معركة الوعي (272) صناعة أتباع الدّجّال…
حامد اغبارية
1)
في الأهوال التي تشهدها الأمة منذ ثورات الربيع العربي، والتي ازدادت وطأتها في العقد الأخير، واشتدت أكثر فأكثر في السنتين الأخيريتين، عقب الحرب الكونية على قطاع غزة، تفرض تفاصيل فتنة الدجال نفسها عليك رغما عنك، وتسأل: كيف يمكن لعاقل يملك عقله أن يتبع الدجال، بالوصف الدقيق الذي ورد في حديث النبيّ صلى الله عليه سلم؟ أيكون عقله معه حينئذ؟
تتأمل في الحديث الشريف ثم في المشهد، وتتيقن أن عقول الناس لا تذهب وقتها. بل هي حاضرة، تفكّر وتتفاعل، لكنه تفكيرُ المخدوعين المُضلّلين وتفاعلُ القطيع المصنوع على إيدي السحرة.
أليس هذا الصنف من الناس يعيش بيننا اليوم؟ أليس مِن هؤلاء مَن يظن أنه على خيرٍ، ثم تراه يسير في طريق يقوده إلى الهاوية لا محالة، حتى إذا ناقشته أو جادلته دافع عن “اختياراته”، ثم يطلب منك أن “تحترم عقله”؟! ألا يقول لك: “احتفظ بنصائحك لنفسك. أنا عاقل راشد، أعرف ما أفعل”؟! ألا تجد مِن هؤلاء من يثور ويغضب ويكيل لك التهم أو الشتائم، لمجرد أنك ذكّرته أو حذرته أو نبّهته أو نصحته؟!
أين المشكلة إذن؟!
المشكلة ليست في ضياع العقول، فهي موجودة و”شغالة”، وإنما تكمن في أن هؤلاء قد سُلبت إرادتهم، فهم بلا إرادة، ومن ثَمَّ فقدوا القدرة على اتخاذ القرارات، وتركوا غيرهم، مِن الذين يسيطرون على إرادتهم يتخذون القرارات بدلا عنهم، ليس قبل أن يكونوا قد أوهموهم، عبر وسائل متعددة، أن هذه قراراتهم هم، اتخذوها بِحريّة، بعد تفكير وتمعن وعن قناعة!
الآن حاول أن تُسقط هذا على حالنا اليوم. ستكتشف أن كل ما يجري من “قرارات” يتخذها أفراد “ذوو مكانة وشأن”، أو تتخذها دول “ذات سيادة” إنما هي قرارات اتُّخذت خارج إرادتهم، وأن “قراراتهم” هذه هي نسخة طبق الأصل عن قرارات وكلاء الدجال…! لكنهم يصرّون على “حرية قرارهم”، ويصرخون خلف الميكروفونات أن قراراتهم “مستقلة” و”سياديّة”، وأنهم لا يمكن أن يسمحوا لأحد من الخارج أن يؤثر عليهم أو يدفعهم إلى اتخاذ قرارات! لكنك “تفاجأ” أن هذه القرارات والمواقف إنما هي “نسخ لصق”، مع بعض التعديلات التي يمكن أن يخدعوا بها القطيع!! وانظر إلى حال الأنظمة في عالمنا العربي والإسلامي التي تهيمن على مقدرات الشعوب، وانظر إلى شكل قراراتها “المستقلة” و”السيادية” واستخلص النتيجة بنفسك.
كنت أؤمن، وما زلت، أن التكنولوجيا وأدواتها التي يتفاعل معها الناس في زماننا، هي إحدى أدوات صناعة أتباع الدجال. فرغم الإيجابيات الكثيرة في هذه الوسائل التكنولوجية، إلا أن ضررها لا يخفى على عاقل ذي بصيرة. فهي إحدى أهم وسائل صناعة الإنسان العاجز الذي لم يعد يستطيع أن يتحرّك إلا بواسطتها، ولم يعد في إمكانه تسيير أمور حياته إلا بها، حتى إذا تعطلت أو فُقدت لبرهة من الزمن بان عجزُه وغابت همّته عن اجتراح البديل، فيقف حائرا لا يملك من أمره شيئا، وينتظر الفرج من وسائل التكنولوجيا التي أصبحت ملجأه الوحيد ومُنقذه الفريد!
استثناء: لأن لكل قاعدة استثناء، فإنّ على كوكب الأرض فئة واحدة مُستثناة من التبعية المرَضِيّة لتكنولوجيا السحرة. هذه الفئة هي الشعب الفلسطيني، الذي اجترح، ولا يزال، البدائل، منذ الانتفاضة الأولى، وأبدع في انتزاع الحياة في غزة وسط حصار لا يزال مستمرا منذ عشرين سنة، تخللتها خمس حروب طاحنة، لا تزال أسوأها وأقساها جارية أحداثُها إلى الآن…
الإعلام الذي جعله وكلاء الدجال جسر العبور إلى عقول الجهلة.
إنه إحدى وسائل السيطرة وصناعة القطيع، الذي يُشار إليه بطرف الإصبع فيسمع ويطيع دون تردد، لأن السحرة برمجوا عقله ليكون في خدمة أجندتهم. وهذا ما يُعرف اصطلاحا بـ “تشكيل الرأي العام”، بينما هو في حقيقته صناعة القطيع مسلوب الإرادة، الذي يصفق لوكلاء الدجال ويرقص على أنغامهم كما سيصفق للدجال مُعايشوه، ويرقصون على أنغامه و”يتنعّمون” في بحر أوهامه!
والمشتغلون في الإعلام يعرفون أنه يقوم على أربعة عناصر أساسيّة: المعلومة، ومالك المعلومة، وناقل المعلومة، ومتلقي المعلومة. كما يعرفون أن هناك أربعة أصناف من المعلومات: معلومة تنقل الحقيقة كاملة، ومعلومة تنقل نصف الحقيقة، ومعلومة تشوّه الحقيقة، ومعلومة كاذبة لا علاقة لها بالحقيقة. وغالبا ما يبقى متلقي المعلومة أسيرا لمن ينقل له نصف الحقيقة أو الحقيقة المشوهة أو المعلومة الكاذبة التي لا علاقة لها بالحقيقة. وعمليا هذا ما نجده اليوم في الغالبية العظمى من وسائل الإعلام، سواء كانت عربية أو أجنبية.
بهذه الطريقة يتشكل “رأي عام” مسلوب الإرادة، لديه معلومات منقوصة أو مشوهة أو كاذبة، ومن ثَمَّ يبني موقفه بناء عليها، ليجد نفسه في نهاية المطاف جزءا من القطيع، الذي لا يملك من أمره شيئا.
هذا ما نسميه “التضليل الإعلامي” الذي يصنع جيوشا من “الأتباع” الذين يدافعون عن “المتبوع” باستماتة الحمقى. وهذا، الذي نسميه اليوم “تضليلا إعلاميا”، هو التاريخ الذي سيُكتب غدا، ويصبح مادة تُدّرس للأجيال القادمة، التي ستجد نفسها تلقائيا “خير قطيع خلف” لـ “خير قطيع سلف”!
يقول المضلِّلون إن الإعلام هو السلطة الرابعة التي تراقب أداء سلطات الحكم الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية)، غير أن هذه الكذبة إذا ما وضعتها تحت مجهر التشريح، وفكّكت رموزها، ستجد أن هذه “السلطة الرابعة” التي يُفترض أنها تخدم الجمهور، إنما تخدم السلطة السياسية وأجنداتها، وتصل في نهاية الأمر إلى جعل السلطة السياسية تقول للجمهور كيف يجب أن يتصرف، وما هي المواقف التي يتخذها! فالذي يملك المعلومة هو الذي يتحكم بها. والذي يملك المعلومة هي السلطة السياسية ومَن حولها مِن الذين يخدمون أجندتها. هكذا يتبين أن ما يسمونه “حرية الإعلام” إنما هو مسألة شكلية وعملية خداع، إذ إنها تعمل كبوق أو كآلة دعائية للسلطة السياسية. هنا تكمن صناعة القطيع، وصناعة الطاعة العمياء.
استثناء: بطبيعة الحال هناك وسائل إعلام حرة، خارجة من دائرة القطيع، لكنها تبقى ذات تأثير متواضع قياسا مع ماكينة الإعلام التي يديرها وكلاء الدجال. وتبقى وسائل الإعلام هذه ضحية للتضييق والتهميش والملاحقة والحرمان من “المعلومات” ومن مصادر التمويل، والتشويه والشيطنة… وتُصنع لها قصص وتحاك لها مؤامرات تجعلها في أحيان كثيرة تعيش في الجحيم.
كيف تعرف أن وسيلة الإعلام تمارس عليك التضليل، وتسعى إلى أن تجرّك إلى الحظيرة؟!
تعرف ذلك عندما تعرف من هي الجهة التي تملك وسيلة الإعلام، وهي جهة مقيّدة بأغلال مالك المعلومة، الذي يتحكم بكل شيء. وستجد المال القذر هو صاحب الدور الأول في هذه اللعبة. فمالك المعلومة يملك في نفس الوقت مصادر التمويل. وهل يمكن لوسيلة إعلام أن تعيش وتستمر دون تمويل؟!
بهذا الفهم فإن الدور الحقيقي لوسائل الإعلام هو ضبط المتلقي (الجمهور) لصالح الأجندة السياسية، بأسلوب غسل الأدمغة وتشكيل عقل المتلقي وتوجيه تفكيره حسب إرادة مصدر المعلومة، وبذلك تسهل السيطرة عليه. فالجهات المتنفذة تغذي الإعلام بمعلومات “حصرية” منسوبة إلى “مصادر رسمية”، يرافقها جيش من “الخبراء” و”المحللين” الذين يشاركون عمليا في غسل الأدمغة وضبطها بما يخدم مصلحة السلطة السياسية. ولعلنا جميعا نرى هذا ونسمعه على مدار الساعة.
إذن، ليست وسيلة الإعلام هي التي تصنع الأخبار والمعلومات التي تقدمها للجمهور، وإنما هي قناة لتقديم “المعلومات” إلى الجمهور.
هكذا يتمكن سلاح الإعلام من السيطرة على العقول، ما يؤدي إلى بناء مواقف تستند إلى معلومات مضللة، وتنجح في زعزعة ثقة المتلقي بنفسه وبقدرته على التمييز بين المعلومة الصحيحة والمعلومة المضللة، وتوصله إلى درجة الشك بمخزون معرفته وبقدرته على الفهم والتحليل، ليجد نفسه محبطا يائسا مرتبكا، ما يُفقده الروح المعنوية، ثم تدفعه إلى طرح الأسئلة التي تشكك بالحقائق الدامغة التي يعرفها ويؤمن بها، وصولا إلى الشك بالطريق الذي اختاره بإرادته، والمنهج الذي يسير عليه. وفي اللحظة التي يبدأ بطرح الأسئلة فقد وقع عمليا في فخ وكلاء الدجال. ومن هذه المرحلة يجد نفسه يتصرف وفق ما يريده المضلِّلون من حيث لا يدري، ليصبح جزءا من القطيع الذي يسمع ويطيع.
لذلك لا تستغرب ولا تتعجب من أمر القطيع الذي سيتبع الدجال عندما يأتي زمانه ويؤمن به ويصدّقه ويتخذه إلها من دون الله، رغم أنه يرى عيوبه وانحطاط قدره وسوء أفعاله ونواقصه وقبائحه!
ولا تستغرب ولا تندهش من وجود قطيع بشري يملأ الأرض من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها، يتبع الوكيل الأكبر للدجال، الجالس على عرش “الزانية الكبرى”.
ألا تراه يتصرف وكأنه نصف إله أو إله؟ ألا تسمعه يتحدث إلى الناس باستعلاء المستبد المسيطر على كل شيء؟
ألا تراه يشير بسبابته بعنجهية فرعونية وكأنه يقول: أنا ربكم الأعلى؟! أنا راعي القطيع؟!
أترى هذا السفيه الذي يفعل كل ذلك وأكثر؟!
إنه يتصرف كمن يتحكم بكل شيء. لكن المفاجأة هي أنه هو بنفسه جزء من القطيع، يسمع ويطيع.
إنه مجرد واجهة، يملك أدوات البطش والقوة والهيمنة، لكنه يخضع لمن يملك لجامه.
جزيرة الشيطان. جزيرة إيبستين. جزيرة وكلاء الدجال..
وما جزيرة الشيطان هذه سوى طرف الخيط، أو قطرة في محيط من جزر الشياطين….
{فستذكرون ما أقول لكم}…



