أخبار وتقاريردين ودنياومضات

رحلة اليقين: من ليل المحنة إلى فجر التمكين…

مارية محاجنة

إنّ الإسراء هو تلك الرحلة التي أُسري برسول الله من مكّة المكرّمة إلى بيت المقدس، يقول تعالى: “سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنُرِيَهُ مِن آياتنا إنّه هو السّميع البصير.” وأمّا المعراج فهو الرحلة التي عقبت الإسراء، وبها رفع الله –سبحانه- نبيَّه محمّدًا إلى السماوات العُلا، حيث أوحى إليه وكشف عن بصيرته حُجُب الغَيب، فرآى عِيانًا ما كان قد أمره الله بدعوة النّاس إليه. وفي الإسراء صلّى رسول الله إمامًا بالأنبياء جميعًا في بيت المقدس.

وإنّ رحلة الإسراء والمعراج لَحَدَثٌ قد خصّه الله بخاتم أنبيائه ﷺ، فهو جديرٌ بأن نجتمع عليه، ونجتهد في استنباط معانيه، وكشف اللّثام عن خبايا هذا المشهد الفاصل في تاريخ هذه الأمّة الغرّاء، بل في تاريخ الإنسانيّة قاطبة. الرّحلة التي انطوت على زاخرٍ من العِظاتِ والعِبَر، وكشفت أمام النّبيّ الأعظم ﷺ من حقائق هذا الوجود المغيّبة ما اطمأنّ به قلبه، واشتدّ به عزمه، وانجلى به حزنه.

مناسبة الرحلة

إنّ الله السميع البصير الذي اطلّع على حال نبيه صلى الله عليه وسلم، وما قوبِلَ به من عناد وتكذيب، وتكبّر وتعذيب، وحصار وتجويع، ومقاطعة وترويع، وهو صابر في توصيل رسالته، قد أرى عبده الرسول ﷺ أنّه السميع البصير، في وقت ملأ الحزن قلب النبيّ الإنسان ﷺ، بموتِ الرفيقة الحنون، والأمّ الرؤوم، والزوجة المحبّة الفاضلة المناصرة له في دعوته. ثمّ موت عمّه المدافع عنه، والذي كان الحصن المنيع للنبيّ من أذى المشركين. فبموتهما ازداد الألم، وتنامت المحن. وإنّ هذا الحال الّذي عايشه النّبيّ ﷺ، وهو من هو عند الله في الكرم والحظوة، لَهُوَ درس لكلّ من ابتغى أن يكون داعيًا إلى الله، وعاملًا للإسلام، يطلب العلم ليعلم، ثمّ ليعمل به، محتملًا أذى المعادين لهذه الرسالة الشّريفة، والشّريعة الجليلة.

لذا ينبغي لنا أن نتفاعل مع آيات الإسراء والمعراج تفاعل المخاطَبين العاملين، رافعي لواء التغيير والتأثير في مجتمعاتهم؛ في جامعاتهم، وكليّاتهم، ومعاهدهم، ومدارسهم، وسائر الميادين، غير مستسلمين لليأس، والحزن، وتكذيب المكذّبين، وموقنين أنّ الله يسمع ويرى، ويجزي الجزاء الأوفى.

شرف مقام العبوديّة

والآية الكريمة كاشفةٌ عن بعض المعاني الشريفة، يقول سبحانه: “سبحان الله”: أي تنزّه الله عن النقص والعِلَل. فسورة الإسراء تبدأ -كما يقول الشهيد سيّد قطب (رحمه الله) -: “بتسبيح الله، في أليق حركة نفسيّة تتّسق مع جوّ الإسراء اللطيف، وأليق صلة بين العبد والربّ في ذلك الأفق الوضيء”.

ثمّ أضاف:” أسرى بعبده: لتقريرها :صفة العبوديةّ)، وتوكيدها في مقام الإسراء والعروج إلى الدرجات التي لم يبلغها بشر، وذلك كي لا تُنسى هذه الصفة، ولا يلتبس مقام العبوديّة بمقام الألوهيّة، كما التبستا في عقائد النصارى”.

فسبحان الذي أسرى (=وهو المشي ليلًا) بعبده بنبيّه)، وقد كنّاه بأسمى الصفات في السير إليه عزّ وجل بقوله:” عبده ” وهو مقام العبوديّة لما فيه من رفعة وقُرب من السميع البصير.

وهنا يظهر استنهاض الهمّة في السّير إلى الله عزّ وجلّ، عبر ترشيد السّلوك الحقّ، دون شطح ولا دجل ولا خُرافة. وبكلمات أخرى: أن نرسّخ في إيماننا عقيدة التوحيد؛ توحيد الألوهيّة، وتوحيد الربوبيّة، وتوحيد الأسماء والصّفات، فلا ننسب لله الوالد أو الولد أو الزّوجة، جلَّ اللهُ في علاه، ولا يعني بلوغ نبيّنا -صلّى الله عليه وسلم- سدرة المنتهى أنّنا نزعناه من إنسانيتّه أو عبوديّته لله ربّ العالمين، فإنّ قُربنا من الله عزّ وجلّ لا يزيدنا إلّا ذُلّا له، وخضوعا بين يديه عزّ وجلّ، ولجوءًا إليه سبحانه وتعالى عبر التحقّق بمقتضياتِ العبوديّة لله ربّ العالمين.

وقد أورد الله –سبحانه- في القرآن غايته من الإنسان قائلًا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، ونحن نرتّل في كلّ صلاة قوله –تعالى-: “إيّاك نعبُدُ وإيّاك نَستعين”. إيّاك نعبد فلك نصلّي ونسجد،

وإيّاك نعبد فنسبّح ونستغفر. إيّاك نعبد، وكأنّنا نقرأ معالم العبوديّة في مشهد قرآنيّ آخر مهيب زاده الامتثال لمقام العبوديّة روعة وجمالا وبهاء، نراه في قوله الله:

وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65)

ثم كأنّنا نرى اقتران العبوديّة بالليل تحديدا في سياق الآية الكريمة “أسرى بعبده ليلا”، فالليل ساتر (وجعلنا الليل لباسا).. وكذلك ينبغي أن يكون العبد مستورا فلا يجهر بمعصية الله، والليل ساكن، وكذلك ينبغي أن يكون العبد ساكنًا مطمئنًا، وهادئ النفس، ورابط الجأش، لا تأخذه كلّ شاردة أو واردة فيحيد عن منهج الله، وتعاليم الله، ودين الله. والليل بعيدٌ عن الرياء؛ إذ يحتجب فيه الإنسان عن أعين سائر البشر، وهكذا ينبغي للعبد الخاضع لله ﷻ بقلبه وجوارحه، لا يبتغي من الدنيا سوى رضا الله ﷻ فيخلص لله النيّة، والقول، والعمل. والليل مُخيف وكذلك ينبغي أن يكون العبد، قال الله ﷻ: “مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا” سورة الفتح آية:٢١

والليل رفيق الدعوة منذ الساعة الأولى لبعثة الحبيب المصطفى ﷺ، والتقاء أمين السّماء بأمين الأرض، وأمرَه إيّاه بحمل راية الدعوة إلى التّوحيد، سيّما وقت احتياج النبيّ الكريم للتّأييد من الله ﷻ، فحين شعر بشيء من الخوف والتردّد، وعاد مُسرعا لحضن زوجته الرؤوم قائلا لها: “زمّلوني زمّلوني”؛ تدخّلت العناية الإلهيّة بتنزّل آياتٍ تأمره بعبادة الليل. وإنّ “يا أيّها المزّمّل…” ما تزال تطرق السّمع، وتنبّه القلبَ الغافلَ عن شرف القيام والوقوف بين يدي الله ﷻ، وأداء عبوديّة الليل، وملازمة ركب العظماء الذين اعتبروا أنّ الله السّميع البصير إنّما يخاطبهم هم بها:

{يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ. قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا. نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا. إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا. إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وطئًا وأَقْوَمُ قِيلًا. إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا. وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا. رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا)

يفهمون هذه الآيات كأنّها تنزّلت عليهم، تأمرهم، وتحضّهم على القيام لله بعبادة الليل؛ للتزوّد بزاد التأييد في أدائهم لواجب الدّعوة والنّصر. والليل موعد الأنس بين المتحابّين، وهو الزمن الذي يتنزّل فيه ربّنا ﷻ، ففي الحديث الثابت:

يَنْزِلُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالَى كُلَّ لَيْلةٍ إلى السَّماءِ الدُّنْيا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يقولُ: مَن يَدْعُونِي، فأسْتَجِيبَ له؟ مَن يَسْأَلُنِي فأُعْطِيَهُ؟ مَن يَستَغْفِرُني فأغْفِرَ له؟

وهو الوقت ذاته الذي حدثت فيه رحلة الإسراء والمعراج، ليحوز النبيُّ الكريم ﷺ شرف الزّمان، والمكان، والمقام معا.

فالزمان:” ليلا”، والمكان: من مكّة إلى القدس، ثمّ إلى السماوات العُلا، والمقام: مقام العبوديّة لله ربّ العالمين.

فإذا كانت العبوديّة شرفا ومقاما عليّا حظي بها نبيّنا ﷺ فارتفع لأشرف المقامات وأعلاها، فوصفه الله في الإسراء فقال: سبحن الذي ‌أَسۡرَىٰ ‌بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُ [الإسراء:١]، ووصفه بها عند الوحي إليه في المعراج فقال: فَأَوۡحَىٰٓ ‌إِلَىٰ عَبۡدِهِۦ مَآ أَوۡحَىٰ [النجم:١٠]، ووصفه بها حين ذكر إنزال أشرف كتاب إليه -وهو القرآن- فقال: ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ‌عَلَىٰ ‌عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰاب

وقد أمره الله بالعبادة فقال: وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ ‌حَتَّىٰ ‌يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِينُ.

وقد كانت عبادة الليل غنيمةً دأبَ نبيّنا الكريم ﷺ أن يظفر بها، والصحابة الكرام رضوان الله عليهم منذ بزوغ فجر الإسلام العظيم حِرصًا على شكر الله ﷻ، وطمعًا في نوال رضوانه، وعَن أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ أنّه قَالَ: «قَامَ النَّبِيُّ ﷺ بِآيَةٍ يُرَدِّدُهَا حَتَّى أَصبَحَ، وَهِيَ قَولُ اللَّهِ تَعَالَى: ‌إِن ‌تُعَذِّبهُم فَإِنَّهُم عِبَادُكَ… الآية».

وقد تواترَ عنه ﷺ أنّه قام الليل حتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ، فقِيلَ له: غَفَرَ اللَّهُ لكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ، قالَ: أفلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟

شقّ النبيّ لأصحابه والآتين من بعده الطريق، ودلّهم على مَعين المدد العذب، وهو عبادة الليل، فقام ليله كما تقدّم الذِّكرُ، ومن هو؟ إنّه المغفور له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخّر. بأبي أنت وأمّي يا رسول الله، ولا يبرحني السؤال: ألسنا الأجدرَ بالتحقّق، والتخلّق بمقام العبوديّة لله ربّ العالمين، ونحن أتباع النبيّ ﷺ؟

نحن الموصوفون على لسانه بأحبابه الذين يأتون من بعده. يا أحباب رسول الله ﷺ، أليس الأجدرُ بمن رضي بالله ربّا، وبنبيّنا محمّد هاديًا ورسولا، وبالإسلام دينًا أن يلزم سبيل العبوديّة؟

أليس الأجدرُ بِمن اختار سبيل الغُربة في زمن التميّع، والانبطاح، والانسلاخ من الثوابت بالتحقّق بمقام العبوديّة لله ربّ العالمين؟ رافعًا راية العبوديّة المنبعثة من قلبٍ مخلصٍ لله ﷻ، متمثّلًا قول ربنا عزّ وجلَ: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 162، 163].

إذ إنّ ارتياض هذا الدرب، ولزوم هذا النهج يثمر من مشاعر النعيم الثمر الطيّب السماويّ، ففيه:

ترقى بنعيم عظيم يفوق تنعّم أهل الغناء بغنائهم، وأهل الخيلاء بخيلائهم، وأهل الرقص برقصهم، وأهل الغفلة بغفلتهم.

فما دام السبيل قد وضح، والباب قد عُرف، فلنقرع الباب، وندمن القرع إذ يوشك الباب أن يُفتح.

فلنقرع الباب وندمن القرع، فإنّ عباد الله من صحابة رسول ﷺ إنّما هم نِتاج تلك الليالي، فرسان نهار، ورهبان ليل، قد ذاقوا فعرفوا، ولزموا فَجَنوا -في قلوبهم- من ثمار الإيمان ما أقدرَهم على أن يسطّروا الأمجاد، ويجسّدوا أروع نماذج التّضحية؛ في سبيل تبليغ هذا الدين لمن بعدهم من الأجيال المتعاقبة إلى يومنا هذا؛ ليصل الدّين إليَّ وَإليكِ.

فكان الصّدّيقُ، وكان الفاروقُ، وكان ذو النّورَين، وكان عليُّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه، وكان طلحة، والزبير ومصعب، وعمير، وأسيد، وسلمان وابن عمر، وغيرهم نجومًا ساطعًة في مدرسة العبوديّة لله رب ّالعالمين، أفلا نقفو آثارهم؟

وإذ تحدّث القرآن عن الإسراء في سورة الإسراء، وعن المعراج في سورة النجم، وذكر حكمة الإسراء في سورة الإسراء بقوله: {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا}، وقال في سورة النجم بعد ذكر ما حدث: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى}.

وقد ألمع الندويّ –رحمه الله- إلى جلالة حادثة الإسراء فقال: “ولم يكن الإسراء مجرّد حادث فرديّ بسيط رأى فيه رسول الله ﷺ الآيات الكبرى، وتجلّت له ملكوت السّماوات والأرض مشاهدة وعيانا، بل زيادة إلى ذلك اشتملت هذه الرحلة النبويّة الغيبيّة على معانٍ عميقةٍ دقيقةٍ كثيرة، وإشاراتٍ حكيمةٍ بعيدة المدى. ”

“فقد ضمّت قصّة الإسراء وأعلنت السورتان الكريمتان اللّتان نزلتا في شأنه وتسمّى سورة الإسراء وسورة النجم أنّ محمّدا صلّى الله عليه وسلّم هو نبيّ القبلتَين، وإمام المشرقَين والمغربَين، ووارث الأنبياء قبله، وإمام الأجيال بعده، فقد التقت في شخصه وفي إسرائه مكّة بالقدس، والبيت الحرام بالمسجد الأقصى، وصلّى الأنبياء خلفه، فكان هذا إيذانا بعموم رسالته”.

ومن الآيات المعجزة في هذه الرحلة: الذَهاب إلى بيت المقدس، والعروج إلى السَماء، ورؤية الغيب الذي دعا إليه فقد رأى ﷺ الأنبياء والمرسلين، والملائكة، والسماوات، والجنَة والنَار، ولقد رأى الله عزَ وجلَ ذاته بقلبه وبعينيّ بصره على قول جمهور أهل العلم، وبذلك يكون قد شاهد عياناً ما دعا إليه الناس من الإيمان بالغيوب.

كان المعراج انطلاقًا من الأرض إلى السّماء، وصار في إعجازه قوّتين. الأولى: قوّة أرضيّة ثابتة، تنطوي على قُدسيّة العقيدة والمكان، فكان المسجد الأقصى والأرض المباركة حوله. والثّانية: قوّة نفسيّة، وقيادة إيمانيّة، وتشريع ربّانيّ، فكانت الصّلاة، والّتي تجلّت في إمامة النبيّ ﷺ للأنبياء نيابة عن أقوامهم وأممهم، وانتهت بفرضها خمس مرّات في اليوم والليلة، في معراج دائم بين العبد وربّه.

لقد كان بيت المقدس في رحلة المعراج نقطة الارتكاز القويّة لصعود روح، وجسد، وإنسانيّة محمّد ﷺ مختارًا من بين البشر جميعهم، دالًّا على سبيل ارتقاء الإنسانيّة الدائم؛ بدوام استسلام البشر لإرادة الله ﷻ، ولزوم طاعته، ولزوم صراطه.

وقد نزلت سورة الإسراء بما يُقوِّي العزائم، ويُحيي القلوب؛ تشرح للأمّة واجبها إزاء المسجد الأقصى، وأحقّيّة المسلمين وحدهم دون سواهم فيه. لقد حملت معجزتا الإسراء والمعراج عطايا نفيسة للمستضعفين والمعذّبين في كلّ زمن وبلد، بعد أن ربطت بين السّماء والأرض برباط خمس صلوات في اليوم والليلة، هي صِلة مباشرة بين العبد وربّه ﷻ، وطمأنت المؤمنين العاملين إلى أنّ المِنَحَ قد تأتي من رحم المحن إذا هُم صبروا وصابروا.

هذا وستظلّ رحلة الإسراء والمعراج – كما كتب الإمام حسن البنّا، رحمه الله-: “مادّة أساسيّة في منهاج التّربية الإلهيّة، وذلك أنّ الله تعالى أعدّ رسوله الكريم ليكون سيّد المربّين والمعلّمين، فلا بدّ أن يكون بمنزلة من العلم تفوق أيَّ منزلة سواها من منازل البشر؛ ولهذا طاف الله به السّماوات ليكون إيمانُه رؤيةً ومشاهدةً، وليس إيمانًا نظريًّا، وهناك حكمة أخرى فيها سموّ القدر وجلال المنزلة، فالحقّ تبارك وتعالى قد فرض الصّلاة على المسلمين ليلة الإسراء والمعراج، ولم يشأ فرضها عن طريق الوحي كغيرها من الفرائض، وإنّما استدعى نبيّه الكريم؛ ليبيّن للنَّاس أنّ الصلاة جليلة القدر، عظيمة المكانة، وأنّها مادّة أساسيّة في منهاج التّربية الإسلاميّة، فهي نظافة، ونشاط، وصحّة، وعلم، وأخلاق”.

ختاما، إلى أبناء الإسلام:

أنتم أمل الأمّة، وعقولها المنيرة، ومستقبلها الزَّاهر، وأملها الواعد، وأهمّ عوامل نهضتها وتقدّمها ورُقِيِّها، وتلك هي مسئوليتكم وأمانتكم أمام الله تعالى، ثمّ أمام أمّتكم وأنفسكم، فخذوا الأمر بقوّة، وتذكّروا قول الشاعر:

إِذا القَوْمُ قَالُوا مَن فَتىً خِلتُ أَنَّني *** عُنِيتُ فَلَمْ أَكْسَلْ وَلَمْ أَتَبَلَّدِ

إنّ أمّتكم تنتظر منكم الكثير والكثير على درب التّمكين، والعمل لرفعة ديننا وعلوّ شأنه، فكونوا عند حسن الظنّ، وأحسنوا العمل والجهد تنالوا خيرَيْ الدُّنيا والآخرة بإذن الله عزّ وجلّ، (وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) (التوبة: 105)

وَصَلَّ اللهمَّ على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى