عبد الجبار جرار محروم من الفرحة بقرار من الاحتلال

عبد الجبار جرار محروم من الفرحة بقرار من الاحتلال

لم تكن الاعتقالات البالغ عددها 29 اعتقالاً من قبل الاحتلال الإسرائيلي صعبة بمقدار عملية الاعتقال الأخيرة التي استهدفت الفلسطيني عبد الجبار جرار، من مدينة جنين شمالي الضفة الغربية المحتلة، في الثامن من يوليو/ تموز الجاري. هذا ما تؤكده زوجته وفاء جرار قائلة إنّ “كل الاعتقالات في كفّة، وهذا الاعتقال في كفّة أخرى”. تضيف في حديث صحفي: “لقد حرم الاحتلال زوجي من الفرحة بابننا البكر حذيفة قبل أيام قليلة من موعد زفافه”.

عبد الجبار كان ينهي التحضيرات لحفل زفاف ابنه يوم السبت المقبل في 13 يوليو/ تموز الجاري، وهي “الفرحة الأولى في منزلنا” بحسب ما تشير إليه وفاء، غير أنّه محتجز اليوم، هو الذي سرقت السجون الإسرائيلية من عمره نحو 13 عاماً، قضاها في فترات مختلفة ما بين مراكز التحقيق والتوقيف والاعتقال. وتوضح وفاء أنّ “عبد الجبار لم يشهد ولادة جميع أبنائه وبناته الذين صاروا اليوم في ريعان شبابهم، نظراً إلى وجوده في السجن. وهؤلاء أنهوا تعليمهم في المدارس وتخرّجوا في الجامعات، في حين كان هو في السجن كذلك”. تضيف: “كانت فرحتنا كبيرة بعقد قران حذيفة وإتمام حفل زفافه ووالده بيننا، لكنّ الاحتلال كعادته ينغّص علينا حياتنا ويسرق البسمة والفرحة”. ولا تتردد وفاء في القول: “تعبت بعد كل هذه الأعوام الطويلة من مقارعة الاحتلال، في حين أنّه يواصل التنغيص على أسرتي واعتقال عمود البيت”، مشيرة إلى أنّ ابنها أمجد تعرّض كذلك للاعتقال أشهرا عدّة وقد أطلق سراحه أخيراً.

ويُعَد عبد الجبار جرار من رموز حركة “حماس” في الضفة الغربية، وهو كان متحدثاً باسمها وممثلاً لها في لجنة التنسيق الفصائلي على مدى أعوام، وقد عُرف عنه أنّه دمث الأخلاق وقادر على مواجهة الصعاب على الرغم ممّا كان يتعرّض له من ملاحقات واعتقالات من قبل الاحتلال الإسرائيلي وكذلك من قبل الأجهزة الأمنية الفلسطينية التي اعتقلته مرّات عدّة ليقضي شهوراً في سجونها. وتصفه رفيقة دربه قائلة: “أبو حذيفة رجل صلب وقادر على تحدّي الظروف القاسية التي مرّت عليه والتي تسببت له في أمراض جسدية كثيرة أسوة بغيره من أبناء الشعب الفلسطيني. لكنّه كالرجال الآخرين يريد أن يفرح بأبنائه، وهذا حقّه المشروع، لذا فقد كان يصل الليل بالنهار وهو يتابع تفاصيل حفل الزفاف. كان يبدأ يومه فجراً وينهيه عند منتصف الليل. هو حجز قاعة الفرح وطبع الدعوات وكان يعمل على توزيعها بنفسه مثلما كان يعمل على تجهيز الضيافة وتنظيم السفر. فالعريس يعيش في تركيا، وثمّة حفل وداع للعروس في جنين، إذ إنّها سوف تنتقل للاستقرار معه”.

وتصرّ وفاء على أنّ العائلة سوف تفرح رغماً عن الاحتلال، موضحة أنّ “الموقف الذي أجمعنا عليه كلنا هو أنّنا لن نسمح للاحتلال بأن يتلاعب بنا ويؤثّر على مجريات حياتنا. لذا، فإنّ الحفل سوف ينظّم في زمانه ومكانه تماماً كما خطط له زوجي قبل اعتقاله”. وتدعو وفاء الجميع للوقوف معهم ومشاركتهم فرحتهم، مؤكدة: “سوف نوجّه رسالة للاحتلال مفادها أنّنا شعب يحبّ الحياة ما استطاع إليها سبيلاً، وأنّ كل محاولاته لحرمان الفلسطيني من فرحته سوف تبوء بالفشل”.

من جهته، يخبر العريس حذيفة الذي يكمل دراسته ويعمل في تركيا، بأنّ التواصل الأخير مع أبيه كان قبل ساعتَين فقط من اعتقاله، وأنّهما كانا يتحدثان في بعض التفاصيل المتعلقة بإتمام سفر العروس مع حماتها (والدته)، لا سيّما أنّ زوجته المستقبلية هي ابنة عمّه وابنة خالته في الوقت نفسه. ويقول في حديث معه: “لم يترك والدي شيئاً للصدفة، فقد سجّل كل متطلبات الزفاف عليّ وكان يناقشها معي نقطة بنقطة. كان مهتماً بالمناسبة إلى أبعد الحدود، فهي فرحته بل فرحة العائلة الأولى”. تجدر الإشارة إلى أنّ حذيفة كَبُر ووالده بعيد عنه خلف قضبان السجون، كذلك لم يره وجهاً لوجه منذ أن سافر إلى تركيا قبل أعوام عدّة. لا يخفي أنّه في حيرة من أمره بعد الاعتقال الأخير، غير أنّه سوف ينفّذ وصيّة أبيه التي أبلغها لأمّه فيما كان جنود الاحتلال يقتادونه، ويستكمل إجراءات الزفاف. لكنّه يؤكّد: “الفرحة منقوصة في غياب أبي”.

وكان عبد الجبار جرار قد ولد في عام 1966 في قرية الجديدة جنوبي جنين، في عائلة ملتزمة. أنهى تعليمه الابتدائي والإعدادي في القرية، وانتمى إلى حركة المقاومة الإسلامية منذ نعومة أظفاره. وقبيل الانتفاضة الأولى في عام 1987 انخرط في العمل الوطني، وانقطع أسوة بغيره عن تعليمه الجامعي بعدما أغلق الاحتلال حينها الجامعات والمدارس، فتوجّه إلى العمل الحرّ، لكنّه عاد ليكمل دراسته ويتخرّج بتفوّق قبل أن يلتحق بسلك التعليم في جنين. وفي شباط 1990، تزوّج عبد الجبار من وفاء، وما كاد يؤسس لعائلته حتى اعتقله الاحتلال. هكذا بدأت حكايته مع الاعتقالات التي تراوحت ما بين أيام في مراكز التوقيف وأسابيع في زنازين التحقيق وسنوات في الاعتقال الإداري.

ومع انطلاق انتفاضة الأقصى، الانتفاضة الثانية، في عام 2000، وبعد انتهاء معركة مخيّم جنين، اعتقل عبد الجبار لعشرين شهراً. ولم تتوقّف المعاناة، إذ إنّ قوة إسرائيلية خاصة اختطفته في عام 2005 واعتقل من جديد. ومنذ ذلك الحين، لا يمرّ عام إلا ويتعرّض للاعتقال لدى الاحتلال. تجدر الإشارة إلى أنّه بعد الانقسام الفلسطيني في عام 2007، بدأ فصل جديد من المعاناة، وهذه المرّة في سجون السلطة الفلسطينية حيث اعتقل ما مجموعه 17 شهراً كاملاً في فترات مختلفة.