معركة الوعي (268) إمبراطور الخراب – كل شيء بأمر الرب!!
حامد اغبارية
1)
دونالد ترامب، ذلك الذي أوهم مَن حوله، أو أوهمه مَن حوله أنه يعمل باسم “الرب”، وأن كل ما يفعله هو “إرادة الرب”، وأن كل اعتراض عليه هو اعتراض على “إرادة الرب”!
في فترة حكمه الأولى وقّع قرارا باعتبار القدس المحتلة عاصمة للدولة الإسرائيلية. وهذا كان “باسم الرب” وتنفيذا لـ “إرادة الرب”!
واتخذ قرارا بنقل وكر الجواسيس، المعروف دبلوماسيا باسم “السفارة الأمريكية”، إلى القدس المحتلة، كذلك إنفاذا لـ “إرادة الرب”!
ثم في نفس الفترة وقّع على قرار يعتبر الجولان السوري المحتل سنة 1967 جزءا من الجغرافيا التابعة لمملكة إسرائيل، وذلك طاعة لـ “أمر الرب”، لأن “مملكة إسرائيل الكبرى” هي “رغبة الرب ومشيئته”!
وفي ذات الفترة أيضا نسج خيوط “صفقة القرن” التي هي أشبه بقرن الشيطان… كذلك “استجابة لرغبة الرب”!
قادمٌ من حلبات المصارعة الأمريكية الدموية، ومن أوكار الحشيش، و”غُرَز” القاصرات والصفقات المشبوهة يتحدث للناس باسم “الرب”، وحوله مجموعة من المطبّلين الذين جعلوا من “كتابهم المقدس” وسيلتهم للخداع وللوصول…. وخلفهم قطيع من ملايين “المؤمنين”…!
في فترته الحالية قدّم نفسَه أو قدمته حاشيةُ الخراب على أنه رجل “السلام”. كذلك باسم “الرب”!
دمرت أسلحته الفتاكة غزة باسم “سلام الرب”. وسعى إلى تفريغ قطاع غزة من أهله “حُبًّا بسلام الرب”!
فـ “إيمانه العميق” بأنه “سيف الرب القاطع” جعله يضرب فنزويلا ويسعى إلى الهيمنة على مقدراتها ونفطها وكنوز أرضها، والسيطرة على قرار شعبها وإرادته، ويقصف في نيجيريا باسم “الانتقام لرعايا الرب من أعداء الرب”…
وها هو يشن حربا على فنزويلا، الخارجة عن إرادة ترامب التي هي “إرادة الرب”، ويختطف رئيسها “المتمرد على إرادة الرب”!!
وها هو يعلن أنه مستعد لاستخدام القوة بـ “إرادة الرب” لحماية المتظاهرين في إيران، وذلك لأنه، فيما يبدو – والله أعلم – عبدٌ مطيع لإرادة “الرب”!!
ثم ليظهر على الشاشات بـ “أمر الرب” ليدعو إلى “السلام العالمي” تحقيقا “لإرادة الرب”!
فأين ستقع “إرادة الرب” في الأيام القادمة؟!!
إننا أمام بلطجي منتفش، متفرعن، يسعى إلى بسط الهيمنة ونشر الخراب في كل مكان. وكله… “بأمر الرب”!!
لكنه ليس مجرد بلطجي! إنه فرعون جديد حدثته نفسُه بأنه “مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ”! فهو فقط الذي يَرى، وهو فقط الذي يُرِي!! وهو وحده على الحق، وهو وحده الذي يعرف الصواب، ومن سواه ليس عليه إلا أن يسمع ويطيع.
هكذا كان جده الأكبر؛ فرعون موسى الذي بدأ بصناعة القطيع حوله تمهيدا لما سيأتي. فلما استخف قومه وأطاعوه قال مقولته التي ستدمر إمبراطوريته بعد سنوات قليلة: “مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي”. ولما صمت القطيع ولم يحتج، ارتفعت وتيرة جبروته وطغيانه، فقال: “أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى”!
