كيف نربي أبناءنا في الزمن الصعب؟!
ليلى غليون
بالرغم من التقدم العلمي الهائل في كل المجالات والفنون، إلا أن التربية اليوم تبقى من أصعب وأعقد المجالات في هذا الزمن، ولم يبالغ ولم يخرج من دائرة الحقيقة من قال إن تربية عشرة أبناء في الزمن الماضي أسهل بكثير من تربية ولد واحد في هذا الزمان، نظرًا لما يواجهه المربون من صعوبات وتعقيدات في العملية التربوية سواء كانوا أمهات أو آباء أو معلمين وغيرهم، فإنك تسمع نفس العبارة ونفس الشكوى، أن هذا الجيل صعب بكل المقاييس. فما الذي حدث، وهل من أدوات تمكن المربين من استثمارها لتعينهم على هذه المهمة الصعبة خاصة وأن الأبناء أمانة في عنق المربين سواء كانوا أهل أو معلمين، والتربية هي رسالة ومسؤولية وإبراء ذمة أمام الله تعالى، وتأديتها ليس بالأمر الهين، وسيحاسبون على هذه الأمانة هل حفظوها أم ضيعوها.
- لا شك أن الأهل اليوم ليسوا وحدهم في العملية التربوية كما كان الأهل من قبل يملكون زمام العملية التربوية لوحدهم، فكانوا هم المربي وهم الموجه وهم الناصح والمرشد، وإن كان هناك بعض الأخطاء التربوية التي صدر منهم لسنا بصدد مناقشتها في هذا المقال، ولكن الشاهد أنهم هم من كانوا يملكون زمام الأمور ولا أحد يشاركم في مهمتهم التربوية، بعكس اليوم، هناك مربون أو بالأصح وكلاء تربية فرضوا حضورهم فرضًا في العملية التربوية، بل حضورهم أصبح واقعًا مفروضًا فيها، ومن الخطورة بمكان تجاهلهم أو الاستسلام لهم، كما أنه ليس من الحكمة محاربتهم أو الصدام معهم، فالإنترنت يربي، والشارع يربي، والصاحب يربي وغيرهم الكثير، والمطلوب الحكمة والتعقل في التعامل معهم لتجنب أو على الأقل التخفيف من تأثيرهم في العملية التربوية، لأنهم وبكل بساطة وفي غالب الأحيان، وكلاء غير مؤتمنين على أبنائنا.
- من أخطر وكلاء التربية في هذه الأيام هو الانترنت أو الشاشة الصغيرة، ولا يكاد أب أو أم لا يعانيان أو يشتكيان من تعلق أبنائهما بهذه الأداة الصغيرة والتي لم تسرق فقط أوقاتهم، ولم تضر فقط في صحتهم، بل تعبث في مبادئهم والأخلاق التي تربوا عليها، وليس المطلوب من الأهل حرمان أبنائهم منها، فهم أصلًا لن ينجحوا لأن الأمر كما أسلفنا أصبح واقعًا مفروضًا في حياة أبنائهم، ولكن المطلوب منهم آباء وأمهات، أن يضعوا قواعد للأولاد وأن يعطوهم حرية، ولكن يرسخوا في أذهانهم أن الحرية لها ثمن، فالولد متعلق بشاشته الصغيرة، ودورهم هو مفاوضات أو هو حوار مع الولد حول الوقت الذي سيقضيه مع شاشته حتى يشعر بأنه مشارك في القرار، فالولد يريد أكثر وقتًا ولكنهم بحوارهم معه يتفقون معه على وقت مناسب، ولا يقولون له: سنحرمك من الجهاز إذا أمسكته أكثر من الوقت المتفق عليه، بل يقولون: ما العقاب الذي ستعاقَبه إن لم تلتزم بالوقت، فالولد في هذه الحالة شارك في الحوار وشارك في وضع العقاب وفهم لماذا يعاقَب عندما يعاقَب.
- أخطاء كثيرة نقوم بها نحن الأهل بتربيتنا لأولادنا وبحسن نية دون أن نشعر، من بين هذه الأخطاء، عدم زرع المسؤولية فيه منذ صغرهم، والأمثلة كثيرة وأهمها: عند مذاكرة الطفل لدروسه ولامتحاناته، فترى الأم تجلس مع ابنها وكأنها هي من سيُمتحن، فلا يدرس الولد إلا مع أمه أو أبيه، نعم يجب مساعدة الولد ولكن لا أن نقوم بكل مهماته ومسؤولياته، فمسؤوليته هو أن يقرأ ويدرس وإن احتاج مساعدة نساعده.
- وخطأ آخر نقوم به نحن الأهل بحسن نية أيضًا مع الولد حين نقول له: إذا حصلت على علامة عالية فأنت بهذا ترفع رؤوسنا، وكأن العلامة من يقرر قيمة الولد، فالولد يجب أن يشعر بأننا نرفع رؤوسنا به في كل الأحوال، ولكننا فخورون به لأنه على قدر المسؤولية واجتهد وحصل على علامة جيدة، وحتى لو لم حصل على علامة جيدة فنحن فخورون به لأنه قام بما يجب القيام به من مذاكرة واجتهاد.
ومن الأمور التي تساعد في غرس المسؤولية في الأبناء، إشعارهم بأن عليهم واجبات في البيت ما داموا قادرين على أدائها، فما دام الولد والبنت يستطيعان، فمسؤوليتهما مثلًا ترتيب غرفتيهما، أو أن تقوم البنت بمساعدة أمها في المطبخ، أو الولد بمساعدة أبيه في أي شأن من شؤون البيت، فكم من بيوت تهدمت، وكم من أسر تفككت، وكم من حالات طلاق كثيرة حصلت كان سببها انعدام المسؤولية في كلا الزوجين خاصة الأزواج الشابة من دخلوا عتبة الحياة الزوجية ولا يفقهون من المسؤولية شيئًا.
- ومن الأخطاء التربوية التدليل الزائد والحماية الزائدة للطفل، الأمر الذي لا يؤدي لإضعاف المسؤولية في شخصية الطفل، بل يضعف جهاز المناعة عنده، أقصد مناعته ضد تقلبات الحياة وتداعياتها ، فالطفل قد يقع على الأرض، فتسرع الأم وقد تملكها الخوف الشديد عليه، فلا تمنحه الفرصة للنهوض بنفسه، بل تقوم هي بهذه المهمة، أو قد يشتكي الطفل من زميل له في المدرسة، فتسارع هي لحل المشكلة قبل أن تمنحه الأدوات على الأقل للمحاولة لحل مشكلته بنفسه، فتقوم هي بالنيابة عنه بحلها (المقصود هنا المشاكل البسيطة التي بإمكان الطفل أن يعالجها بنفسه دون واسطة والديه)، فمساعدة الطفل تكون بعد استنفاد الجهد والحيلة من قبل الطفل وليس كلما وقع أرضًا أو في أي مشكلة بسيطة نسارع لمساعدته، فهذا سينشئ طفلًا غير قادر على مواجهة الحياة دون مساعدة، ودورك أيها الأب، ودورك أيتها الأم أن تراقباه من بعيد، أن توجهاه بشكل مباشر أو غير مباشر، ولكن لا تحلا المشكلة بالنيابة عنه، فالطفل الذي يقع اليوم منتظرًا يدًا ستمتد إليه، عندما يكبر فإن الحياة لا تمد يدها لأحد.
- خطأ فادح يقع فيه الآباء والأمهات عندما يقارنون الولد مثلًا بأخيه أو بزميله المتميز في الصف، أو بصديقه أو بأي أحد كان متميزًا، فقد يظن الأهل بحسن نية، أن هذا الأسلوب سيشجع الولد على التنافس والتميز أو أن يكون هو الأفضل، ولكن هذا الأسلوب سيهدم في نفسه أمورًا مهمة، ويصحي فيها أمورًا سيئة أقلها أنه يسعد بتعثر وفشل الآخرين خاصة الذين تمت مقارنته بهم.
دع ابنك أن يكون نفسه، فكل ميسر لما خلق له كما أخبر بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم، ولكلٍ قدرات وإمكانات تختلف عن الآخر، فقد تكون قدرة الولد محدودة، فمن الظلم بمكان مقارنته مع صاحب القدرات العالية، دورك أن تنمي قدراته وتحسن إمكاناته، دورك أن ترشده إن قصّر ولم يقم بما عليه من واجبات، وليس لومه على النتيجة وقد أدى ما عليه .
- أعظم هدية يقدمها الزوجان لأبنائهما بيت هادئ مستقر تحت ظلال علاقة زوجية تسودها المودة والرحمة والاحترام، ولو كان هذا البيت صغيرًا، لأن البيت بهذه الأسس المتينة يتسع ويتسع وليس لاتساعه حدود، بعكس البيت الذي يفتقر أفراده للمحبة والرحمة والاحترام فإنه يضيق ويضيق حتى يخنق أنفاس ساكنيه ولو كان قصرًا منيفًا. فصحة الأبناء النفسية لا تعتمد على صغر مساحة البيت أو كبرها، بل على مدى صحة العلاقة التي تجمع بين الزوجين وقوتها ومتانتها وتفهم كل منها للرسالة السامية التي يحملانها.
فالمشاكل والخلافات موجودة وتحدث في كل بيت وهي أمر صحي وطبيعي، ولكن غير الصحي والطبيعي سوء إدارة هذه المشاكل والتعامل معها وكأن حربًا نشبت في البيت وليس مجرد سوء تفاهم، والجريمة الكبرى تحميل الأولاد وزر هذه المشاكل وتدفيعهم ثمنها أو جعلهم طرف صراع قائم بين الزوج والزوجة أو استخدامهم كورقة ضغط. والمطلوب التعامل مع الخلافات تعاملًا راقيًا من أجلكم أيها الأزواج ومن أجل أبنائكم، فليس جريمة أن تخطئ في حقها أو أن تخطئ هي في حقك، وحل هذا الخطأ لا يكون بالصدام أو الصراخ أمام الأولاد، يكفي اعتذار منك أو اعتذار منها لتئد الخلاف في مهده، تكفي هدية بسيطة ترجع مياه الود إلى مجاريها، يكفي تغافل منكما على ما حصل، فهذه رسالة قوية للأبناء أن الخلافات حلها بسيط ربما باعتذار أو بهدية أو بابتسامة وغيرها، وتعمدوا أن يكون ذلك أمام الأولاد لينشؤوا على هذه الأخلاق، فإذا لم يتعلموها من والديهم فأين سيتعلموها؟
- كثير من الأهل إن لم يكن معظمهم، يقولون أنهم مستعدون أن يضحوا بأنفسهم من أجل أولادهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، ولكن الأولاد ليسوا بحاجة لآباء وأمهات يهلكون أنفسهم من أجلهم، إنهم بحاجة لآباء وأمهات يعيشون من أجلهم، فلا تكن أيها الأب، أيتها الأم، شمعة تضيء ثم تذوي وتنطفئ، فمن للأولاد إذا ذابت الشمعة وانطفأت؟! كونوا كالشمس تضيء وتشرق كل صباح ثم تستريح لتعود إلى إشراقها في اليوم التالي، فالأولاد محتاجون أن تعيشوا لأجلهم، أن تجالسوهم، أن تتحدثوا معهم، أن تلاعبوهم، أن تشاركوهم عالمهم، بمعنى أن لا ينشغل الأهل من أجل الأولاد لدرجة أنهم لا يرونهم، بحجة أن لا وقت لديهم، فبالنسبة للولد تكفي ربع ساعة فقط للعب في ساحة البيت مع أبيه أو للسفر معه في السيارة لأي مكان، للتسوق، لزيارة جده، للتنزه، تكفي الولد وتشبع عنده حاجات نفسية كثيرة.
- وأخيرًا، بل أولًا، لن تكون تربية صحيحة سليمة إلا بتوفيق من الله عز وجل، ولن يستطيع أبناؤنا عبور جسر السلامة في هذا الزمن الصعب إلا بمعية الله وحفظه ورعايته مهما أخذنا بأسباب السلامة، فالدعاء ثم الدعاء ثم الدعاء، فلنبعث بطلباتنا ورجائنا ودعواتنا إلى السماء أن يحرس المولى أبناءنا ويحفظهم ويسدد خطاهم، فصلاح الحال قد يكون بدعوة، والدعاء يفعل المستحيلات بإذن الله مجيب الدعاء.
(ملاحظة: هذا المقال بتصرف كبير من حلقة تربوية للأستاذ كريم الشاذلي في قناته على يوتيوب).

