أخبار وتقاريرأدب ولغةدين ودنياومضات

المفعول به منصوب (2)

الشيخ عبد الله إدريس – عضو حركة الدعوة والإصلاح

من قواعد اللغة العربية المشهورة، أن المفعول به يكون منصوبًا دومًا، والمفعولُ به هو الشيءُ الذي يصنعه الفاعل أو يفعله، فلو قلت مثلًا: أعطى الغنيُّ الفقيرَ مالًا، فإن الغني هو الفاعل (المعطي)، والفقيرُ هو المفعول به (المُعطَى له) لأنه الذي أخذَ، فهو الذي وقع عليه فعل الفاعل وهو الإعطاء. ونحوه قولنا: “أكل الولدُ تفاحةً”، فإن الولد هو الفاعل، لأنه الذي أكل؛ والتفاحةُ هي المفعول به لأنها المأكولة من الفاعل.

وهذا المفعول به ليس مرفوعًا في لغة العرب، وإنما هو منصوبٌ، فما سر ذلك؟ وما معنى كلمة منصوب؟ وما علاقة ذلك بحياتنا؟

المنصوب كلمة مشتقة من النَّصَب، وهو التعب، وفي الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: “أجرُكِ على قدرِ نصبِكِ” أي على قدر تعبك ومشقتك في سبيل الله، فالنَّصَب هو التعب والمشقة. وإذا عرفتَ هذا فاعلم أن سرَّ كونِ المفعول به منصوبًا في اللغة من حيث أنه لا يفعل شيئًا، وإنما ينتظر أن يُفعل به من قبل الفاعل، فلا يستحق الرفع كالفاعل الذي يصنع الأفعال، وإنما يستحق النصب والتعب إذ ينتظر فعل الفاعل ولا يقدم شيئًا.

وعليه، فإن الأمة التي ترضى أن تكون مفعولًا بها وليست فاعلة ولا صانعة ولا منتجة، وإنما تنتظر أفعال غيرها وصناعات الغرب لتستهلكها، هي أمة لن تكون إلا منصوبة تعبة، تتنقل من تعب إلى تعب، وإذلال إلى إذلال، وهَونٍ إلى هَونٍ، وضعف إلى ضعف، ولن تكون إلا نكرة لا قيمة لها ومنصوبة على الدوام. وكيف لا تكون كذلك وهي التي رضِيتْ أن تكون تبعًا لغيرها غير مستقلةٍ في صناعاتها وازدهارها؟!

وفي هذا المعنى ما عُرِفَ في قواعد اللغة بـ “المضاف إليه”، وهو كلمة تضاف إلى أخرى فتعرفها، ولا يكون هذا المضاف إليه إلا مجرورًا، نحو قولنا: “صاحبُ المصنعِ” فالمصنعُ هنا مضافٌ إليه مجرور بالكسر، لأنه أضيف إلى كلمة صاحب؛ فلماذا يكون المضاف إليه مجرورًا؟!

والجواب: لأن الإنسانَ الذي لا يريد أن يكون مستقلًا، ويرضى أن يكونَ مجرورًا خلف أهل الفتن والحرام والأهواء، والأمة التي ترضى أن تكون مجرورة لكبار شياطين الإنس في العالم، وزعماء الضلال وحلفائهم، لن تكون إلا مجرورة مذلولة مكسورة مهانة لا قيمة لها. وأي خير في أمةٍ رضيت أن تعيشَ مفعولًا بها لتكونَ منصوبة تعبة، ورضيت أن تعيش مضافة إلى زعماء الشر فعاشت ذليلة مجرورة مكسورة، تؤكل ثرواتها ويؤكل دينها، ويقال عنها “البقرة الحلوب”، فأي خير فيها بعد ذلك؟!!

ومن يكن الغراب له دليلًا – يمر به على جيف الكلاب

هذا ما بينه الأديب جبران خليل جبران حينما قال: “ويل لأمة تأكل مما لا تزرع، وتلبس مما لا تخيط، وتشرب مما لا تعصر”.

وحينما تساءل المفكر غوستاف لوبون في كتابه “حضارة الهند” كيف استطاع البريطانيون ببضعة آلاف من الجنود أن يستعمروا الهند ذات الملايين العديدة؟ فأجاب: عند تشريح جمجمة الهندي لا نراها مختلفة عن جمجمة الإنجليزي، لكن الفرق هو الإرادة، والثبات والعزم في قوم، والضعف والاستكانة في آخرين. وهذا ما أُريد لنا نحن أمة العرب والمسلمين أن نكونه: ضعفاء فاقدين للثقة بأنفسنا وقدراتنا ومقدراتنا وصناعاتنا وجامعاتنا، ويظهر الغربُ نفسه بأنه رمز الحضارة.

