أخبار وتقاريرمقالاتومضات

ترامب فرعون القرن الحادي والعشرين وسياسة “أنا ربكم الأعلى”

الإعلامي أحمد حازم

يُخطئ المحللون عندما يقولون إن الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب “مجنون”، لأنه في الحقيقة أكثر من ذلك بكثير؛ فهو مهووس بحب العظمة وتسليط الأضواء عليه، ويسير وفق متطلبات وأجندات “الدولة العميقة”، ويسعى إلى إخضاع العالم تحت سيطرته.

“مجنون” واحد اسمه أدولف هتلر أراد السيطرة على العالم، وجرّ البشرية إلى حرب عالمية ثانية، انتهت بخسارته كبرياءه وعنجهيته، وغادر الحياة منتحرًا.

ترامب هو أكثر رؤساء أمريكا إثارة للجدل، وهو أول رئيس أمريكي يصل إلى البيت الأبيض من دون خلفية عسكرية أو سياسية، وثاني رئيس يُنتخب لولاية ثانية بعد خسارته الانتخابات التي تلت ولايته الأولى، وهو أيضًا رئيس أُدين بعدة قضايا.

شعبٌ انتخب فاسدًا للرئاسة، فتحول هذا الفاسد إلى “أزعر” سياسي، باختطافه رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، وتهديده باحتلال غرينلاند بالقوة. إنها سياسة بلطجة ترامبية واضحة، قائمة على الوعيد والتهديد. لا أحد يوقفه ولا أحد يتصدى له؛ لا روسيا، ولا الصين، ولا حتى الأمم المتحدة، التي يسعى ترامب إلى تقويضها تدريجيًا عبر دعوته إلى تأسيس ما يُسمى “مجلس السلام العالمي”.

هذا المجلس، الذي جرى التوقيع على ميثاقه قبل أيام في بلدة دافوس السويسرية، على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي، بحضور ترامب وعدد من قادة وممثلي الدول الأعضاء، يتجاوز كونه مبادرة لمرحلة ما بعد الحرب التي ارتكبتها إسرائيل في قطاع غزة، ودعمتها واشنطن سياسيًا وعسكريًا واستخباراتيًا، قبل أن تُوقفها (نظريًا) في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025.

ويرى محللون أن هذا المجلس يشكّل خطوة لإعادة تشكيل النظام الدولي عبر أطر بديلة عن منظومة الأمم المتحدة، ليكون أداة لإعادة تعريف وإدارة النزاعات عالميًا.

هذا المشروع الترامبي الجديد، الذي يبدو ظاهريًا أنه من أجل غزة، يهدف في جوهره إلى تقويض دور الأمم المتحدة، وإعادة إدماج إسرائيل في النظامين الإقليمي والدولي، وحمايتها من المساءلة القانونية على خلفية حرب الإبادة التي ارتكبتها بحق الفلسطينيين، بحسب بعض الخبراء.

ومن يقرأ ميثاق “مجلس السلام” يستنتج بسهولة أن رئيسه، ترامب، أصبح فعليًا الإمبراطور الذي يمسك بيده كل شيء، ليس فقط في قطاع غزة، بل في المنطقة بأسرها، ومن خلالها العالم أيضًا.

المحلل السياسي الأمريكي المعروف توماس فريدمان يقول في مقاله الأسبوعي بصحيفة نيويورك تايمز إن تصرفات ترامب تُلحق ضررًا بالغًا بالسياسة الأمريكية. فقد ذكر:

“لقد أصبح سلوك ترامب متهورًا إلى هذا الحد، وأنانيًا إلى هذا الحد، ومتناقضًا بشكل واضح مع المصالح الأمريكية”.

وفي نهاية المقال يقول فريدمان:

“انتخب الشعب الأمريكي رجلًا لا يقود نحو “أمريكا أولًا”، بل نحو “أمريكا وحدها” و“أنا أولًا””.

وهي صورة صارخة عن العنجهيّة والكبرياء والغطرسة.

لم يكن فريدمان أول من تحدث عن كبرياء ترامب ولغة “الأنا” في خطابه السياسي؛ فقد سبقه إلى ذلك الكاتب العربي محمد المتشاوي، الذي يقول في كتابه “ترامب أولًا.. كيف يغير الرئيس الأمريكي أمريكا والعالم”، الصادر عام 2020، إن ترامب “يحاول استقطاب واستغلال نقاط الضعف في المجتمع الأمريكي، وبنى قاعدته الجماهيرية من خلال اللعب على مشاعر الغضب الشعبي، واستثمار العنصرية، والخوف من المهاجرين، وإعادة إنتاج فكرة “أمريكا العظيمة” في مواجهة كل ما هو أجنبي أو تقدمي”.

ويقدّم الكتاب رؤية موضوعية لفهم طبيعة سياسات ترامب وكيفية تأثيرها داخليًا وخارجيًا.

ترامب ليس مهووسًا بالسياسة فقط، ولا يكتفي بأن يكون فرعونها عالميًا، بل وصل به جنون العظمة إلى السعي للحصول على جائزة نوبل للسلام. تخيّلوا ترامب، الذي دعم إسرائيل في حربها على غزة، وقدم لها أحدث أنواع الأسلحة الفتاكة لقتل شعب غزة وتدميرها، يطالب بوقاحة بجائزة نوبل للسلام.

هوس ترامب بهذه الجائزة يعود إلى رغبته في تعزيز صورته الشخصية دوليًا “كقائد” قادر على إنهاء النزاعات. وفي تقرير نشره موقع يورونيوز، أوضح أن ترامب يرى أن إنجازاته في السياسة الخارجية، مثل “اتفاقيات أبراهام” ووقف الحرب على غزة، تؤهله لنيل الجائزة. ووفقًا لصحيفة واشنطن بوست، فإن ترامب ينظر إلى الجائزة كجزء من صورة الذات والهوية التي يريد تخليدها في التاريخ، خاصة في سياق المنافسة مع رؤساء أمريكيين سابقين.

وانطلاقًا من قناعته بأنه يستطيع الحصول على كل شيء، حتى بالقوة، جاءت ردة فعله على عدم ترشيحه للجائزة كالثور الهائج. فقد عبّر عن غضبه الشديد بإرسال رسالة إلى رئيس الوزراء النرويجي، استخدم فيها لغة تهديد، قال فيها إنه لم يعد يشعر بأنه ملزم بالعمل من أجل السلام، واعتبر استبعاده من الجائزة حرمانًا غير عادل.

ويبقى القول إن ترامب ينظر إلى العالم من منظار “عصر الزنوج والأمريكان”، فعلًا وقولًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى