نازحون سوريون يستقرّون على الحدود

نازحون سوريون يستقرّون على الحدود

البحث عن الاستقرار هو الدافع الأساسي وراء توجّه النازحين في سورية إلى المناطق الحدودية مع تركيا وبناء منازل لهم فيها، خصوصاً أبناء ريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي.

يحلم نازحون سوريون كثر في الشمال السوري بمنازل لهم، بعدما خسروا ما امتلكوه في يوم عند مغادرتهم بلداتهم ومدنهم وقد وجدوا أنفسهم مهجّرين يبحثون عن خيمة تؤويهم وإن لم تقيهم حرّ الصيف وبرد الشتاء، أو عن مسكن مؤقّت يرتفع بدل إيجاره فيفوق قدرتهم. وفي حال قُدّر لأحدهم بناء منزل في محافظة إدلب، شمالي البلاد، لا بدّ من أن يتوجّه إلى مناطق سورية الحدودية مع تركيا، فهي آمنة إذ إنّ القصف لا يطاولها. وهذا ما يحدث بالفعل، ويمكن للمراقب أن يلاحظ كيف استقرّ نازحون في تلك المناطق.

محمد جلول من بلدة الهبيط التابعة لناحية خان شيخون في ريف إدلب الجنوبي، عانى في نزوحه الذي استمرّ خمسة أشهر. يقول في حديث صحفي معه: “وجدت كلّ الطرقات مسدودة أمامي وأمام عائلتي، فقد خسرت عملي في إحدى المنظمات بعد نزوحي واضطررت إلى دفع مبالغ كبيرة بدل إيجار منزل في مدينة إدلب. وفي النهاية لم أجد حلاً سوى شراء قطعة أرض في بلدة قاح القريبة من الحدود السورية التركية وتشييد منزل فيها لي ولعائلتي، علماً أنّ والدَيّ يقيمان معي كذلك”. يضيف: “اليوم أقيم في منزلي الذي بدأت ببنائه قبل ثلاثة أشهر بعدما استدنت بعض المال، كوني لم أكن أملك الإمكانيات الكافية”. وعن العودة إلى الهبيط، يقول جلول إنّ “السبب الذي دفعني إلى الاستقرار هنا هو إدراكي أنّ العودة ليست قريبة. من المستحيل أن أعود وقوات نظام الأسد فيها. لذلك، أظنّ أنّ ما قمت به هو الخيار الأنسب بالنسبة إليّ وإلى عائلتي”.

وبناء المنازل في المناطق الحدودية لا يقتصر فقط على النازحين، فتلك المناطق صارت مقصداً للمقاولين إذ إنّ الظروف اليوم مؤاتية لتأمين الربح. والمناطق الحدودية تحوّلت إلى محطّ أنظار للجميع، نتيجة الأمان النسبي فيها وكونها قريبة من معبر باب الهوى الحدودي بين سورية وتركيا والذي يسهّل عملية إدخال مواد البناء المستوردة من الجارة تركيا. يقول علاء إبراهيم في هذا الإطار، وهو النازح من ريف إدلب الجنوبي إلى بلدة قاح التابعة لناحية الدانا في ريف إدلب الشمالي، إنّ “المنطقة تشهد حركة بناء نشطة وثمّة مجموعات خاصة تعرض على مواقع التواصل الاجتماعي منازل ومساكن من ضمن مشاريع سكنية شُيّدت في البلدات المتاخمة للشريط الحدودي بين البلدَين”.

يوضح إبراهيم الذي اشترى بدوره قطعة أرض وشيّد فيها منزلاً له، أنّ “ملكية تلك الأراضي التي تُباع للنازحين تعود إلى الدولة، وهي أراض وعرة جداً ومن الصعب عادة السكن فيها. لكنّ الظروف أرغمت كثيرين على التوجّه إليها وبناء منازل لهم هناك. كذلك، يستفيد المقاولون والعاملون في تجارة العقارات من الظروف لبيع مساكن جاهزة لمن يحتاجها بمبالغ مرتفعة، الأمر الذي يبدو استغلالاً واضحاً”. ويشير إبراهيم إلى أنّ ثمّة “عائلات في حاجة إلى مأوى أجبرتها ظروفها على الإقامة في العراء على الأرض التي اشترتها إلى حين الانتهاء من بناء منازلها. وهذا الأمر ينطبق على جيران لي هنا. الأمر صعب حقيقة، غير أنّهم لا يملكون خيارات أخرى”.

وفي بلدة أطمة التابعة لناحية الدانا كذلك، يخبر عيسى خليل في حديث معه أنّه وجد أرضاً مناسبة لبناء منزل له ولعائلته، مضيفاً: “قرّرت ترك مخيّم أطمة للنازحين والسكن في منزل أملكه. وقد اشتريت أرضاً بمساحة 400 متر مربّع وبدأت البناء فيها، على أن يُشيّد كذلك منزل لأمّي وأخي الصغير بالقرب منّ منزلنا”. ويؤكد أنّ “البقاء في المخيّم لم يعد مناسباً، كذلك من غير المنطقي أن نبقى مترقّبين عودتنا إلى بلدتنا كفرنبودة في ريف حماة الشمالي. لذا، بحثنا عن الاستقرار”. لكنّ خليل يشكو من “نقص الخدمات، خصوصاً أنّ المنطقة حيث أشيدّ منزلنا وعرة وتفتقر إلى البنى التحتية اللازمة. وأبرز ما نحتاجه هو المياه، إذ إنّه من غير الممكن حفر آبار بحسب ما أفادنا مختصّون لأنّ المياه الجوفية لا تتوفّر إلا على عمق كبير، بالإضافة إلى أنّ عمليات الحفر مكلفة جداً. بالتالي، نعمد حالياً إلى شراء المياه عبر صهاريج”. وعن السبب الذي دفع خليل إلى اتخاذ قرار بناء منزل على الرغم من توفّر آخر مؤقت في مخيّم أطمة، يقول إنّ “المخيّم صار مكتظاً بطريقة لا تُحتمل. وهذا أمر طبيعي، فالنازحون قصدوه من كل مدن وبلدات ريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي. كذلك، فإنّ المسكن في المخيّم لن يكون أبداً بديلاً عن منزل لنا، فضلاً عن أنّ الأطفال يترعرعون وفي ذهنهم أنّهم يكبرون في المخيّم… وهذا أمر مزعج”.

من جهته، يؤكّد يونس حسيان في حديث صحفي أنّ “الاستقرار هو المقصد الأول والأخير لمن يُقدِم على بناء منزل في المناطق الحدودية بين سورية وتركيا. وأنا كنت من الأوائل، فشيّدت منزلاً لي في بلدة بابسقا بالقرب من معبر باب الهوى في عام 2015، بعد تجربة نزوح صعبة من ريف إدلب الجنوبي”. يضيف أنّ “وجود المنزل في هذه المنطقة تحديداً سهل عليّ، فأستطيع التنقّل بشكل أسرع في المنطقة وهو أمر يتطلبه عملي في التجارة”.