وإن بين قوله “ما أريكم إلا ما أرى” (سياسة) وما بين قوله “أنا ربكم الأعلى” (طغيان واستعلاء) كان القطيع يورّث الذل والخضوع للأجيال، يأكلون ويشربون ويتناسلون كالأنعام. وكان لا بدّ من خاتمة لهذا العبث بالعقول وإفساد النفوس.
في لحظة فارقة فاصلة انتهى كل شيء. انتهى دون أن يدرك فرعون ذلك. فقد كان ثملا، منتشيا، زائغ القلب والعقل والبصيرة، لا يرى إلا “ما يرى”!
كان، رغم بطشه وجبروته، مرعوبا من النهاية على يد مولود من “عبيد بني إسرائيل”. فأمر بقتل كل مولود ذكر يولد فيهم، حتى لا يكون بينهم موسى! أإلهٌ ويخاف الموت؟!! أي إله حقير بلا قدرة على حماية نفسه يكون إذًا؟!!
ربّى عدوه في بيته حتف أنفه. ولما حانت اللحظة، وبعد المناظرة الطويلة بين “مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي” وبين “إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ” قُضي الأمر بملاحقة فرعون لموسى عليه السلام وقومِه بجيش جرار وسلاح فتّاك، وهو يحدّث نفسه بغباء: لقد أدركتُهم! ليس غير أن أمدّ يدي وأقبض على موسى لأقتله واستعبد قومه من جديد. وكان لغبائه لا يدرك أنه يسير إلى حتفه…!
وها هو فرعون هذا الزمان وبلطجي الكوكب وأزعر الحارة يمارس ذات الدور، يسعى إلى “قتل كل موسى يرفع رأسه ويقول “لا” لفرعون”!
يجلس في شرفة بيته “الأبيض”، ويشير بإصبعه السبابة: أريد كذا، ولا يكون إلا ما أريد!! وسأفعل كذا ولا يكون إلا ما أقول!!
لذلك لن ينتهي الأمر عند فنزويلا ورئيسها المختطف. بل إن عين فرعون على المحيطين الأطلسي والهادئ. لذلك راح يهدد كوبا وكولومبيا والمكسيك، كما سبق وأعلن نيته ضم كندا إلى إمبراطوريته. وكما سبق وأعلن أنه يريد جزيرة جرينلاند التي تشكل بوابة القطب الشمالي في مواجهة الصين وروسيا، مع ما فيها من كنوز طبيعية ومؤشرات على وجود نفط وغاز يخدم الاقتصاد الأمريكي، وربما يخلصه من الحاجة للنفط العربي، حتى إذا أزيح هذا الهمّ عن كاهل أمريكا أزيحت عن كاهل المشروع الصهيوني تلك العقبة الكؤود المسماة “مصالح أمريكا في المنطقة” وضرورات موازنة المواقف في السياسة الخارجية، ثم يفتح أمامها الطريق نحو “المملكة الكبرى”…! فمن الذي يصفق لترامب وسياساته الفرعونية؟! لا يصفق للص إلا لص مثله…! ولا يرقص على أنغام فرعون إلا هامان والقطيع…!
في آخر تصريح من الإدارة الأمريكية هذا الأسبوع فإن ترامب لا يستبعد استخدام القوة العسكرية للسيطرة على الجزيرة القطبية، بينما صرح وزير خارجيته، روبيو، بأن بلاده تريد فقط شراء الجزيرة؛ مجرّد شراء!!! وهو تصريح يمكن القول إنه نسخة طبق الأصل عن أسلوب العصابات، التي تستخدم قوة السلاح والإرهاب والتخويف لأخذ أموال الناس بالباطل، وأحيانا يكون التهديد مغلفا بكلام جميل مثل: “نحن نريد حمايتك… أنت من اليوم تحت حمايتنا، لن يستطيع أحد أن يؤذيك، ولكن عليك أن تدفع لنا مقابل هذه الحماية”. إتاوة يعني… يعني خاوة! إنه نفس الأسلوب التاريخي القديم المعروف باسم “قطاع الطرق”!!
