تضارب كبير في الموقف السعودي.. ترامب ضائع بين ضرب إيران أو التراجع

الإعلامي أحمد حازم
يبدو المشهد السياسي في الشرق الأوسط على النحو التالي: تهديدات أمريكية ووعيد من الرئيس دونالد ترامب بتلقين إيران درسًا لن ينساه “ملاليها”، يقابله تهديد مماثل من النظام الإيراني بإغراق حاملات الطائرات الأمريكية في البحر.
يرى محللون أن ترامب لن يغامر بحرب فعلية ضد إيران، لأن من يهدد عادة لا يفعل، ولو كان جادًا في توجيه ضربة عسكرية لأقدم عليها دون عنتريات سابقة. ويذهب هؤلاء إلى أن واشنطن ربما لا تنوي توجيه ضربة تقليدية شاملة، بقدر ما تسعى إلى استخدام الاستعراض العسكري كأداة ضغط لإرغام إيران على قبول الشروط الأمريكية لاستئناف التفاوض، وليس لتحقيق حسم عسكري سريع.
هناك أربعة شروط أمريكية وضعها المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، لبدء المفاوضات مع إيران:
أولًا: وقف كل أعمال التخصيب في إيران.
ثانيًا: إتلاف جميع الكميات المخصبة، من نسبة 3.6% وصولًا إلى 60%.
ثالثًا: التخلي عن الصواريخ الباليستية التي يتجاوز مداها 200 كيلومتر.
رابعًا: قطع العلاقة مع فصائل المقاومة ووقف الدعم لها نهائيًا.
من الواضح أن ما تريده الإدارة الأمريكية هو شروط تعجيزية، تعتبرها إيران دعوة صريحة للاستسلام، ومسًّا بسيادتها، وهو ما يرفضه المرشد الإيراني علي خامنئي، الذي يرى أن القدرات الصاروخية الإيرانية ليست محل تفاوض. كما تدرك الإدارة الأمريكية تمامًا أن أي عمل عسكري سريع ضد إيران لن يُسقط النظام، ولن يغير سلوكه، وبالتالي فإن الذهاب إلى عملية عسكرية واسعة غير مضمون النتائج.
هذا الواقع يشير إلى أن ترامب يجد نفسه أمام معادلة استعراض قوة لا يمكن تحويلها بسهولة إلى نصر سياسي واضح.
وفي ظل التهديدات الأمريكية، تبرز مؤشرات على حراك دبلوماسي يجري بعيدًا عن الأضواء، حيث تقوم إيران بتحركات دبلوماسية مع أطراف قد تساهم في سحب فتيل التوتر المتصاعد في الآونة الأخيرة، لا سيما على خلفية حملة قمع الاحتجاجات التي شهدتها البلاد. فقد زار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تركيا، التي تحاول لعب دور الوسيط بين واشنطن وطهران، فيما توجه أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، إلى موسكو، حيث التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. كما قام رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، بزيارة إلى العاصمة الإيرانية طهران، التقى خلالها مسؤولين إيرانيين، وجرى بحث “التطورات والمستجدات في المنطقة”، دون الكشف عن تفاصيل إضافية حول فحوى المحادثات.
اللافت للنظر أن لاريجاني، المقرب جدًا من المرشد الأعلى علي خامنئي، أدلى بعد عودته من موسكو بتصريحات قلل فيها من شأن التوترات في المنطقة، واتهم الإعلام بشن ما أسماه “حربًا إعلامية مصطنعة”. وقال إن “الأجواء المتوترة هي حرب إعلامية مصطنعة، وهناك تقدم فعلي في إطار المفاوضات”، ملمحًا إلى وجود قنوات اتصال فعالة.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أكد صحة ما قاله لاريجاني حول وجود اتصالات، وذلك في مقابلة مع شبكة “فوكس نيوز”، حيث صرح قائلًا: “إن إيران تتحدث معنا، وسنرى إن كان بإمكاننا فعل شيء بهذا الشأن، سنرى ما سيحدث”، تاركًا الباب مفتوحًا أمام الحلول الدبلوماسية أو التصعيد.
ورغم هذه التصريحات، صعّد ترامب خلال الأسابيع الماضية من تهديداته بشن ضربة على إيران، لكنه في الوقت نفسه قال: “يمكنني القول إنهم يريدون إبرام اتفاق”، لتجنب الضربة التي يلوّح بها. ترامب يهدد ويتوعد، لكنه من جهة ثانية يعلن عدم رغبته في الحرب. أما إيران، فتنفي بدورها رغبتها في الحرب، لكنها تؤكد امتلاكها إرادة عالية لمواجهة أي عدوان تتعرض له.
التجارب التاريخية تقول غير ذلك. فقبل غزو العراق، صدرت تطمينات بعدم توجيه ضربة عسكرية، لكن في الوقت نفسه جرى حشد قوات أمريكية مدججة بالسلاح والطائرات، وانتهى الأمر باحتلال العراق. قد يعيد التاريخ نفسه مع إيران، لكن الفارق كبير بين العراق وإيران. فالعراق لم يكن يمتلك القوة العسكرية التي تمتلكها إيران، كما أن جغرافيته ليست واسعة ومعقدة كما هو الحال في إيران.
المعلومات المتوفرة تشير إلى أن إيران، في حال تعرضها لهجوم، ستسعى إلى ضرب حاملة الطائرات الأمريكية “أبراهام لينكولن”. وهذا يذكرنا بقول رئيس وزراء بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية، ونستون تشرشل: “إذا أردتم حماية بريطانيا، أغرقوا بسمارك”. واليوم يتردد في أروقة القوات الجوية الإيرانية، بمختلف أنواع طائراتها، شعار يقول: “إذا أردتم إنقاذ الجمهورية الإسلامية، أغرقوا حاملة الطائرات أبراهام لينكولن”، التي تحوم حولها مسيّرات إيرانية مختلفة الأحجام.
اللافت أيضًا هو التضارب في الموقف السعودي تجاه حالة اللاسلم واللاحرب بين إيران والولايات المتحدة. فقبل فترة، وجّه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان تحذيرًا مباشرًا إلى ترامب من مخاطر العمل العسكري، ما أسهم في تأجيل الضربة المزمعة. كما أكد، في اتصال هاتفي مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أن السعودية لن تسمح باستخدام مجالها الجوي لشن هجوم على طهران، وشدد على احترام سيادة إيران والسعي إلى حل دبلوماسي.
غير أن موقف شقيقه، وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان، يبدو مختلفًا عن الخطاب الرسمي لبلاده. إذ يرى، بحسب موقع “أكسيوس”، أن تراجع واشنطن عن العمل العسكري ضد طهران قد يضعف الردع الإقليمي ويعزز موقف النظام الإيراني. ويعني ذلك، وفق هذا الطرح، أن عدم تنفيذ ترامب لتهديداته بعد تصعيده المتكرر قد يُفسر على أنه ضعف، ما يمنح إيران مساحة أوسع لتعزيز نفوذها دون دفع ثمن.



