معجم عزمي بشارة

الشيخ رائد صلاح
قال الثعالبي: (من أحبّ لقاء الله تعالى أحبّ رسوله محمدًا، ومن أحبّ الرسول العربي أحبّ العرب، ومن أحبّ العرب أحبّ العربية التي نزل بها أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب، ومن أحبّ العربية عُني بها وثابر عليها وصرف همته إليها، ومن هداه الله للإسلام وشرح صدره للإيمان، اعتقد أن محمدًا صلى الله عليه وسلم خيرُ الرسل، والإسلام خيرُ المِلل، والعربَ خيرُ الأمم، والعربية خيرُ اللغات والألسن، والإقبال على تفهمها من الديانة، إذ هي أداة العلم ومفتاح التفقّه في الدّين).
والثعالبي يوم أن قال ذلك في كتاب (فِقْهِ اللُّغَةِ)، فقد مثَّل بذلك إجماعَ الأمة الإسلامية والعالم العربي على مكانة اللغة العربية السامقة. ويكفي لهذه اللغة فخرًا أن قال الله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}. وهي، كما قال الدكتور عبد الرحمن رَأْفَت باشا في كتابه (الْعُدْوَانُ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ عدوانٌ على الإسلام): (ولغتُنا العربية، أيها السادة، ليست قوميةً فحسب، إنما هي لغةٌ دينيةٌ أيضًا، فهي كما تُجمّع الشعوب العربية حولها، تُجمّع حول الشعوب العربية قلوبَ المسلمين من غير العرب، وتجعل منهم سندًا قويًّا لها في كل مكان، وظهيرًا يدعم قضاياها في كل مجال).
ولذلك فإن الذي يدَّعي أنه يخدم اللغة العربية ويسعى إلى فصلها عن الإسلام، وعن مصادره وميراثه وتاريخه وحضارته وأَدَبِيَّاتِهِ، فهو في الحقيقة يعلن حربًا على اللغة العربية، مهما أتقن فن التحايل، لأن خدمةَ اللغةِ العربيةِ هي جزءٌ من خدمةِ الإسلام، ولا يمكن الفصلُ بينهما. ومن تجاهل الإسلامَ عقيدةً وشريعةً ومنجزاتٍ فقد تجاهل روحَ اللغةِ العربية، وبات يتعامل مع مفرداتٍ عربيةٍ ميتةٍ لا روحَ فيها، وإن ادَّعى خدمةَ اللغةِ العربية، وجمع من حوله ما جمع من أهل الاختصاص باللغة العربية.
وخلال حركةِ التاريخِ والحضارةِ الإسلاميةِ العربية، ٱصْطَدَمْنَا بأشخاصٍ برعوا في علومِ اللغةِ العربية، ولكنهم لما حاولوا الاختباءَ حول اللغةِ العربية لمُحَارَبَة الإسلام، انكشف أمرُهم للقاصي والداني. فهذا عبدُ اللهِ بنُ المقفّع دعتْهُ نفسُهُ يومَ أن برعَ بعلومِ اللغةِ العربية، فحبسَ نفسَهُ وقرَّرَ أن يكتبَ كتابًا يُضاهي به القرآنَ الكريم، وفق ظنِّه، فما جنى إلا الخيبةَ والخسرانَ المبين.
وها هي فِرَقٌ ظهرت خلال مسيرةِ التاريخِ والحضارةِ الإسلاميةِ العربية، وادَّعتْ لنفسها الشغفَ بحبِّ اللغةِ العربية، ثم راحت تطالب بضرورة تجديد فهم النص في القرآن والسُنّة النبوية، ثم تبيَّن أنها كانت تسعى من وراء ذلك إلى تعطيل نصوص القرآن الكريم والسُنّة النبوية بادِّعاءِ الدعوة إلى تجديد فهم هذه النصوص فهمًا رمزيًا أو باطنيًا. وهكذا ظهرت فرقٌ باطنيةٌ بمسمياتٍ مختلفةٍ منذ الخلافةِ العباسية، والذي جمع بينها مُحَارَبَةُ الإسلام من داخل حاضرةِ الحضارةِ الإسلاميةِ العربية، بادّعاء الدعوةِ إلى تجديدِ فهمِ النصوص.
ثم خلال هذه المرحلةِ المأزومةِ من مسيرتنا الإسلاميةِ العربية، ظهرت بدعةُ إحلالِ العاميةِ محلَّ الفُصْحَى عام 1881، حيث دعت إلى ذلك مجلةُ (المقتطف) التي أسسها في بيروت يعقوب صروف وفارس نمر، ودعا إلى ذلك سلامة موسى، ودعا عبدُ العزيز فهمي إلى إحلالِ الحرفِ اللاتيني محلَّ الحرفِ العربي، وسار خلفه سعيد عقل، ثم دعا بعضُ المهزومين من بني جلدتنا العروبية إلى دراسةِ الأدبِ العربي على أساسٍ إقليمي، حيث يصبح بين أيدينا أدبٌ شاميٌّ وآخرُ عراقيٌّ وثالثٌ مصريٌّ ورابعٌ حجازيٌّ، وهكذا!
ثم بالغ بعضُ هؤلاء المهزومين ودعوا إلى الاكتفاء بدراسةِ الأدبِ الشعبي، ثم، واعجباهُ! أن دعا نفرٌ من هؤلاء المهزومين إلى إيجادِ نحوٍ عربيٍّ جديدٍ بادِّعاءِ التيسير، أو إلى الإبقاء على الفُصْحَى مع إلغاء الإعراب، أو مع إلغاء الإعراب من أواخرِ الكَلِمِ!! ووسط هذا الغبارِ الذي أثاره هؤلاء المهزومون حول اللغةِ العربية، ظهرت شطحاتُ طه حسين وغمزُه ولمزُه حول القرآنِ واللغةِ العربية.
ثم تباعًا لهؤلاء المهزومين الذين حاربوا الإسلامَ واللغةَ العربيةَ علانيةً أو حاربوا الإسلامَ عقيدةً وشريعةً ومنجزاتٍ بادِّعاءِ خدمةِ اللغةِ العربية، قام بطرسُ البستاني، الذي كان يعمل مترجمًا للقنصليةِ الأمريكيةِ في بيروت، بتأليفِ معجمه الذي أطلق عليه اسم (مُحِيطُ الْمُحِيطِ) بادِّعاءِ أنه قام بذلك لخدمةِ اللغةِ العربية، ولكنه في الحقيقة اختبأ خلف هذا المعجم لإعلانِ حربٍ على الإسلامِ والأمةِ الإسلاميةِ والخلافةِ الإسلامية، والدعوةِ إلى القوميةِ العربيةِ العمياء المستوردةِ من أوروبا، والتي تقوم على مبدأ افتعال الصدام – لا أصلَ له – بين الإسلامِ والعروبة. وقد انضمَّ إلى جهوده الباطلة نجيب عازوري وقسطنطين زريق وساطع الحُصْرِي وغيرهم.
وإلى جانب ذلك قام الأبُ لويسُ معلوف بتأليفِ قاموسِه (الْمُنْجِدِ) عام 1908 بادِّعاءِ خدمةِ اللغةِ العربية. وأنا شخصيًّا قرأتُ دراسةً في العمق عن هذا القاموس، بيَّنتْ أنه يضمُّ في طيَّاته تحريفَ الكثير من حقائقِ الإسلام وإشاعةَ الشبهاتِ حوله، بادِّعاءِ أنه مجردُ قاموسٍ قامَ لخدمةِ اللغةِ العربية.
ثم ها هو قد طَلَّ علينا قبل أيام معجمُ عزمي بشارة عن اللغةِ العربية، وقد أطلقتُ على هذا المعجم هذا الاسم: معجمُ عزمي بشارة، مع أن اسم هذا المعجم الرسمي هو (مَعْجَمُ الدَّوْحَةِ التَّارِيخِيُّ لِلُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ)، لأن الذي أشرف على إعداد هذا المعجم هو عزمي بشارة. وسلفًا أقول، أنا لا أدري ما هي مؤهلات عزمي بشارة في علومِ اللغةِ العربية حتى يُشرفَ على إعدادِ هذا المعجم، ويبقى هذا السؤالُ في نظري سؤالًا غامضًا يقول لي الشيءَ الكثير، سيما وأن عزمي بشارة، كما بات واضحًا للقاصي والداني، هو الذي يسعى إلى إحياءِ مدرسةِ بطرسِ البستاني التي دعت إلى قوميةٍ عربيةٍ عمياء مستوردةٍ من أوروبا، افتعلت صدامًا – لا أصلَ له – بين الإسلامِ والعروبة.
وعزمي بشارة هو الذي يدَّعي أن الدعوةَ لتحكيمِ الإسلام هي طائفية، وهو الذي أعلن عداءَه لمخرجاتِ الربيعِ العربي في مصر يوم أن انتخبت مصرُ رئيسَها المنتخبَ الأولَ في تاريخها المعاصر، ألا وهو الشهيدُ محمد مرسي، وهو الذي أعلن عداءَه لمخرجاتِ الربيعِ العربي في سوريا يوم أن سقط النظامُ الأسديُّ غير مأسوفٍ عليه، والتفّت سوريا تَلْمُلِمُ جراحَها حول الرئيس أحمد الشرع.
وعزمي بشارة هو الذي جرح علانيةً جيلَ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهم في كتابه (الطَّائِفَةُ وَالطَّائِفِيَّةُ وَالطَّوَائِفُ الْمُتَخَيَّلَةُ)، بدايةً من الخليفةِ الأولِ أبي بكرٍ الصديقِ رضيَ اللهُ عنه، وصولًا إلى الخليفةِ الثالثِ عثمانَ بنِ عفانَ رضيَ اللهُ عنه فصاعدًا، وكأن عزمي بشارة يريد أن يقول لنا: إنه ما دام منح نفسَه لقبَ مفكِّرٍ فيجوزُ له كلُّ شيء.
وحول معجمِ عزمي بشارة أوردُ هذه الملاحظات، معتمدًا على مقالةٍ بعنوان (مَعْجَمُ الدَّوْحَةِ التَّارِيخِيُّ لِلُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ) صدرت بتاريخ 27.11.2025، حيث كتبها حسينُ الزراعي وقد تكون هذه المقالة بإيحاءِ عزمي بشارة وبإشرافِه بمناسبةِ اكتمالِ هذا المعجم:
1- هذه المقالة تدَّعي أن موروثَ اللغةِ العربيةِ هو الذي صنع التاريخَ والحضارةَ والثقافةَ العربية. ولذلك لا يظهر في هذه المقالة، التي استوعبت عشرَ ورقاتٍ، إلا مصطلحُ “الحضارةِ العربيةِ” (صفحة 4)، ومصطلحُ “الثقافةِ العربيةِ” (صفحة 5)، ومصطلحُ “الهويةِ العربيةِ” (صفحة 7)، ثم مصطلحُ “الثقافةِ العربيةِ” (صفحة 8)، ثم مصطلحُ “الحضارةِ العربيةِ” (صفحة 9)!! وهكذا تخلو هذه المقالةُ بالمطلق من الحديث عن الموروثِ الإسلامي حضارةً وثقافةً وعلومًا ومعارفَ وعقيدةً وشريعةً وتاريخًا وتصورًا للخالقِ والإنسانِ والكونِ والحياة.
2- هذه المقالة، التي كتبها حسينُ الزراعي والتي قد تكون بإيحاءٍ من عزمي بشارة وإشرافِه، تدعو بالنص الحرفي (صفحة 1) إلى (… إعادة قراءة النص وتأويله بأدواتٍ معرفيةٍ ثاقبةٍ وراسخة)!!
3- يلفت الانتباه قولُ صاحب هذه المقالة (صفحة 9): “… وأظن أنه لم يظهر إلى حدّ الآن عملٌ مصطلحيٌّ متعددٌ للفظ الواحد، مراعيًا للتطور والتاريخ، إلا في معجم الدوحة التاريخي”!!
4- هناك الكثير مما يقال عن هذه المقالة، ولكن لفت انتباهي أن صاحب هذه المقالة ختمها بقوله: (وَإِلى أُمَّتِنَا الخالدةِ بخلودِ لغتِها)، وكم تمنيتُ عليه أن يقول بعد ذلك: (لأن لغتَها خالدةٌ بخلودِ القرآنِ والسُّنَّةِ).

