ربَّ ضارّةٍ نافعة
د. نواعم شبلي جبارين
كم من موقفٍ حسبناه شرًا محضًا، فإذا به يحمل في طياته خيرًا لم نكن نراه، وكم من بابٍ أُغلق في وجوهنا فظننّا أن الطريق انتهى، ثم اكتشفنا لاحقًا أن الإغلاق كان حماية، وأن المنع كان عين العطاء. هكذا هي سنن الحياة، وهكذا يتجلّى معنى المثل العميق: ربَّ ضارّةٍ نافعة.
في لحظات الخسارة، يضيق الأفق، وتثقل الأسئلة، ويغيب المعنى خلف ستار الألم. نفقد عملًا، أو شخصًا، أو فرصة كنا نظنها خلاصنا الوحيد، فنغرق في الحزن ونستسلم للاعتراض الداخلي. لكن التجربة الإنسانية، عبر الأجيال، تثبت أن كثيرًا من التحولات الكبرى تبدأ من رحم الشدائد، وأن الانكسار قد يكون أول خطوة نحو النضج.
الضارة لا تكون نافعة بذاتها، بل بما تُوقظه فينا. فهي توقظ الوعي، وتكشف الزيف، وتعيد ترتيب الأولويات. قد تُسقط عنا أقنعة، أو تُبعد عنا أشخاصًا، أو تُنهي مسارًا لم يكن يليق بنا، لنجد أنفسنا – بعد حين – أكثر قوة، وأكثر فهمًا للحياة ولذواتنا.
كم من إنسانٍ فشل في تجربة، فتعلم منها ما لم يتعلمه في نجاحه، وكم من مرضٍ أعاد صاحبه إلى إنسانيته، وإلى قيم الرحمة، والتواضع، وشكر النعمة. وكم من ألمٍ قاد إلى حكمة، ومن دمعةٍ صنعت بصيرة.
إن الإيمان العميق بأن ما يجري في حياتنا ليس عبثًا، يمنحنا الطمأنينة في قلب العاصفة. فليس كل ما نكرهه شرًا، وليس كل ما نتألمه نقمة. قال الله تعالى:
﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾
وفي هذه الآية اختصارٌ لفلسفة الحياة كلها، ودعوة صريحة للصبر وحسن الظن بالله.
ربَّ ضارّةٍ نافعة، لمن تأمّل، وتعلّم، ولم يتوقف عند حدود الألم. أما من أصرّ على رؤية الجرح فقط، فقد حُرم الدرس، وضاعت عليه الحكمة.
وفي النهاية، ليست العبرة بما نفقده، بل بما نكتسبه من فقداننا، وليس المهم كم تألمنا، بل كيف خرجنا من الألم: أأقسى أم أنضج، أأضعف أم أقوى، أأكثر سخطًا أم أكثر فهمًا ورضًا؟
تلك هي العبرة… لمن اعتبر.

