الممنوع من الصرف ونون النسوة.. قراءة تربوية (3)

د. عبد الله إدريس – عضو حركة الدعوة والإصلاح
الكل يعلم أن علامات الإعراب في اللغة العربية أربع: الفتح والضم والكسروالسكون، فيمكن أن تقول: “إلى الرجالِ” أو “في المساجدِ”، لكن العجيب في اللغة العربية أن أسماء النساء لا تُكسر أبدًا إلا في أحوال نادرة، فلا يصح أن تقول “تحدثتُ معَ فاطمةِ” وإنما “فاطمةَ”، فلا تُكسر المرأة أبدًا. وهذا ما عُرف في اللغة باسم الممنوع من الصرف، وأسماء النساء ممنوعة من الصرف، فلا تنوَّنُ ولا تُكسرُ في الجر، وإنما تُجَرُّ بالفتح ما لم تكن مضافًا.
إن كان هذا يشير إلى شيء، فإنما يشير إلى درس تربوي مفاده الحذر من كسر قلب المرأة، سواء زوجتك أو ابنتك أو أمك أو أختك، وكيف يقبل الرجُلُ أن يكسر قلب أمٍّ برُّها سبيل الجنان، وزوجةٍ تحصنه من الفواحش والحرام، وابنةٍ تربيتُها تحجبه عن النيران؟
إن الله تعالى لم يرضَ الحزنَ للنساء في القرآن الكريم، فهو الذي قال لأم موسى: “ولا تخافي ولا تحزني” {القصص، آية 7}، ولما رد لها ولدها قال: “كي تقرَّ عينُها ولا تحزنَ” {القصص، آية 13}، وفي شأن مريم عليها السلام قال تعالى: “فناداها من تحتها ألا تحزني” {مريم، آية 24}، وقال لنساء النبي صلى الله عليه وسلم: “ذلك أدنى أن تقرَّ أعينهنَّ ولا يحزنَّ ويرضينَ بما آتيتَهُنَّ كلُّهُنَّ” {الأحزاب، آية 51}. فحزنُ المرأة عميق يفقدها حيويتها وجمالها، ويزيدها وهنًا وضعفًا، فرفقًا بالقوارير.
وعليه، فمن العجبِ أن تكونَ كلمةُ الطلاقِ سلاحًا يُقذَفُ في وجهها عند كل مشكلة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: “وكسرها طلاقها” {رواه مسلم}، ومن العجب أن تهمل زوجتك التي تركت بيت أهلها لأجلك، وأن تجرح أمك بكلمة لا تلقي لها بالًا، وأن تهمل ابنتك ولا تسمع لها، فتترك للغريب أن يرعى ما تهملُهُ. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: “من كانت له ابنة فلم يهنها ولم يئدها ولم يؤثر ولده عليها أدخله الله بها الجنة” {صححه الحاكم ووافقه الذهبي}.
ومن عجائب هذه اللغة المباركة ضمير من ضمائر الرفع يُدعى “نون النسوة”، فإن الأفعال الماضية والمضارعة في اللغة تتنقل بين الفتح والضم، فيُبنى الماضي على الفتح أصلًا، وعلى الضم أحيانًا؛ حتى تدخل نون النسوة عليه فتجعله مبنيًّا على “السكون”؛ وكذلك حال الفعل المضارع، فإنه مرفوع ومنصوب ومجزوم، حتى إذا دخلت عليه “نون النسوة” بُنِيَ على السكون، فسبحان من جعل نون النسوة تسكن الأفعال.
هكذا هنَّ النساءُ في الدنيا، جعلهن الله سكونًا وسكنًا للرجال، قال تعالى: “ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها” {الروم، آية 21}، وقال تعالى: “هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا” {الأعراف، آية 189}، فجعلها سكنًا، أي راحة وطمأنينة للرجال.
والسؤال هنا: لماذا جُعِلتِ المرأةُ سكنًا للرجالِ وليس العكس؟ والجواب أن السكن فيه عدة غرف، بين غرفة للضيوف وغرفة للأولاد وغرفة للمطبخ وغرفة للزوجين، وهكذا هنَّ النساء سكن يشمل غرفًا متعددة، ففي قلبها غرفةٌ لتربية الأولاد، وغرفة لرعاية البيت، وغرفة للتغذية والصحة، وغرفة للراحة، وغرفة للحنان والحب، وغرفة للعلاقة الحميمة، وغرفة لتعليم الأولاد وتربيتهم، وغرفة للحوار والحديث، وغرفة للزينة والإدارة، فهي سكن واطمئنان؛ ولكنَّ المشكلة أن بعض النسويات يعملنَ على إخراج النساء من هذه الغرف كلها إلى غرف مظلمة واهية، حتى أصبح كثير من المتمردات على أزواجهن يصبرن على أذى المدير، ولا يصبرن على أذى الأزواج، ويتلاطفن مع الزملاء ويزأرن مع الأزواج تحت مسمّيات وحجج واهية باطلة.
فأرادوا حرف بوصلة المرأة عن أولوياتها وإشغالها جل وقتها بمئات آلاف تُصرف على عمليات التجميل والنفخ على حساب تجميل بيتها. فليتنبه الرجال للسكن، ولتحذر المرأة من الغرف المظلمة. وصدق من قال:
ولو أن النساء كمن عرفنا – لُفُضِّلتِ النساءُ على الرجالِ
فما التأنيثُ لاسم الشمسِ عيبٌ – ولا التذكير فخرٌ للهلالِ


