رحلة علاج تتحول إلى تحقيق أمني: معاناة مرضى غزة على بوابة معبر رفح

في ساعات الفجر الأولى من يوم الثلاثاء 3 شباط/فبراير، تجمعت عشرات العائلات في ساحة المستشفى الميداني الكويتي بحي الأمل غرب خان يونس، جنوب قطاع غزة، استعدادًا لمغادرة القطاع في رحلة علاجية، سرعان ما تحولت إلى تجربة قاسية مثقلة بالإجراءات الأمنية والضغوط النفسية.
ومنذ البداية، فرض فريق اللجنة الدولية للصليب الأحمر تعليمات صارمة على المسافرين، شملت الالتزام بالصمت، وعدم النظر عبر النوافذ، ومنع استخدام الهواتف، والاكتفاء بحقيبة واحدة لكل مريض ومرافق، إضافة إلى حظر نقل أي نوع من الأدوية، في مشهد عكس الطابع الأمني الذي طغى على الرحلة العلاجية.
وبعد ساعات طويلة من الانتظار داخل المستشفى، ورد اتصال قبيل الساعة الواحدة والنصف ظهرًا يفيد بالسماح بتحرك القافلة نحو معبر رفح. وضمت القافلة 15 مريضًا و35 مرافقًا، نقلوا بواسطة حافلة وعشر سيارات إسعاف، ترافقها عربتان تابعتان للصليب الأحمر، مرورًا بمنطقة المواصي وصولًا إلى نقطة “العلم”، أقصى نقطة جنوب القطاع.
وتروي أم آدم، والدة طفل مصاب بسرطان الدم، أن الانتظار استمر ساعتين إضافيتين في تلك المنطقة قبل تسليم جوازات السفر لموظفي الصليب الأحمر، ليُنقل المسافرون بعدها بسيارات إسعاف إلى وسط مدينة رفح. وتصف المشهد بالقول: “الدمار كان شاملًا، طرق مدمرة، دبابات، سواتر رملية، وقناصة يراقبون كل حركة”.
وأمام معبر رفح، أخضع جيش الاحتلال المسافرين لإجراءات تفتيش وتحقيق في نقطة جديدة أُقيمت تحت اسم “ممر ريغافيم”، تضم خمسة ممرات للتحقيق الأمني، يتبعها فحص عبر أجهزة X-RAY، وأخذ بصمات العين والأصابع.
وتضيف أم آدم أن التحقيق تضمن أسئلة حول مكان السكن والخطط المستقبلية في مصر، وما إذا كان المسافرون ينوون العودة إلى غزة بعد العلاج. وتقول إن أحد الضباط رد بغضب عند التأكيد على نية العودة، قائلاً: “إلى أين ستعودون؟ لا مأوى لكم، الحرب ستعود، والأفضل أن تبقوا في الخارج”.
وبعد ساعات من الانتظار حتى المساء وسط أصوات الدبابات وإطلاق النار، أُبلغ المسافرون بالسماح لـ12 مريضًا فقط بالمرور، دون أن تكون عائلة أم آدم من بينهم، ليُطلب منهم العودة إلى غزة بعد يوم طويل من التوتر والمعاناة.
ويبرر جيش الاحتلال إنشاء ممر “ريغافيم” بأنه مخصص لإجراء “تدقيق أمني فردي” للمغادرين والعائدين، من خلال فحص الهويات ومطابقتها مع قوائم أمنية. وافتُتح الممر في 2 شباط/فبراير، بالتزامن مع إعادة فتح معبر رفح بشكل محدود، ضمن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في شرم الشيخ في 9 تشرين الأول/أكتوبر 2025.
وكان الاحتلال قد سيطر على المعبر في أيار/مايو 2024، بعد نحو تسعة أشهر من الحرب على غزة، قبل دخول وقف إطلاق النار الهش حيز التنفيذ بوساطة أمريكية.
ورغم الاتفاق، منعت قوات الاحتلال، مساء الاثنين، 30 فلسطينيًا من أصل 42 حاولوا العودة إلى القطاع، بعد إخضاعهم لتحقيقات متعددة ومصادرة أغراضهم الشخصية، بحسب شهادات صحفية.
من جهتها، قالت وزارة الداخلية في غزة إنها تابعت إعادة تشغيل المعبر، مشيرة إلى مغادرة 8 مرضى ومرافقيهم، ووصول 12 فلسطينيًا فقط إلى القطاع في ساعة متأخرة من الليل، بينهم 9 نساء و3 أطفال، حيث قُدمت لهم الرعاية اللازمة.
وأكدت الوزارة أن ما جرى يعكس “استمرار الاحتلال في انتهاك اتفاق وقف إطلاق النار، وتهديده المباشر للعائدين، وفرضه قيودًا مشددة تعيق حركة المرضى وتحرمهم من حقهم في الوصول إلى العلاج”.



