أخبار وتقاريردين ودنياومضات

رمضان كريم

د. نواعم شبلي جبارين

يطلُّ علينا شهرُ رمضان كلَّ عامٍ كنسمةٍ ربانيةٍ تهبُّ على الأرواح فتوقظها من غفلتها، وتغسل عنها غبار الأيام، وتعيد ترتيب الأولويات في حياة الإنسان. ليس رمضان مجرّد امتناعٍ عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة إيمانية متكاملة، تُربّي النفس، وتهذّب السلوك، وتُعمّق معاني التقوى والمراقبة.

قال الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183).

فالغاية العظمى من الصيام هي بلوغ مرتبة التقوى؛ تلك الرقابة الداخلية التي تجعل الإنسان يحاسب نفسه قبل أن يُحاسَب، ويزن أقواله وأفعاله بميزان الحق.

ارتبط رمضان بالقرآن ارتباطًا وثيقًا، إذ يقول سبحانه:

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: 185).

فهو شهر الهداية، وشهر النور الذي يبدّد ظلمات النفس والواقع. ما أحوجنا في زمن التشتّت والضجيج إلى أن نعود إلى القرآن قراءةً وتدبّرًا وعملًا، لا أن يكون تلاوةً عابرة بلا أثر في السلوك.

إن أعظم عبرةٍ في رمضان أن نتعلّم كيف نجعل القرآن منهج حياة، لا موسمًا عابرًا.

قال رسول الله ﷺ: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (رواه البخاري).

وفي الحديث الشريف: «الصيام جُنّة» (متفق عليه).

فالصيام ليس جوعًا وعطشًا، بل انضباطٌ أخلاقي، وكفٌّ للأذى، وسموٌّ في التعامل.

قال ﷺ: «إذا جاء رمضان فُتّحت أبواب الجنة، وغُلّقت أبواب النار، وصُفّدت الشياطين» (متفق عليه).

إنها دعوة صادقة لمراجعة النفس، وتصحيح المسار، وردّ المظالم، وصلة الأرحام.

كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان (متفق عليه).

رمضان فرصةٌ لنُخرج من قلوبنا الأنانية، ونزرع مكانها الرحمة.

قال الله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ (القدر: 3).

رمضان ليس أيامًا تُعدّ وتنقضي، بل محطة إيمانية تُعيد صياغة الإنسان. فطوبى لمن خرج منه بقلبٍ أنقى، ونفسٍ أزكى، وعزمٍ جديد على طريق الاستقامة. وكلّ عام وأنتم إلى الله أقرب، وعلى الخير أدوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى