أخبار وتقاريرمقالاتومضات

جائحة العنف وانتخابات الكنيست

الشيخ رائد صلاح

سياسة التعاطي مع جائحة العنف الذي يهدد مصيرنا، هي سياسة المؤسسة الإسرائيلية الرسمية قبل أن تكون سياسة الحكومة الإسرائيلية

بمعنى أن الذي رسم كيفية التعاطي الرسمي الإسرائيلي مع هذه الجائحة المدمرة هي المؤسسة الإسرائيلية الرسمية أو يمكن القول هي الدولة العميقة الرسمية الإسرائيلية التي تدير مفاصل شؤون المؤسسة الإسرائيلية دون أن يراها أحد. فهي ترى ولا تُرى، ولهذه الدولة العميقة الرسمية الإسرائيلية أذرع وقد يكون من ضمن هذه الأذرع جهاز المخابرات ثم يليه بعض الأذرع الأخرى التي لا يمكن لها أن تخرج عن طوعه، فهي تدور في فلكه وتتلقى توجيهاته التي قد تصل إلى حد الأوامر سواء كانت هذه الأذرع الأخرى قضائية أو إعلامية أو اقتصادية أو نقابية أو سياسية أو مراكز دراسات ووضع سياسات.

ولذلك يخطئ من يظن فينا أنه إذا نجح بتغيير أية حكومة إسرائيلية فسينجح بتغيير سياسة التعاطي الرسمي الإسرائيلي مع جائحة العنف التي تغلغلت فينا حتى النخاع.

لماذا؟ لأن الذي يرسم سياسة هذا التعاطي الرسمي الإسرائيلي مع هذه الجائحة العمياء هي الدولة العميقة الرسمية الإسرائيلية، وهذه الدولة العميقة هي مؤسسة رسمية إسرائيلية ثابتة لا تتغير حتى لو تغيرت أي حكومة إسرائيلية، ولأن هذه الدولة العميقة الرسمية الإسرائيلية معنية بفرض سياسة التعاطي مع جائحة العنف التي اخترقت كل مكونات مجتمعنا حتى المدارس والسلطات المحلية العربية كما هو الحال الذي نعيشه الآن، فستبقى ولذلك سياسة هذا التعاطي مع هذه الجائحة الماحقة اليوم وغدًا كما كانت بالأمس، وستبقى قبل انتخابات الكنيست القادمة وبعد انتخابات الكنيست القادمة سواء أفرزت انتخابات الكنيست القادمة حكومة يمينية إسرائيلية متطرفة أو حكومة يمينية إسرائيلية أقل تطرفًا أو حتى لو أفرزت حكومة وسط.

بل حتى لو وقع المستحيل وأفرزت انتخابات الكنيست القادمة حكومة يسار إسرائيلي بكامل وزرائها ورئيسها، وهكذا ستبقى سياسة التعاطي الرسمي الإسرائيلي مع جائحة العنف الساحقة التي أهلكت الزرع والضرع والحرث والنسل باقية كما عليه الآن لا بل قد تشتد سلبية مع مرور الأيام ما لم تقرر الدولة العميقة الرسمية الإسرائيلية تغيير سياسة هذا التعاطي الرسمي الإسرائيلي مع هذه الجائحة، ولأن هذا لن يكون، ولأن توقع حدوث ذلك هو وهم، وهو توقع حدوث المستحيل فهذا يعني أننا نحن المجتمع الفلسطيني قيادة وجماهير مطالبون بأمرين أساسيين ومطالبون أن نقوم بهما جنبًا إلى جنب.

الأمر الأول أن نواصل إدانة سياسة التعاطي للمؤسسة الرسمية الإسرائيلية مع هذه الجائحة المروّعة بكافة وسائل الإدانة المشروعة محليًا ودوليًا.

والأمر الثاني الذي يجب أن نواصل القيام به إلى جانب الأمر الأول هو أن نقوم بمواجهة آفة العنف التي باتت تهدد كل كبير وصغير فينا وفقًا لقول الحكيم: (ما حكّ جلَدك إلا ظفرك) وهذا يتطلب منا رصّ صفوفنا قيادة وجماهير ثم القيام بكل نشاط مشروع سواء كان وقائيًا أو علاجيًا أو ردعيًا قبل أن تتجذر آفة العنف فينا لدرجة أنه قد يستحيل اقتلاعها، وقد يقول قائل وبحق: ما هي النشاطات المشروعة المطلوبة في هذه الدوائر الثلاث الوقائية والعلاجية والردعية؟ وجوابًا على ذلك أقول: إن هذه النشاطات المشروعة المطلوبة باتت معروفة للرجل والمرأة فينا وللكبير والصغير فينا والمطلوب هو أن لا نبقى نكرر الحديث عنها في كل مؤتمر حول العنف، أو في كل جلسة طارئة حول العنف، وقد كررنا الحديث عن هذه النشاطات المشروعة المطلوبة منذ مؤتمر أم الفحم عام 2000 الذي كان هو المؤتمر الأول الذي أقامه مجتمعنا الفلسطيني في الداخل لمواجهة العنف وأساليبه وممارساته.

ولله ثم للتاريخ أقول، لقد اجتهدت لجان إفشاء السلام المنبثقة عن لجنة المتابعة العليا القيام بأكبر قدر ممكن من هذه النشاطات المشروعة المطلوبة ووقع عليها الحظر الإسرائيلي فتم حظرها إسرائيليًا وباتت تعتبر في الحسابات الرسمية الإسرائيلية أنها محظورة وغير قانونية.

ومع ذلك فإن حظر لجان إفشاء السلام إسرائيليًا هو ليس آخر الطريق بل  المطلوب من لجنتي المتابعة والقطرية وسائر جماهيرنا في الداخل الفلسطيني مواصلة التصدي لجائحة العنف عسى أن نحاصر هذه الجائحة أولًا ثم أن نقتلعها من جذورها.

وقد أحسنت لجنتا المتابعة والقطرية عندما أقرتا في الجلسة الطارئة في سخنين بتاريخ 24/1/2026 إقامة غرفة طوارئ مكونة من ممثلي لجنة مكافحة العنف في لجنة المتابعة واللجنة القطرية ومن ممثل اللجان الشعبية في لجنة المتابعة ومن رئيسي المتابعة والقطرية، بهدف أن تبقى غرفة الطوارئ في حالة انعقاد دائم وفي حالة جهوزية دائمة للعمل وفي حالة استنفار واستعداد لتلبية أي نداء قد يصلها من أي عنوان منا سواء كان في الجليل أو المثلث أو النقب أو المدن الساحلية، عكا وحيفا ويافا واللد والرملة.

وأن تكون بمثابة خلية العمل الملقى على عاتقها مواصلة تنفيذ كل قرارات لجنتي المتابعة والقطرية المتعلقة بآفة العنف الرابضة على صدورنا منذ عام 2000، ولكي لا نحرث في البحر عبثًا ولكي لا نبيع  لمجتمعنا الوهم، ولكي لا نتعاطى مع هذه الآفة في حالة قفزٍ موضعي لا نتقدم فيها إلى الأمام، ولكي نأخذ بقول الحكيم فينا: (إنك لا تجني من الشوك العنب) ولكي نتحلى بالمسؤولية الكاملة في مواجهة العنف دون التفلت من هذه المسؤولية أو الهروب منها أو التحايل عليها، لكي لا نقع في أي من هذه العثرات، يجب أن نعلم أننا مع آفة العنف كما قال الحكيم فينا: (ما حكّ جلدك إلا ظفرك) وهذا لا يلغي ضرورة مواصلتنا لإدانة سياسة التعاطي الرسمي الإسرائيلي مع هذه الآفة.

حتى لو احتاج هذا الأمر منا إلى تدويل هذه القضية عالميا  بالوسائل المشروعة، وإلا فسنخدع أنفسنا وسنخدع جماهيرنا إن وقفنا عند حدود مواصلة إدانة سياسة التعاطي الرسمي الإسرائيلي مع هذه الآفة فقط، أو إذا حاول البعض منا أن يصور لجماهير مجتمعنا الكادحة أن حبل نجاتنا من هذه الآفة هو في انتخابات الكنيست، لأنني أؤكد ما قلته في بداية هذه المقالة، إن الذي يحدد سياسة التعاطي الرسمي الإسرائيلي مع هذه الآفة هي الدولة العميقة الإسرائيلية وليست أي حكومة إسرائيلية، وها نحن لو نظرنا نظرة سريعة إلى تاريخ معاناتنا ما بعد نكبة فلسطين، لوجدنا أن هناك حزمة أصول في المشهد الرسمي الإسرائيلي لا يمكن لأي حكومة إسرائيلية أن تعبث بها لأن الذي فرضها ولا يزال يفرضها على كل حكومة إسرائيلية هي الدولة العميقة الرسمية الإسرائيلية، ومن أهم ملفات ما في حزمة هذه الأصول في المشهد الرسمي الإسرائيلي ووفق الحسابات الرسمية الإسرائيلية، ملف الأرض وملف الإبقاء على مصادرة أوقافنا، وملف حق العودة، وملف القدس والمسجد الأقصى المباركين، وملف غزة، وملف الضفة الغربية، وملف الرفض المبدئي لقيام دولة فلسطينية فهذه الملفات قد حددت دائرة التعاطي معها الدولة العميقة الإسرائيلية ولكل حكومة إسرائيلية أن تمارس دورها الحكومي الرسمي بشرط ألا تخرج عن دائرة التعاطي مع حزمة هذه الأصول، لذلك فقد عايشنا أكثر من انتخابات كنيست وعايشنا إفرازات أكثر من حكومة إسرائيلية خلال دورات انتخابات الكنيست ما بين حكومة معراخ أو حكومة ليكود، ثم ما بين حكومة متطرفة أو حكومة وسط، ثم ها نحن نعيش مرحلة ماذا ستفرز انتخابات الكنيست القادمة؟ هل ستفرز حكومة متطرفة أو حكومة أقل تطرفًا؟ ولا يوجد خيار ثالث، ولكن ومع هذا التقلب في نتائج انتخابات الكنيست على مدار عشرات السنوات ومع تقلب نوعية وأسماء الحكومات الإسرائيلية التي أفرزتها انتخابات الكنيست على مدار عشرات السنوات، فإن كل الحكومات الإسرائيلية كلها لم تخترق حدود الدائرة الممكن لها أن تدور فيها مع ملفات حزمة هذه الأصول التي حددتها ولا تزال تحافظ على حدودها الدولة العميقة الرسمية الإسرائيلية، ويبدو أن هذه الدولة العميقة قد أضافت إلى ملفات حزمة هذه الأصول ملف سياسة التعاطي مع العنف الذي بات يطارد مجتمعنا ليلًا ونهارًا في كل مكان، ويبدو أن هذه الدولة العميقة قد أضافت ملف النقب إلى ملفات حزمة هذه الأصول، ولذلك لو رجعنا إلى تصريح بنيت حول النقب الذي هدد فيه وتوعد أهلنا في النقب، لوجدنا أنه يطابق ممارسات الحكومة الإسرائيلية الحالية في النقب التي يسميها بعضنا حكومة نتنياهو بن جفير سموتريتش، وهذا يعني أن الحكومة القادمة التي ستفرزها انتخابات الكنيست القادمة ستواصل تعاطيها مع أهلنا في النقب كما هي سياسة تعاطي هذه الحكومة الحالية مع أهلنا في النقب، لأن الحكومة القادمة إما أن تدور في فلك نتنياهو حتى لو لم يكن في صورة المشهد السياسي وإما أن تدور في فلك بنيت حتى لو لم يكن في صورة المشهد السياسي، وهكذا سيبقى أهلنا في النقب مطاردين بغض النظر عن نوعية الحكومة القادمة لأن الذي بات يحدد سياسة التعاطي مع أهلنا في النقب هي الدولة العميقة الرسمية الإسرائيلية وليست أية حكومة إسرائيلية.

وتأكيدًا للمؤكد أقول، إن تصريحات بنيت ومن يدور في فلكه حول الحرب على غزة منذ عام 2023 فصاعدًا، تتطابق مع ممارسات الحكومة الإسرائيلية الحالية في هذه الحرب على غزة، بل إن جانتس وإيزنكوت كانا في بداية  الحرب على غزة جزءًا من حكومة إسرائيلية مشتركة جمعت ما بين كلا الحكومتين اللتين ستفرز إحداهما انتخابات الكنيست القادمة أو قد يعود المشهد على نفسه مرة ثانية وستفرز انتخابات الكنيست القادمة حكومة جامعة بين من دار في فلك نتنياهو وفلك بنيت، وهكذا لن تتغير سياسة التعاطي القادمة بعد انتخابات الكنيست القادمة مع ملف غزة وملف القدس والمسجد الأقصى المباركين وملف الضفة الغربية، لأن الذي كان ولا يزال يحدد سياسة التعاطي مع كل هذه الملفات هي الدولة العميقة الرسمية الإسرائيلية، ولعل البعض يقول، إن منسوب العنف قد انخفض وعدد قتلانا قد قل خلال فترة حكومة بنيت ومن دار في فلكه وهي الحكومة الأقل تطرفًا قياسًا لحكومة نتنياهو ومن يدور في فلكه التي هي الأكثر تطرفًا، وجوابي على ذلك أن ما قامت به حكومة بنيت في مواجهة العنف الذي خنق أنفاسنا لم يخرج عن حدود سياسة التعاطي مع هذا العنف كما رسمتها لها ولغيرها الدولة العميقة الرسمية الإسرائيلية وإلا فقد كان بإمكان حكومة بينيت أن تجمع كل السلاح الفوضوي الأعمى الذي كان ولا يزال ينتشر بمئات الآلاف من قطع السلاح  في مجتمعنا، ولكنها لم تقم بذلك، ويبقى السؤال: لماذا لم تقم بذلك إذا كانت جادة في مواجهة هذا العنف الأعمى, وكان بإمكانها وضع حد لتجارة المخدرات في مجتمعنا بما في ذلك في مدارسنا؟ ولكنها لم تقم بذلك، ويعود السؤال على نفسه: لماذا؟ وكان بإمكانها الكشف عن مرتكبي الجرائم التي قتلت المئات منا خلال فترة حكومة بينيت ثم أن تقوم باعتقال كل هؤلاء القتلة ومحاكمتهم كما يجب؟ ولكنها لم تقم بذلك، ويبقى السؤال نفسه لماذا؟ وكان بإمكانها رصد كل أسماء السناجير المنفذين لجرائم القتل التي تقع علينا وهؤلاء السناجير معروفون اسمًا اسمًا لبعض الأذرع الرسمية الإسرائيلية، ولكنها لم تقم بذلك، ويبقى السؤال نفسه: لماذا… إلخ، والجواب على السؤال لماذا في كل ذلك واضح جدًا لأن كل الحكومات الإسرائيلية تتعاطى مع آفة العنف التي تعصف بمجتمعنا وفق سياسة التعاطي مع هذه الآفة كما رسمت حدودها الدولة العميقة الرسمية الإسرائيلية.

ثم لو فرضنا جدلا أن منسوب العنف انخفض في فترة حكومة بينيت ومن دار في فلكه فقد كان ذلك على حساب استفحال القبضة الإسرائيلية العسكرية والاستيطانية في القدس والمسجد الأقصى المباركين وغزة والضفة الغربية!! فهل نوافق على هذه المقايضة؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى