جفري إبستن: عندما يلتقي المال والسياسة و”حضارة” الفجور

توفيق محمد
كان جفري إبستين قبل ان “ينتحر”، ربما، أو يُقتل -على الارجح- عام 2019 من كبار رؤوس الأموال في أمريكيا لدرجة أنه كان يملك جزيرة (جزيرة الشيطان) -هو بمثابة رئيس دولتها- في هذه الجزيرة كان إبستين يستضيف كبار رجال المال والسياسة، وما بينهما من “نجوم هوليوود” ومن “نجوم” الإعلام والسياسة، وعلى هذه الجزيرة كانت تُرتكب كل الموبقات، لدرجة أن الصحفي المختص بالشأن الأمريكي محمد القاسم -وهو يتحدث إلى إذاعة الناس- قال إن درجة القذارة التي تحتويها الملفات المُفرج عنه حول جزيرة إبستين جعلته ينتقي الكلمات التي يستعملها انتقاء لأن الأوصاف التي توصف بها تلك الأعمال لا بد من استعمال الكلمات الخادشة للحياء على أقل تعبير للتعبير عنها، وهو يسعى إلى أن لا يتلوث لسانه بتلك الألفاظ.
ما أفرج عنه مؤخرا كان 3 ملايين وثيقة و 180 ألف صورة ومقطع فيديو عمل على تحريرها للإعلام 500 محام من وزارة “العدل” الأمريكية، كثير من هذه الوثائق تم شطب المكتوب فيها بالقلم الأسود حتى لا يتاح قراءة ما فيها، وبقي حتى الآن 3 ملايين وثيقة أخرى لم يتم الإفراج عنها بعد، فما درجة الفظاعة والإجرام والسادية والشذوذ الاخلاقي والسياسي والاجتماعي التي تحتويها؟ ومن هي الشخصيات المتورطة فيها حتى يتم شطب أسمائها بالقلم الأسود؟ وما هي المخططات الفظيعة التي تحتويها، وبحق مَنْ حتى يتم التحفظ عليها وعدم كشفها للرأي العام؟ نحن لا نعلم، ولكن يكفي ما تم تسريبه لنعلم كم الانحراف والإسقاط لزعماء العالم وقادة الرأي الذي كان يتم على جزيرة الشيطان، ويكفي لنعلم أن مَنْ أُسقطوا هناك أصبحوا رهينة مَنْ أسقطهم، وأداة بأيديهم ضد مصالح شعوبهم وأممهم.
في إحدى هذه الوثائق التي نشرتها b.b.c news عربي (بي.بي. سي. نيوز عربي) مراسلات ما بين أيلون ماسك -الرجل الأغنى في العالم- وجفري إبستين وهي كالتالي: “بحسب الوثائق التي تضم أكثر من ألف إشارة إلى الاسم ماسك مع احتمال تكرار الصفحات، فقد سأل ماسك إبستين في إحدى الرسائل عن موعد “أكثر حفلة جنونا” على الجزيرة، مشيرا إلى أن الزيارة ستكون “على الأرجح تالولا وأنا فقط”، في إشارة إلى زوجته السابقة الممثلة البريطانية تالولا رايلي، ورد إبستين بأن النسبة (يقصد نسبة الجنون) على جزيرتي قد تجعل تالولا غير مرتاحة، ليجيب ماسك بأن “النسبة ليست مشكلة بالنسبة لتالولا”
وذكرت التقارير إنه على هذه الجزيرة كان يتم إحضار الفتيات القاصرات بأجيال 14 عاما، وكذلك الفتيان الصغار، وهناك كان يرتكب أصحاب ربطات العنق الأنيقة، ومن يُنَظِّرون علي الشعوب عن الأخلاق والقانون أبشع الجرائم بحق الإنسانية، عندما يُحَوِّلُون هؤلاء الأطفال الصغار من الإناث والذكور إلى عبيد جنس في حفلات جنس خليعة ومجرمة وقذرة وبائسة ومريضة وسافلة وحقيرة ودنيئة ووضيعة وضاعة من يقوم عليها وبها، هذه الحفلات قال عنها ماسك إنها لا تشكل مشكلة بالنسبة لزوجته!!!!، ولم تقتصر حقارة الجريمة على الاغتصاب والجنس والإتجار بالبشر فقط، بل تعدت ذلك إلى جرائم يندى لها تاريخ البشرية منذ خلقها الله سبحانه، هناك كانت تُبتر أطراف الفتيات وأثداؤهن وهن على قيد الحياة، وهناك كانت تُطهى لحوم البشر ليـأكلها المجرمون الساديون، وهناك كانت ترتكب أفظع الجرائم مما لا يمكن للعقل البشري السوي أن يتصوره.
ومن ضمن الشخصيات التي ذكرتها الوثائق المُفرج عنها حسب تقرير b.b.c news عربي بيل غيتس حيث ذكر تقرير للـ b.b.c news عربي ما يلي: “إحدى الرسالتين صيغت على هيئة خطاب استقالة من “مؤسسة بيل وميليندا غيتس”، وتشتكي من الاضطرار إلى تأمين دواء لغيتس “لمعالجة تبعات علاقة جنسية مع فتيات روسيات” رغم أن رد المتحدث باسم المؤسس المشارك لشركة مايكروست بيل غبتس على ذلك جاء واصفا إياها بأنها “سخيفة وكاذبة بالكامل”، وذُكرت الكثير من الشخصيات السياسية والإعلامية ورجال الأعمال ومن بينها الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب والأسبق بيل كيلنتون رغم أنه لم يذكر حاليا ما يدينهما، لكن كثيرا من اللغط ما تزال الصحافة الأمريكية تتداوله، وذُكرت أيضا شخصيات عربية من دول عدة تسهل نوعا ما فهم لماذا هم خانعون وينفذون ما يُطلب منهم حتى ولو كان ضد مصالح شعوبهم.
هذه هي حضارتهم، براقة خاطفة للأبصار تبدو أنيقة على شاشات التلفاز، ترتدي البدل الرسمية وربطات العنق، وتبدو إنسانية في بياناتها الإعلامية، لكنها في الحقيقة خاوية من الإنسانية، وخاوية من الأخلاق، وخاوية من الرحمة، ومبنية على الشهوانية والأنانية، وعلى العبودية، وإنْ بمسميات مختلفة تبدو براقة و”جميلة” ولكنها ليست إلا قذارة استغلال الضعاف من الناس واسترقاقهم من جديد بأثواب ومسميات جديدة، بعد أن حرر الإسلام العالم أجمع من نظام العبودية والرق.
هؤلاء هم أصحاب المال النجس الذي يحمل كل قذاراتهم، وهم أصحاب المشاريع الهدامة التي تدعو إلى فصل الأخلاق والدين عن الحياة، وترى أن منظومة الأخلاق يجب أن تستنبط من واقع الحياة إن بمفاسدها. ولذلك سوقت هذه المنظومة الفاجرة للعالم أجمع، وما يهمنا هو عالمنا العربي والإسلامي الكثير من الفلسفات التي كان من نتائجها جزيرة الشيطان (جزيرة جفري إبستن) ومن هذه الأفكار العَلمانية التي ترفض بشدة أن تربط الأخلاق بالدين: فقد جاء في المعجم الدولي الثالث الجديد أن: “العلمانية نظام إجتماعي في الأخلاق مؤسَّسٌ على فكرة وجوب قيام القيم السلوكية والأخلاقية على اعتبارات الحياة المعاصرة والتضامن الإجتماعي دون النظر إلى الدين بمعنى أن سيادة الأخلاق يجب تُعتمد وفق ما يقره النظام الكوني المهيمن.
وهكذا نتجت جزيرة الشيطان، وأنا على يقين أن هناك الكثير من أمثالها في أصقاع مختلفة من العالم تعمل على إسقاط قادة المجتمعات السياسية والفكرية والإعلامية والدينية في عالم الرذيلة حتى تبقى صورهم ومقاطعهم المصورة سيفا مسلطا على رقابهم إن هم خالفوا ما يُملى عليهم.
وفوق هذا كله فإن هذا الذي نراه هو إحدى سمات الحضارة الغربية الخالية من الأخلاق والدين، الغارقة في الشهوات والملذات والسادية والإجرام، وهي قد بلغت مبلغا يُبشر بقرب زوالها لتعتدل كفتا الميزان من جديد بنظام كوني يوازن بين المادة والروح، فلا يطغى أحدهما على الآخر، إنما يكون أحدهما بمثابة الدعامة للآخر، ويعيد العدل والأمل للبشرية، وما ذلك إلا الإسلام، ونحن لسنا إلا على مشارف انتهاء حقبة الظلم والفجور والانحلال، ليستقبل العالم كله دين الله -الإسلام- لينقذ البشرية من الوحل الذي غاصت به حتى أذنيها، وعسى أن يكون قريبا.