يقول المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي: “لقد ظللنا نحرج المسلم التركي حتى يتخلى عن إسلامه، ويقلدنا، فلما فعل ذلك احتقرناه، لأنه لم يعد عنده ما يعطيه”. وصدق الشاعر وهو يصف حال الأمة فقال:

ما كان في ماضِ الزمان محرّمًا – للناس في هذا الزمان مباح

صاغوا نعوت فضائلٍ لعيوبهم – فتعذّر التمييز والإصلاح

فالفتك فنٌّ والخداع سياسةٌ – وغنى اللصوص براعةٌ ونجاح

حينما سأل الشيخ محمد أبو زهرة سيد قطب بعد عودته من أمريكا عام 1949م عن حاله، قال له سيد: “لقد ذهبت إلى أمريكا مسلمًا، وعدت منها مؤمنًا”. ففي أمريكا شاهد سيد قطب فرح المنصّرين واحتفالهم بمقتل الإمام الشهيد حسن البنا – رحمه الله –، ورأى نوع الإسلام الذي يسعى الأمريكيون إلى غرسه في بلاد المسلمين، وكتب عنه يقول:

“إن الإسلام الذي يريده الأمريكان وحلفاؤهم في الشرق ليس هو الإسلام الذي يقاوم الاستعمار، وليس هو الإسلام الذي يقاوم الطغيان… يريدون للشرق إسلامًا أمريكانيًا يجوز أن يُستفتى في منع الحمل، ويجوز أن يُستفتى في دخول المرأة البرلمان، ويجوز أن يُستفتى في نواقض الوضوء، ولكنه لا يُستفتى أبدًا في أوضاعنا الاجتماعية أو الاقتصادية أو نظامنا المالي، ولا يُستفتى أبدًا في أوضاعنا السياسية والقومية وفيما يربطنا من صلات”.

لذلك، بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الأمة التي ترضى بالخنوع والذل والدنيا، ولا يكون همها إلا مأكلها ومشربها، سيسلط الله عليها الذل، فقال:

“إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله، سلّط الله عليكم ذلًا لا ينزعه منكم حتى ترجعوا إلى دينكم”.

ولكي نكون فاعلًا مرفوعًا بين الأمم، وليس مفعولًا به منصوبًا بين اللمم، جاءت نصوص الوحيين محذرة أشد الحذر من التبعية والإضافة، حاثّةً على الاستقلالية في كل جوانب الحياة.

فيرى النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمر بن الخطاب يلبس ثوبين معصفرين، فنهاه فقال: “إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها”. ويأمر بتعجيل الإفطار في رمضان فيقول: “ما يزال هذا الدين ظاهرًا ما عجّل الناس الفطر، فإن اليهود والنصارى يؤخرون”. ويجيز الاستمتاع بالمرأة حال الحيض بغير الجماع مخالفةً لليهود الذين لا يقربونها وقت المحيض، وكل ذلك وغيره تربية للأمة على الاستقلالية لا التبعية. ونهانا عن التشبه بغير المسلمين فقال: “ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى”.

هذه الاستقلالية الإيمانية التي نهضت بأمتنا من المنصوب إلى المرفوع، بإيمان جعل بلالًا الحبشي يواجه سيده أمية بن خلف، ويحارب أبا جهل بن هشام، وهذا الإيمان الذي جعل سحرة فرعون يتحدونه قائلين:

“لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاضٍ إنما تقضي هذه الحياة الدنيا” (سورة طه: آية 72).

يتحدثون معه بكل عزة وشموخ، فلسنا تبعًا لك ولأهوائك وقد رفع الله مكانتنا؛ وهذا الإيمان الذي جعل العرب البداة، ويقينهم في قلوبهم، ومصاحفهم في أيديهم، وسيوفهم في الأخرى، يقولون لملوك فارس والروم: “جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد”.

بهذا الإيمان ينبغي أن نتمسك، فلا نُحتقَر بين الأمم، ولا نكون تبعًا، ولن نكون محتاجين إلى مخلفات حضارة الغرب. ومن هنا كان محمد إقبال رحمه الله يقول:

“إن بريق المدينة الغربي لم يغشَ بصري، لأني اكتحلت بإثمد المدينة المنورة”.

ولا يقيم على ضيم يُراد به – إلا الأذلان عير الحي والوتد

هذا على الخسف مربوط برمته – وذا يشيح فلا يرثي له أحد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى