أخبار وتقاريرمقالاتومضات

أهلنا في غزة بين الشوك والورد والحمد

الشيخ كمال خطيب

 

كان الفرسان في حروبهم يلبسون الخوذة والدرع بها يحمون رؤوسهم وصدورهم من السهام والرماح، وها هم الجنود في هذا العصر يلبسون الخوذة والسترة الواقية لتحميهم من الرصاص ومن شظايا القنابل. وكانت الجيوش في الماضي وفي الحاضر تبني لها الحصون فوق الأرض والأنفاق تحت الأرض، تكون محصّنة حتى في مواجهة القنابل الموجهة والمخترقة للحصون المبنية من الفولاذ ومن الإسمنت المسلّح، بل وحتى أنها محصّنة في مواجهة الأسلحة النووية.

وإذا كان الجنود وإذا كانت الجيوش تتسلّح وتتحصّن بكل الوسائل التي تحميها وتقيها من السهام والرصاص، فما أحوج قلوبنا للحماية والوقاية من سهام الشيطان المصوّبة إلينا من كل جانب. وإن من أعظم وأقوى الأسلحة بها نحصّن قلوبنا، فإنها الأذكار في الصباح والمساء وفي كلّ وقت وحين، فمن أدام الذكر فإنه يحصّن قلبه ويحول بينه وبين اختراق سهام الشيطان له، ومن سهى عن الذكر فإنه كمن يبقي باب حصنه مفتوحًا مشرّعًا وعندها فلا أسهل من اختراقه وتصدّع جدرانه ثم انهياره.

ولقد تحدّث الله تعالى في قرآنه ورسوله ﷺ في أحاديثه، وتحدّث العلماء والصالحون في جدوى وضرورة وحاجة المسلم في تحصين قلبه بالأذكار. فقد قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [91 سورة آل عمران]، وقال رسول الله ﷺ: “ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوّكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر الله تعالى”.

قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: “ذهب الذاكرون بالله بالخير كله”.

وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: “ما شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله”.

وقال أحد السلف: “إذا تكشّف الغطاء يوم القيامة عن ثواب أعمال البشر، لم يروا ثوابًا أعظم من ذكر الله، فيتحسّر أقوام فيقولون ما كان شيء أيسر علينا منه”.

ولكن ورغم سهولة ويسر الذكر، إلا أن قساة القلوب قد نالوا عقابهم بحرمانه، كما قال ابن القيّم: “أشدّ عقوبة في الدنيا أن يمسك الله لسانك عن ذكره”. فالله تعالى يقول: {ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَٰنُ فَأَنسَىٰهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ} [9 سورة المجادلة].

وقال ذو النون رحمه الله: “ما طابت الدنيا إلا بذكره، ولا طابت الآخرة إلا بعفوه، ولا طابت الجنان إلا برؤيته”.

التسبيح ترياق القلوب

وإن من أعظم الذكر وأكثره تحصينًا للقلب فإنه التسبيح، وقد ورد ذكره في القرآن الكريم أكثر من ثمانين مرة، وافتتح الله به سبع سور من كتابه. وقد أثبت الله جلّ جلاله لنفسه الأسماء الحسنى والصفات العلى، وقرن ذلك بالتسبيح له: {هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلَٰمُ ٱلْمُؤْمِنُ ٱلْمُهَيْمِنُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ ٱلْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [23 سورة الحشر]، وقد قال النبي ﷺ: “إذا قضى الله  أمرًا سبّح حملة العرش ثم سبّح أهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح أهل السماء الدنيا”.

ومع أن الملائكة لا يعصون الله تعالى أبدًا، إلا أنهم مداومون على التسبيح لله تعالى، كما قال الله تعالى عنهم: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ } [20 سورة الأنبياء]، لا بل إنهم يفاخرون ويعتزّون بعبادة التسبيح لله تعالى: { وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ*وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ} [165 -166 سوره الصافات].

فالتسبيح يردّ الأقدار كما في قصة يونس عليه السلام {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ*لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [143-144 سورة الصافات].

التسبيح، كانت الجبال والطير تردّده وتسبح الله مع داود عليه السلام، {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ} [79 سورة الأنبياء].

وليس أنها الجبال والطيور، بل إنه كل مخلوق خلقه الله سبحانه فإنه يسبح لله {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [41 سورة النور]، {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ} [13 سورة الرعد].

بل إن كل شيء حتى الحجارة الصمّاء فإنها تسبح لله {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [44 سورة الإسراء].

وإن أول نصيحة نصح بها زكريا قومه لما خرج من المحراب، فإنه أمرهم بالتسبيح {فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا} [11 سورة مريم].

وإن موسى عليه السلام فإنه طلب من ربّه أن يجعل له أخاه هارون وزيرًا معينًا له على الذكر والتسبيح {وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي*هَارُونَ أَخِي*اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي*وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي*كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا*وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا} [29-33 سورة طه].

وإن أهل الجنة بعد إذ أنعم الله عليهم بها، فإن ألسنتهم لا تفتر عن ذكر الله وتسبيحه {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ} [10 سورة يونس].

وإن الدوام على التسبيح فإنه من أسباب الرضا والطمأنينة {فَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ} [130 سورة طه]، هذا يعني أن نهار المسلم كلّه تسبيح لله تعالى.

وإذا كان التسبيح من أسباب الرضا والطمأنينة، فإنه كذلك دواء لضيق الصدر والهموم، {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ*فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ} [97-98 سورة الحجر]، فسبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته.

لن أشرك بحمد الله أحدًا

وإذا كان الله سبحانه قد بيّن لنا أن من أعظم عبادات أهل الجنة هو التسبيح، لكن مع التسبيح فإنه الحمد {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [10 سورة يونس]. إنه الحمد إذن من أهم الحصون، بها نحصّن قلوبنا من سهام الشيطان أن تخترقها وتنال منها.

كان الحجاج بن يوسف واليًا على العراق وقد عرف بالقسوة والبطش بخصومه، وقد حضر ذات يوم لقتل مجموعة من الناس تمرّدوا عليه، فقُتلوا وهو ينظر إليهم حتى كان وقت الأذان وقد بقي منهم رجل لم يُقتل، فقال الحجاج لقتيبة بن مسلم وكان بطلًا مشهورًا ودمث الأخلاق: ليكن هذا الرجل عندك الليلة وأتني به في الغد لأقتله.

يقول قتيبة: خرجت والرجل معي وفي الطريق قال لي: هل لك في خير تفعله؟ قلت: وما هو؟ قال: إن عندي ودائع وأمانات للناس في بيتي وإن صاحبك الحجاج سيقتلني حتمًا، فهل لك أن تُخلي سبيلي لأودّع أهلي وأردّ الأمانات إِلى أهلها، وأوصي بمالي وما عليّ والله تعالى كفيل لي أن أرجع إليك غدًا؟ قال قتيبة: تعجّبت من قول الرجل وضحكت، فقال الرجل: يا هذا الله كفيل أن أعود إليك، وما زال يلحّ عليّ إلى أن قلت له: اذهب ولا تتأخر غدًا في الحضور.

ولما توارى عن عينيّ انتبهت وقلت: ماذا صنعت بنفسي؟ ثم ذهبت إلى أهلي وأخبرتهم بما كان منّي مع أسير الحجاج، فانتابهم الحزن جميعًا وبتنا كلّنا لم يغمض لنا جفن خوفًا من غضب الحجاج، فلما أصبحنا وإذا برجل يقرع الباب، فخرجت وإذا به الرجل نفسه جاء يسلّم نفسه ليُقتل، فقلت وأنا أحمد  الله: رجعت؟ فقال الرجل: جعلت الله كفيلًا ولا أرجع؟!

فانطلقت ومعي الرجل إلى الحجاج، ولما أبصر بي الحجاج قال: أين الأسير؟ قلت: بالباب أيها الأمير. فأحضرته وقصصت عليه القصة وما كان من أمر الرجل ووفائه بوعده، فجعل الحجاج يردد نظره فيه ثم قال: وهبته لك. فانصرفت به.

ولما خرجت من الدار قلت له: اذهب حيث تشاء، فرفع بصره إلى السماء فقال: “اللهم لك الحمد” ثم مضى، ولم يقل لي أحسنت أو أسأت، ولا حتى لفتة شكر، فقلت في نفسي: مجنون وربّ الكعبة.

وفي اليوم التالي جاءني الرجل فقال لي: يا هذا جزاك الله عني خير الجزاء، والله ما ذهب عني أمس ما صنعت، أي أنني لم أنس معروفك الذي صنعته معي ولكنني كرهت أن أشرك في حمد الله أحدًا.

صحيح أن قتيبة بن مسلم هو من أجرى الله الخير على يديه وجعله سببًا لهذه النعمة، لكن المنعم المتفضل هو الله سبحانه، ولكن هذا لا يعني عدم شكر من صنع لنا معروفًا كما قال النبي ﷺ: “من صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه”. فعلى المسلم أن يحمد الله على كل حال كما قال الشاعر ابن ناصر الدين الدمشقي:

يجري القضاء وفيه الخير نافلة       لمؤمن واثق بالله لا لاهي

إن جاءه فرحٌ أو نابه ترحٌ            في الحالتين يقول الحمد لله

 الشوك والورد والحمد

إن من الناس من يشكو ويتألم لأن الله جعل تحت الورد شوكًا قد يؤذيه إذا أراد قطف الورد. ومن الناس من يحمد الله ويشكره أن جعل وخلق فوق الشوك وردًا. فرغم أذى الشوك ووخزه، فإنه سينساه لما يمسك الورد الجميل بيديه ويشم رائحته.

وإن من الناس من يتسخّط ويتذمّر ويتشكى ويتأفف لأنه لا يجد حذاء ونعلًا يلبسه بقدميه، ولكنه سرعان ما يعود فيحمد الله ويشكره عندما يرى رجلًا وقد قطعت قدماه، فلا القدم ولا الحذاء لتلك القدم.

بينما إبراهيم بن أدهم رحمه الله يسير في الطريق، وجد رجلًا على قارعة الطريق مقطوع الأطراف بلا يدين ولا رجلين، وقد أصاب جلده الجذام، وكان أعمى لا يرى وحالته رثّة، والناس يمرّون عليه يضعون الطعام في فمه إشفاقًا ًعليه.

يقول إبراهيم بن أدهم: فاستوقفني مظهر الرجل وما هو عليه ورحت أتأمله، فسمعته يقول: الحمد لله على نعمه العظيمة وعطاياه الجزيلة. فاقتربت منه وسلّمت عليه، وقلت له: “ماذا كنت تقول قبل قليل؟ قال الرجل: كنت أقول الحمد لله على نعمه العظيمة وعطاياه الجزيلة، فقلت له: ما الذي جرى لأطرافك “يديك ورجليك”؟ فقال: بترت. قلت له: وما الذي على جلدك؟ قال: الجذام. قلت: أين بصرك؟ قال: كُفّ بصري. فقلت: أين بيتك؟ قال: قارعة الطريق. قلت: من أين تأكل؟ قال: من الرزق الذي يسوقه الله لي من خَلقه نعمة منه وتفضلًا. فقلت له: فأين النعم العظيمة والعطايا الجزيلة فقال: ألم يُبق لي لسانًا ذاكرًا وقلبًا شاكرًا؟ فقلت: بلى. فقال: فأي نعمة أكبر من هذه، فالنعمة تحتاج الشكر، والبلاء يحتاج الصبر، والذنب يحتاج الاستغفار”.

 

صبرًا أهل غزة

يقول رسول الله ﷺ: “إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحبّ قومًا ابتلاهم فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط”.

وقال ﷺ: “إن الله تعالى يقول: إذا ابتليت عبدًا من عبادي مؤمنًا فحمد وصبر على ما ابتلي به، فإنه يقوم من  مضجعه ذلك كيوم ولدته أمه من الخطايا، ويقول الربّ للحفظة إني أنا قيّدت عبدي هذا وابتليته فأجروا له من الأجر ما كنتم تجرون له من قبل ذلك وهو صحيح”. يقول الدكتور حسان شمسي باشا: “فالابتلاء الحقيقي هو ابتلاء القلوب لا ابتلاء الأجساد”. فكم من متألم بجسده مطمئن بقلبه، وكم من معافى في جسده مضطرب في قلبه.

ها هم أهلنا وأبناء شعبنا الفلسطيني عمومًا وأهلنا في غزة خصوصًا وقد نزل البلاء العظيم بساحتهم وديارهم، فقد تشرّدت الأسر والعوائل وهدّمت البيوت، وقتل فلذات الأكباد، وضاعت مصادر الرزق. ابتلاء أوجع القلوب وحيّر العقول، ابتلاء كسر قلوب النساء وأبكى عيون الرجال، لكن ومع ذلك كلّه وأكثر، فلم يُسمع من أهلنا في غزة إلا الحمد لله وحسبنا الله. فمن كان هذا أدبهم مع الله سبحانه رغم ما نزل بهم، فوالله وبالله لن يخزيهم الله أبدًا ولن يضيّعهم، وإنما هو الذي سيبدّل خوفهم أمنًا وذلّهم عزًا وضعفهم قوة وشتاتهم جمعًا وطمأنينة وسكينة، وليس ذلك في الدنيا وحسب، وإنما سينتظرهم يوم القيامة بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [10 سورة الزمر].

وإذا كان رسول الله ﷺ قد قال لآل ياسر: “صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة” فإننا نقول لأحباب رسول الله ﷺ: “صبرًا أهل غزة فإن موعدكم الجنة”، وقبل ذلك فإن موعدكم الفرج القريب، وإن غدًا لناظره قريب.

نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا.

 

رحم الله قارئًا دعا لي ولوالدي ولوالديه بالمغفرة.

والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى