بين رعي الجِمال ورعي الخنازير سيناريوهات واشنطن- تل أبيب والمشاهد المتكررة

حامد اغبارية
إن مشكلتنا، نحن العرب والمسلمين في العموم، ليست فقط مع الغباء الأميركي، الذي يكرر في كل مرة ذات السيناريو، إلى درجة أنه يكاد يكون نسخة طبق الأصل، مع تغيير بعض التفصيلات، وربما مع تغيير الرئيس والإدارة الأميركية، إن مشكلتنا أننا نجد في الأمة من يصدق أكاذيب واشنطن وأضاليلها، حتى بتنا وكأن ذاكرتنا أضعف من ذاكرة السمك، وأن أمخاخنا أصغر من مخ الجرادة.
وحتى نفهم المقصود لا بد من البيان والتوضيح، لأننا- فيما يظهر لنا في كل مرة- نحتاج إلى أطنان من “قنابل الصوت” التي تنعش الذاكرة، وتنبش خلايا الدماغ، وتوقف الغطيط العميق الذي نحن فيه غارقون.
وحديثنا هو عن محور واشنطن- طهران، والتصعيد الأخير الذي بدأت بوادره تتصاعد وتنمو في فضاء المنطقة، وخاصة عقب حادث ميناء الفجيرة في الإمارات.
كان الوقت ساعات ما قبيل الفجر (وقت السحور) عندما تنبهت إلى وسائل الإعلام تنقل التفصيلات والتعقيبات والتحليلات بالبث المباشر. ودون مقدمات قلت معلقا: الآن لن تمضي ساعات حتى يصدر من واشنطن قرار (استخباراتي موثّق ومؤكّد!!) يتهم طهران بالوقوف وراء تفجير ناقلات النفط السعودية، لأن واشنطن تريد مبررا لزيادة الضغط على طهران، حتى تستسلم للشروط الأميركية- الإسرائيلية فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني، وربما تكون المسألة أكبر من مجرد ممارسة ضغط.
في الحقيقة، لو سألتَني إذا ما كنتُ أتوقع حربا أميركية- إيرانية، سأقول لك: لا أعرف، ولستُ متأكدا من هذا، لكنني متأكد أن واشنطن على استعداد أن تعيش كل التناقضات التي يمكن أن يعرفها الناس أو تخطر في بالهم، ويمكن أن تمارس كل القبائح تحت شعار الفضيلة، ويمكن أن ترتكب كل الحماقات تحت شعارات براقة مثل نشر الديمقراطية وتحرير الشعوب، ومحاربة الإرهاب، وما شابه ذلك. هي فقط تحتاج إلى مبرر إعلامي وإلى كذبة كبيرة يحشد حولها الرأي العام، ويوجه السخط والغضب نحو العنوان الخطأ، الذي يتحول فجأة إلى مجرم لا بد للبشرية أن تتخلص من شروره قبل أن يلحقها الأذى منه!! حتى دون أن يلتفت أحد إلى حقيقة أن هذا “المجرم” هو في الحقيقة “ضحية”، أو أنه تخرج من كلية الإجرام الأميركية.
من هو العدو الحقيقي؟
في هذه اللويحظة سيقول لك متنطع: ماذا؟ هل تدافع عن إيران الشيعية التي تحتل دمشق وبغداد وصنعاء ولبنان؟ هل تقف إلى جانب الطرف الذي يذبح أهل السنة، والذي وقف إلى جانب بشار الأسد الذي فعل الفعائل في سوريا؟ هذا الكلام وهذا الأسلوب السطحي في التعامل مع قضايا الأمة الكبرى، وحتى مع أصغر قضية تخطر في بالك، وبهذا المستوى من السذاجة وضحالة التفكير، والحديث من البطن ليس له أي اعتبار، ولا يجب أن يكون له أي اعتبار حين يكون الحديث عن مصير الأمة، عن مصيرنا نحن جميعا.
أنا لا أدافع عن إيران الشيعية، التي تحتل تلك العواصم، وتسعى إلى فرض مشروعها العقائدي على كل الأمة، وتريد أن تمسح من الوجود كل شيء له أثر من أهل السنّة. أعرف هذا وأستوعبه، أنا أدافع عن أنفسنا ألا تصيبنا دائرة ونحن يُمسك بعضنا بتلابيب بعض، ويسفك بعضنا دماء بعض، وقد أُنسِينا أن العدوَّ الأول للأمة ليست إيران، وإنما المشروع الصهيوني وأميركا والغرب الصليبي. وفي التالي فإن رعي الجمال خيرٌ من رعي الخنازير. هذا ما يجب ألا ينساه أي مسلم، وأي عربي وأي فلسطيني. ولماذا يجب أن نرعى جمالا أصلا، ونحن يمكننا ونملك المؤهلات أن أن نكون أصحابها وأهلها؟
يجب علينا أن نفهم اللحظة والحدث والمرحلة، وليس أمامنا خيارات كثيرة، ولا عندنا من الوقت والرفاهية ما يجعلنا نستغرق في التفكير الطويل قبل اتخاذ الموقف الصحيح. في هذا الملف، ودون أي تردد، نحن يجب أن نكون في مواجهة أمريكا والمشروع الصهيوني والغرب الصليبي. نقطة.
نعم، هناك “مصالح مشتركة” أو قل تقاطع مصالح بين طهران وبين واشنطن، وهذه المصالح، فيما يبدو في الظاهر تلتقي في مواقف معينة حتى مع مصالح تل أبيب، ولكن اختلاط الأوراق والضبابية وعدم وضوح المشهد، وتداخل الأمور بعضها ببعض، وكل تلك التناقضات التي نشاهدها إلى درجة الحيرة وعدم القدرة على الفهم والاستيعاب، لا يجب أن تجعلنا نضيّع البوصلة. بوصلتنا القدس والأقصى- قضية الأمة الأولى. فقد نجحت الصهيونية والصليبية خلال العقدين الأخيرين في إقناع العرب والمسلمين أن إيران الشيعية هي ، وفقط هي، التي تشكل الخطر الحقيقي على أمة الإسلام، وأن الإسرائيليين، في الحقيقة، جماعة أوادم وأولاد ناس، وأولاد عم، وأن الدم ما بصير ميّ، وأنهم في نهاية الأمر مجموعة مساكين مسالمين يريدون العيش بسلام مع العرب والمسلمين، وأن كل ما حدث حتى الآن هو خطأ استراتيجي ارتكبه العرب في عدائهم للدولة العبرية وللمشروع الصهيوني الشقيق!! وأن الفُرس الكفرة هم العدو فاحذرهم!
من هو المستهدَف الحقيقي؟
نعم، نعرف تفصيلات المجازر التي ارتكبتها إيران ومليشياتها الشيعية في سوريا وفي لبنان وفي العراق وفي اليمن… نعرف هذا، ولا نسكت عليه، لكننا أيضا نعرف تفصيلات الجرائم التي ارتكبتها- وما تزال- السعودية السنية (ومعها الإمارات ومثيلاتها) في سوريا أيضا وفي اليمن كذلك وفي ليبيا وفي مصر. ونحن لن نضع هذه مقابل تلك. فالمستهدف من أميركا والمشروع الصهيوني والغرب الصليبي ليس إيران التي هي بلاد فارس، وإنما أمة الإسلام كلها، من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها، بسنّتها وشيعتها. وإذا كان الهدف في هذه المرحلة إيران، فقد سبق واستهدف العراق السنّي بقيادته عام 2003، وأطيح به وسُوّيت به الأرض، ومُرغت أنوفنا في الأرض، وبدلا من أن يجد العراق في أمة العرب والمسلمين من يتصدى للجريمة الأميركية الصهيونية الصليبية، وجد الأشقاء يتآمرون عليه لإسقاطه تحت البُسطار الأميركي، وفي قبضة الشمعدان الصهيوني، ومن تلك اللحظة بدأت الأمة تتهاوى كأحجار الدومينو، وتسقط في أحضان واشنطن وتل أبيب تباعا. فكان أن العرب كلهم يرعون الآن خنازير أميركا، لأنهم رفضوا أن يرعوا إبل العراق.
وها هو المشهد يتكرر مع إيران، كمرحلة أخرى وحلقة جديدة في سلسلة الاستهداف، التي بتُّ أنا شخصيا على يقين أنها لن تتوقف إلا على أبواب مكّة المكرّمة وعلى أبواب مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم. “وستذكرون ما أقول لكم”…
وعودة إلى التصعيد الأميركي الصهيوني- الصليبي ضد إيران في الأيام الأخيرة، والذي جاء حادث الفجيرة ليضع مؤشرا جديدا على أن الغباء الأميركي يمارس اللعبة ذاتها بنفس التفاصيل تقريبا، مع بعض الرتوش الجديدة. أولا، يجب تحديد الهدف الاستراتيجي؛ وهو في هذه الحالة إسقاط نظام ملالي إيران، وربما احتلالها جغرافيا في حملة عسكرية، (إذ لا أحد يدري كيف تتدحرج الأمور وإلى أين تنتهي)، لكنني أدري (وأنت يجب أن تدري) أنه يجلس في تل أبيب من يحرك الراكد، ويؤز النار تحت كل رماد. كن على يقين من هذا، ونصيحتي لك ألا تنساه!
وبعد تحديد الهدف تبدأ مرحلة البحث عن أسباب ومبررات “مقنعة” للعالم لتأديب إيران وتقليم أظافرها. ثم تبدأ الحملات الإعلامية لتشويه السمعة وتناقل أخبار كاذبة وأضاليل تضيع معها الحقيقة وسط كم هائل من الأحداث المصطنعة، فلا تجد من يهتم بها ولا من يتوقف عندها، ولا من يفضح حقيقتها للرأي العام العالمي، وفي ذلك الحين تكون الإدارة الأمريكية قد شكلت الطواقم الخاصة التي ستعمل على تأليب الرأي العام ضد إيران بصورة يصبح معها من الضروري والواجب والمشروع التخلص منها وإسقاطها واحتلالها وتأديبها، دون أن يُسمح لأحد بأن يسأل أسئلة إضافية ولا أن يشكك، ولا حتى يفترض افتراضات مخالفة لفرض الأمر الواقع الأميركي الصهيوني الصليبي.
سيناريو العراق- النسخة الجديدة
هكذا بالضبط فعلوا مع العراق قبل غزوه عام 2003. وحتى أُقرّب الصورة إلى فهم القارئ الذي أثق بوعيه وفهمه وإدراكه أنه لا عدو للأمة في هذه المرحلة سوى المشروع الصهيوني المدعوم من أميركا والغرب الصليبي، أستذكر معه ما حدث قبيل إسقاط نظام الرئيس العراقي صدام حسين، رحمه الله تعالى، ومن ثم سقوط عاصمة الرشيد بين براثن الاستخراب الغربي، يحرسها لهم حفنة من العبيد الخونة، من العراقيين الذي باعوا بلدهم للكافر، وسلموا أعناقهم لأعداء الأمة، بسبب أحقاد مذهبية غذَّتها وتغذيها جهات ما تزال تسعى إلى تفتيت أمة الإسلام وإضعافها بمختلف الوسائل وشتى المؤامرات كيما يتسنّى السيطرة عليها ويسهل قيادها.
بداية أنا متأكد من أن حادث الفجيرة، من تدبير أجهزة المجرم طرامب وبمساعدة من أجهزة إقليمية!! ورغم أن طهران استماتت في نفي علاقتها في الحادث، إلى درجه تثير الشبهة حولها، فإن إيران هي آخر دولة يمكن أن تكون لها مصلحة في حادث غبي كهذا، وإن أكثر جهات لها مصلحة في هذا هي بالذات واشنطن وتل أبيب والرياض وأبو ظبي.
كانت أميركا والغرب الصليبي، وفي مقدمته بريطانيا قد وضعوا نصب أعينهم وجوب إسقاط نظام صدام حسين في العراق، لأن استمرار وجوده يشكل خطرا على الحلفاء في المنطقة، ويهدد استقرار المؤسسة الإسرائيلية، ويهدد المصالح الأميركية في المنطقة، وهو يشكل عقبة وحيدة (في تلك الأيام) في وجه أميركا والأطماع الغربية، سواء كانت أطماعا اقتصادية، أو لها علاقة بعقيدة دينية. ومن أجل تحقيق هذا الهدف لا بد من إقناع الرأي العام بوجوبه، ولا بد من “أسباب وجيهة” تبرر حملة عسكرية يُحشد لها العالم كلّه تقريبا.
وهنا لا بد من الوقوف عند نقطتين هامتين، الأولى أن تل أبيب تقف خلف كل مصيبة تقع على أرض العرب والمسلمين، وأن أميركا في هذه الحالة هي منفذ مقاولات، لتحقيق أوهام عقائدية توراتية. وثانيهما أن الأرض الإسلامية هي موضوع صراع بين مشروع ولاية الفقيه، الذي تقوده إيران، وبين مشروع مملكة الرب الذي تقوده الصهيونية الصليبية العالمية. وأنا وأنت لا بد أن نستوعب حتى النخاع أن مشروع ولاية الفقيه لن يتحقق ولا يمكن تحقيقه وليس عنده أي أمل في أن يتحقق، بينما مشروع مملكة الرب، يجري تنفيذه خطوة خطوة، بينما الأمة مشغولة في ضرب بعضها أعناق بعض. وفي التالي فإنك عندما تقف أمام هذين الخيارين فإنك بالفطرة لا بد أن تختار رعي الجمال لا رعي الخنازير.
– في عام 1993 روجت تقارير أميركية كاذبة أن صدام حسين حاول اغتيال بوش الأب. وفي 1998 شكل ديك تشيني ودونالد رمسفلد مجموعة ضغط لمطالبة الرئيس كلينتون بإزالة نظام صدام حسين. وفي نفس السنة قال ديك تشيني في إحدى المحاضرات: “الربّ الصالح لا يرى إلا ضرورة أن نضع النفط والغاز في أيدي حكومات ديمقراطية منتخبة ومتحالفة مع الولايات المتحدة”. وفي أكتوبر من نفس السنة وقع كلينتون قانون “تحرير العراق وتغيير نظام الحكم”، وفي أواخر تلك السنة بدأ الجنرال أنتوني زيني (رئيس القيادة المركزية الأميركية) بحث خطة لإسقاط الجيش العراقي مع شخصيات عراقية عميلة بينها أحمد الجلبي. وفي 1999 بدأ العميل الجلبي جولة في العالم للترويج لكذبة أسلحة الدمار الشامل. وقبل ذلك في آب 1998 تفجير (مفاجئ) للسفارة الأمريكية في نيروبي، وفي تشرين الأول 2000 مهاجمة المدمرة الأميركية “كول” في مياه اليمن. ولاحظ معي أن عمليات التفجير تأتي عادة قبيل خطوة أميركية شديدة الأهمية، يكون لها ما بعدها. وفي أوائل 2001 شهدت إدارة بوش الابن موجة استقالات، بينها استقالة وزير الخزانة بول أونيل، احتجاجا على إصرار بوش على غزو العراق. يقول بول أونيل: “كل شيء كان يدور حول طريقة لإسقاط صدام، والرئيس يقول لمساعديه: اذهبوا واعثروا على طريقة لإسقاطه”.. وفي أيلول 2001 سقوط البرجين في نيويورك، وهي العملية التي شكلت مبررا لغزو أفغانستان والعراق تباعا. وفي أيلول 2001 كذلك قال ريتشارد كلارك، مدير قسم مكافحة الإرهاب في إدارة بوش الابن: “كان بوش غاضبا جدا، لأنه أراد الحصول على أدلة تثبت تورط صدام حسين في هجمات 11 أيلول”. وبعد أسبوع واحد فقط أوصى مجلس الدفاع في البنتاغون بضرورة غزو العراق بعد أفغانستان. وفي أواخر 2001 نشرت صحيفتان أميركيتان تقارير كاذبة وموجهة تفيد بأن ضابطا عراقيا يدرب شبانا عربا على اختطاف طائرات، ليتضح أن ذلك من تزوير أحمد الجلبي وبالتنسيق مع واشنطن. وفي شباط 2002 قال بوش الابن: “علينا أن نوجه رسالة قوية إلى صدام حسين، بأنه سيجد القنابل الأميركية والبريطانية تسقط بالقرب من بغداد”. وفي نفس الشهر يعلن بوش أن صدام هو شيطان، ثم يليه ديك تشيني بعد شهرين في تصريح يقول: “لدينا أدلة قاطعة أن العراق كان يؤوي إرهابيين بينهم محمد عطا المسؤول عن هجمات أيلول”. ثم جاء دونالد رمسفلد ليطلب رسميا شن عمليات عسكرية ضد العراق، وفي آذار 2002 يعلن بوش ولادة محور الشر الذي يضم العراق، ويقول بعد ذلك في اجتماع رسمي مع أعضاء من مجلس الشيوخ: تبا لصدام حسين، سنسقطه، لن نتركه يحكم”. وبعد أيام أعلن تشيني أن صدام يسعى للحصول على أسلحة نووية، وفي آب 2002 قال تشيني: “لا شك أن صدام يمتلك أسلحة دمار شامل، ولا شك أنه يجمعها ليستخدمها ضد أصدقائنا وضدنا”.. وفي أيلول 2002 أصدرت بريطانيا تقريرا استخباراتيا كاذبا تقول فيه إن هناك إمكانية أن يشن العراق هجمات كيميائية وبيولوجية في غضون 45 دقيقة. وذلك بهدف التهويل وبث الرعب في النفوس، وتأليب الرأي العام وتجهيزه لقبول أية خطوة قادمة ضد العراق.. وفي مطلع 2003 يصرح بوش بأن النظام العراقي هو عدو لكل أميركي. وفي شباط خطاب كولن باول (وزير الخارجية الأمريكي) الشهير الذي تحدث فيه عن وجود أدلة دامغة ووثائق تؤكد حصول صدام على أسلحة دمار شامل. ثم في 17.3.2003 تمنح أميركا وبريطانيا صدام حسين 48 ساعة للتراجع عن برنامجه النووي (الذي لم يكن موجودا أصلا)، وقبل انتهاء المهلة بدأ غزو العراق.. وبقية القصة نعرفها جميعا… ونهايتها ما تزال مفتوحة..
