشارة كل الحدود وحسم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في ثوان معدودات وحصر جوهر كل الصراع في من سيتقلد منصب رئاسة الحكومة الإسرائيلية هل هو دكتور عزمي بشارة العربي الفلسطيني أم مرشح آخر من ضمن مرشحي الأحزاب الصهيونية؟ وهكذا أخطأ دكتور عزمي بشارة في هذه الخطوة غير المسبوقة منذ نكبة فلسطين، وهكذا طوى صفحات نكبة فلسطين وملف اللاجئين وحق العودة والحلم الفلسطيني كلمح البصر ،ثم ماذا؟ هل هناك عاقل في الأرض في تلك الأيام التي أعلن فيها دكتور عزمي بشارة عن ترشيح نفسه لرئاسة الحكومة الإسرائيلية سيصدق قول القائل: منا إن المؤسسة الإسرائيلية تمارس التمييز العنصري ضد الفلسطينيين في الداخل الفلسطيني وتمارس القبضة الاحتلالية الحديدية ضد الفلسطينيين في القدس والمسجد الأقصى المباركين وفي الضفة الفلسطينية وغزة المحاصرة وأنها ترفض الاستجابة لمطلب الشعب الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة؟ فيا لهذا الموقف الذي قام به دكتور عزمي بشارة والذي لم تكن المؤسسة الإسرائيلية تحلم بالحصول عليه في يوم من الأيام حتى لو انسحب دكتور عزمي بشارة بعد ذلك من ترشيح نفسه لذلك المنصب، حيث قام دكتور عزمي بشارة بهذا الموقف الصادم بمجرد إعلانه عن ترشيح نفسه لذلك المنصب، وهكذا اتسعت بموقفه هذا زاوية الانحراف التي أحدثتها مؤسسة الكنيست في مسيرة مجتمعنا في الداخل الفلسطيني وبات من المتوقع أن يقول لنا الخطاب الرسمي الإسرائيلي: (ما دام أحدكم قد رشح نفسه لمنصب رئاسة الحكومة الإسرائيلية فقد آن الأوان أن تنخرطوا في سلك المخابرات والخدمة العسكرية، لأن الانخراط في هذين الأمرين أهون بكثير من الترشح لمنصب رئاسة الحكومة الإسرائيلية بل هو تحصيل حاصل للترشح لهذا المنصب)، وهكذا اتسعت حدود حدة الانحراف وأصبحت زاوية الانحراف زاوية منفرجة ومقلقة وقد تؤسس لما هو أخطر من ذلك في قادمات الأيام.
- نعم، لقد أسست خطوة دكتور عزمي بشارة بترشيح نفسه لرئاسة الحكومة الإسرائيلية لما هو أخطر من ذلك، فها هي القائمة المشتركة قد قامت ما بعد دور دكتور عزمي بشارة في الكنيست، وها هي قد حصلت على عدد مقاعد غير مسبوق في الكنيست، وها هي تجمع كل أعضائها في لحظة صادمة، وها هي مباشرة تدخل بكامل أعضائها إلى ديوان الرئاسة الإسرائيلية وفي ذلك الديوان أوصت على بيني غانتس أن يكون رئيسًا للحكومة الإسرائيلية، وبيني غانتس هو بيني غانتس صاحب الدور العسكري قبل أن توصي عليه القائمة المشتركة، وصاحب هذا الدور العسكري بعد أن أوصت عليه القائمة المشتركة، ثم صاحب هذا الدور في المرحلة الأولى من الحرب على غزة، وهكذا صبّت كل أصوات مجتمعنا في الداخل الفلسطيني التي صوتت للقائمة المشتركة في مشهد التوصية على بيني غانتس لمنصب رئاسة الحكومة دون أن تتوقع ذلك هذه الأصوات الكادحة في مجتمعنا، وبطبيعة الحال كانت هناك التبريرات الكثيرة لدى القائمة المشتركة حول توصياتها على بيني غانتس وبغض النظر عن هذه التبريرات فقد ظلت زاوية الانحراف تتسع تدريجيًا خلال الانخراط في مؤسسة الكنيست فبدأت بأصل الانخراط في هذه المؤسسة ثم موقف الكتلة المانعة ثم ترشيح دكتور عزمي بشارة نفسه لرئاسة الحكومة ثم التوصية على بيني غانتس لمنصب رئاسة الحكومة الإسرائيلية، ثم ماذا؟
- ثم وقع ما هو متوقع لمن كان يرصد مسار هذا الانحراف لدى تجربة أعضاء الكنيست العرب في مؤسسة الكنيست حيث انخرطت القائمة الموحدة في الائتلاف الحكومي الإسرائيلي، وهذا يعني أنها أصبحت جزءًا من كل قرارات هذا الائتلاف سواء كانت قرارات مدنية أو سياسية أو عسكرية أو أمنية فلا يوجد شيء اسمه أنا في الائتلاف ولست جزءًا من قرارات هذا الائتلاف، وحول هذا الانخراط الرسمي في ائتلاف حكومي إسرائيلي يطول الحديث، ولكن ما أؤكده عبر هذه المقالة الموجزة أن هذا الانخراط ليس وليد الساعة التي حصل فيها هذا الانخراط بل سبقه مسار انحراف تدريجي أخذ يتسع مع الأيام حتى كان هذا المشهد الصادم وهو هذا الانخراط في ائتلاف حكومي إسرائيلي يحمل من فيه تبعات كل قرار يصدر عن هذا الائتلاف.
- ثم تورط مجتمعنا على هامش تجربة أعضاء كنيست عرب في الكنيست، تورط مجتمعنا في فتنة المال السياسي وهذا يحتاج إلى مقالة خاصة.
- ثم خلال هذه الأيام التي مرت علينا والتي لا تتعدى الشهر بدأ يقال على طاولة لجنة المتابعة العليا من قبل بعض أعضائها ما لم يُقل منذ تأسيسها وهي أقوال أخطر من أي انحراف فلماذا قيلت؟ ولماذا الآن؟ هذا يحتاج إلى مقالة خاصة.