لم نكن بحاجة إلى دليل لنعلم أن العالم يُدار بقانون المافيا، لكنّه دليل لمن ما زال يعتقد أن هناك فعلا مؤسسات دولية أو مجتمع دولي أو قانون دولي. لذلك فإن الذين يراهنون إلى الآن على مؤسسات الخراب، خاصة من العرب والمسلمين، وهم الذين يهمنا أمرهم بالدرجة الأولى، ومعهم كل المستضعفين في الأرض، إنما يعيشون في أوهام وأضغاث أحلام. ولعلّ غزة وما جرى فيها ويجري إلى الآن خير مثال على سقوط هذه المنظومة التي ما وُجدت إلا لتخدم فرعون وملَائِه، حتى إذا خرجت أية جهة أو خرج أي شخص عن الخط المرسوم، اشتغلت ماكينة إعلامية رهيبة، واختلقت قضايا ما أنزل الله بها من سلطان؛ قضايا تتعلق بالاختلاس، أو العلاقات الجنسية، أو التحرش، أو الشهادات المزورة. بل أكثر من ذلك، تجد فرعون وهامان وجنودهما يعلنون الحرب المسعورة على هؤلاء، خاصة إذا كان سلوك هؤلاء يمس “البقرات المقدسة” التي لا يجوز ولا يحق لأحد أن يمسها أو يقترب منها!! وشهود وشاهدات الزور جاهزون دائما على دكة الاحتياط الأمريكية، ينزلونهم إلى أرض الملعب ليحكوا على الشاشات ما تعرضوا له من “فظائع” و”اعتداءات جنسية” و”تحرشات”..
هكذا تُجهض كل محاولة لمخالفة “قانون المافيا”!
إن الذي يدفع الملايين للعاهرات لشراء سكوتهن عن فواحشه يسهل عليه أن يدفع مئات الملايين لشراء الذمم… وحشد طوابير المطبّلين كي يعلِفوا القطيع..
غير أن هذا الحال لن يطول. فها هو فرعون قد خرج بجيشه يطلب موسى وقومه، ولم يعد بينه وبين أن “يلقي القبض عليه” سوى خطوات، فموسى على مسافة أقل من مرمى الحجر. وفرحةُ فرعون بـ “إنجازه العظيم” لا توصف.. حتى إذا ظن أنه تمكّن منه وجد نفسه بين فِرْقَين؛ كل فِرقٍ كالطود العظيم…. فأين المفر ساعتئذ؟! وأية “إرادة رب” و”رغبة رب”، و”مشيئة رب” التي ستُنجي فرعون وهامان وجنودهما من إرادة رب موسى ومشيئة رب موسى وقدَر رب موسى سبحانه وتعالى؟!
في جلسة الحكومة الإسرائيلية يوم الأحد من هذا الأسبوع حذّر غويل ليمون؛ القائم بأعمال المستشارة القضائية إن بن غفير يعمل على تغيير الوضع القائم (ستاتوس كفو) في المسجد الأقصى المبارك، مخالفا بذلك تعهدات نتنياهو بالحفاظ عليه. لكنّ نتنياهو رد عليه بأنه ليس هناك أي تغيير على الوضع القائم في الأقصى، وأن التغييرات التي ينفذها بن غفير في المسجد لا تغيّر الوضع القائم، وكل ما يفعله بن غفير يجري بالتنسيق معه!!
لنراجع شروط ما يسمى اتفاقية الوضع القائم في الأقصى، كي نعلم أن نتنياهو يكذب من جهة، ويقول الحق من جهة أخرى مع كونه كذوبا برخصة!! فهو يكذب بخصوص بقاء الوضع القائم على ما هو عليه رغم إجراءات بن غفير!! ويقول الحق في أن جرائم بن غفير في الأقصى هي بالتنسيق معه!! بل إن كل ما يتعرض له المسجد الأقصى المبارك منذ احتلاله في حزيران 1967 يجري بأمر حكومة الاحتلال وبالتنسيق مع حكومة الاحتلال. أما جراب الحاوي فهو مليء بالأفاعي والأسرار التي لن تبقى سرا إلى الأبد. وغدًا ينكشف الغطاء عن كل شيء.. كل شيء..!

