الضربة التي لن تكسر ظهرك ستقويه يا قدس

الضربة التي لن تكسر ظهرك ستقويه يا قدس

طه محمد اغبارية
آه يا قدس كم ستتذوقين ألم الضربات على ظهرك ولكن كل هذه الضربات رغم ألمها لن تكسر ظهرك وستقويه، أتدرين لماذا يا قدس، لأنك تاج الشام والمسجد الأقصى درة هذا التاج، ولأن الشام هو أرض رباط إلى يوم القيامة فأنت تاج هذا الرباط إلى يوم القيامة، ولأن رجال الشام ونساءه وإماءه مرابطون إلى يوم القيامة، فإن رجالك ونساءك وإماءك هم زبدة المرابطين والمرابطات فيهم، وحول كل ذلك قال معاذ بن جبل رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا معاذ إن الله عز وجل سيفتح عليكم بلاد الشام من بعدي، من العريش إلى الفرات، رجالهم ونساؤهم وإماؤهم مرابطون إلى يوم القيامة، فمن اختار منكم ساحلا من سواحل الشام أو بيت المقدس فهو في جهاد إلى يوم القيامة)، فيا لهذا الحديث النبوي الشريف الذي تلقته الأمة الإسلامية بالاطمئنان والقبول ما أعظمه وما أعظم دلالته، وكم تحتاج كل هذه الدلالات إلى صحائف حتى نكتب عنها وعن متانة ارتباطها بالقدس والمسجد الأقصى المباركين ولكنني أقول بإيجاز ما يلي:
يؤكد هذا الحديث الشريف أن الشام التي تمتد جغرافيتها الإسلامية من العريش الى الفرات سيبقى رجالها ونساؤها وإيماؤها مرابطين الى يوم القيامة، ولأن القدس المباركة هي تاج الشام فهذا يؤكد صراحة أن رجال القدس ونساءها سيظلون مرابطين ومرابطات إلى يوم القيامة فيا لها من كرامة لهم إلى يوم القيامة، ويا لها من كرامة للقدس والمسجد الأقصى المباركين أن يظلا ثغرة الرباط الاولى في الشام.
قد يقول قائل، إذا كانت القدس والمسجد الأقصى المباركين تاج الشام فلماذا ذكرهما الحديث الشريف صراحة بعد ذكر الشام صراحة وذلك في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فمن اختار منكم ساحلا من سواحل الشام أو بيت المقدس)؟! وجوابا على ذلك نقول: إن ذكر بيت المقدس أي القدس والمسجد الأقصى صراحة بعد ذكر الشام صراحة، جاء من باب ذكر الخاص بعد العام للدلالة على أهمية هذا الخاص فكأن هذا الحديث الشريف قال لنا إن الشام هو أرض رباط هامة، والأهم فيها هو الرباط في القدس والمسجد الأقصى المباركين، فهو حثّ على الرباط في الشام بعامة، وهو حث على الرباط في القدس والمسجد الأقصى المباركين بخاصة.
والرباط ليس نزهة مسلية ولا رحلة ممتعة، ولا رفاهية ودلال، بل هو صبر ومصابرة وثبات، فهذا يقول إن أرض الشام بعامة وأرض القدس والمسجد الأقصى المباركين بخاصة، هي أرض بلاء، وأرض بأساء وضراء وزلزلة، ومع ذلك سيبقى الرجال والنساء والإماء فيها مرابطين ومرابطات لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم، ولا يضرهم ما أصابهم من لأواء قد تكون حصارا وقد تكون تجويعا وقد تكون مطاردة أو اعتقالا أو سجنا وقد تكون إراقة دماء وبذل أرواح، ومع ذلك سيبقى رباط المرابطين والمرابطات ماض إلى يوم القيامة، وفي ذلك البشرى للقدس والمسجد الأقصى المباركين أن ظهرهما لن ينكسر في يوم من الايام مهما وقع عليه من ضربات مؤلمة يظنها الجاهل هي النهاية لهما.
لكل ذلك فإنه يوجد طعم خاص للرباط في الشام، وإن للرباط في القدس والمسجد الأقصى المباركين طعما أخص، وقد نوّهت الى ذلك كثير من الأحاديث النبوي الشريفة!! فقد ورى ثلاثة وعشرون صحابيا بطرق شتى حديث رسول الله صلى الله عليه (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله عز وجل وهم كذلك) قالوا: أين هم يا رسول الله قال: (في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس)!! وإلى جانب ذلك نجد خلاصة ما سيصيب هؤلاء المرابطين والمرابطات في القدس والمسجد الأقصى المباركين قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يضرهم من خالفهم الا ما أصابهم من اللأْواء) وقوله عنهم (وهم كالإناء بين الاكلة)، ومع ضراوة ما سيتعرضون له من كيد الليل والنهار ومن مؤامرات القريب والبعيد، إلا أنهم سيظهرون برباطهم الأعزل المجرد من أية قوة مادية على من عاداهم، وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم: (ظاهرين على من ناوأهم)!! فيا بشراك يا قدس فيهم ويا بشراك أيها المسجد الأقصى فيهم!!
وتأكيدا لقيمة هذا الرباط الخاص وطعمه الخاص في القدس والمسجد الأقصى المباركين، قال أبو ذر الغفاري رضي الله عنه: تذاكرنا ونحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أيهما أفضل؟ مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أم بيت المقدس؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صلاة في مسجدي أفضل من أربع صلوات فيه، ولنعم المصلى هو، وليوشكن لأن يكون للرجل مثل سية قوسه من الأرض-أي ما عطف من طرفي القوس- حيث يرى بيت المقدس خيرا له من الدنيا وما فيها) فأي عظمة بعد هذه العظمة، عندما يؤكد لنا هذا الحديث الشريف أنه سيأتي زمان على الأحرار والحرائر يتمنى فيه أحدهم أن يقف على شبر أرض فقط بشرط أن يتمكن من رؤية بيت المقدس، فإذا كانت هذه فرحة الرائي فقط، فكيف ستكون فرحة المرابطين والمرابطات في القدس والمسجد الأقصى المباركين، إنها فرحة لن يعبر عنها قلم، كيف لا وهذا الحديث الشريف يبشرنا أن أجر المرابط يومها سيكون في القدس والمسجد الأقصى المباركين (خيرا له من الدنيا وما فيها )!!
لذلك لا عجب أن يقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه: (يأتي على الناس زمان يقول أحدهم: يا ليتني كنت لبنة في بيت المقدس).
ولا عجب أن نسمع هذه الوصية العظيمة من رسول الله صلى عليه وسلم للصحابي ذي الاصابع رضي الله عنه عندما قال له هذا الصحابي يا رسول الله، إن ابتلينا بعدك بالبقاء أين تامرنا؟ قال صلى الله عليه وسلم (عليك ببيت المقدس، فلعله أن ينشأ لك ذرية يغدون الى ذلك المسجد ويروحون) -الحديث حسن – ففي هذه الوصية النبوية العظيمة دعوة صريحة للرباط الدائم في القدس والمسجد الأقصى المباركين إلى يوم القيامة، وفيها بشرى مليحة صريحة فصيحة تؤكد انتصار القدس والمسجد الأقصى المباركين على كل محتل، وبقاءهما أرض رباط أبدية.