كيف نفهم الانتخابات الإسرائيلية خارج هراء “اليمين” و”اليسار”؟

كيف نفهم الانتخابات الإسرائيلية خارج هراء “اليمين” و”اليسار”؟

مجد كيّال

لا يمكن قراءة نتائج الانتخابات الإسرائيليّة إلا من خلال معرفة الشرائح الاجتماعيّة والهويّاتيّة التي يتألف منها المجتمع الإسرائيليّ، والتعرّف على الحزب الذي يمثّل كل واحدةٍ من هذه الشرائح. إذ أنّ ميزة هذه الانتخابات الأساسيّة أنها فرزت تقسيمة حزبيّة مطابقة بشكلٍ شبه تام للتقسيمة الاجتماعيّة وتعدد الهويّات الإسرائيليّة الإثنيّة والدينيّة.

الخريطة الانتخابيّة
نجحت 11 قائمة انتخابيّة باجتياز نسبة الحسم والتمثّل في الدورة الـ 21 للكنيست الإسرائيلي؛ منها، “يهدوت هتوراه” – وهذه قائمة انتخابيّة تمثّل اليهود الأشكناز المتديّنين الأرثوذوكس، وقائمة “شاس” وهي تمثّل اليهود الشرقيّين المتديّنين الأرثوذوكس، وقائمة أخرى هي قائمة أفيغدور ليبرمان وهي تمثّل الإسرائيليين الروس، وقائمة “إيحود هايامين” التي تمثّل الحركة الصهيونيّة المتديّنة.

أما المعسكر الأشكنازيّ “العلمانيّ” التقليديّ فيتألّف من قائمة “غانتس-لابيد”، وهي قائمة جنرالات المؤسسة العسكريّة، ومعها حزب العمل وقائمة “ميريتس”. وهي قوائم تختلف في بعض مواقفها السياسيّة لكنّها تنتمي إلى ذات الكتلة الاجتماعيّة والأيديولوجيّة “المؤسِسَة” التي تعود جذورها إلى حركة “ماباي” وفكر بن غوريون. من جهةٍ أخرى، نجح المعسكر “الليبرالي” يتمثّل بحزب الليكود، والذي ارتبط تاريخياً باليهود الشرقيين وظلّ قريباً من الصهيونيّة المتديّنة.

انتخابات دون جدل

السائد في القراءة الفلسطينيّة والعربيّة للانتخابات الإسرائيليّة هو أنّ القضايا الاجتماعيّة والاقتصاديّة ليست موضعاً للجدل الانتخابيّ في الكيان الإسرائيلي، وأن الانتخابات تجري في نهاية المطاف بناءً على حسابات الجدل الأمنيّ. أما في هذه الانتخابات، فالحقيقة أن الأمن لم يكن موضع جدلٍ، إنما كان المنطلق؛ منطق الحرب والدمويّة كان المنطلق الذي تبدأ منه الأغلبيّة الساحقة من القوائم الانتخابيّة الإسرائيليّة، ولم تشهد الساحة الإسرائيليّة أي نقاشٍ جديّ أو مؤثّر لا حول ضمّ الضفّة الغربيّة، ولا عن العمليّة السلميّة، ولا عن حصار غزّة، ولا عن القدرة النوويّة لـ “إسرائيل”. بكلمات أخرى، لم تعد الانتخابات الإسرائيليّة قائمة على مسائل أو قضايا لا اجتماعيّة ولا سياسيّة، إنما هي انتخابات قائمة على قدرة كل شريحة هويّاتيّة بزيادة تمثيلها للحفاظ على حصّتها من الميزانيّات والامتيازات.

القوائم التي انتُخبت لا تمثّل تناقضات في مواقف سياسيّة من الأمن أو المجتمع أو حتّى الاقتصاد، بقدر ما تُمثّل هويّات إثنيّة ودينيّة موجودة ومتصارعة داخل الحالة الاسرائيلية. وعليه، فإن أهم ما أنتجته هذه الدورة الانتخابيّة هو إحراز مستوى رفيع من حصر كل هويّة اجتماعيّة في تمثيل سياسيّ محدّد. وهو ما ينفي “التعدّديّة” السياسيّة تماماً داخل كل شريحة هويّاتيّة في “إسرائيل”.

نظام الحزبين أقرب إلى التحقّق
نتج نمط التصويت هذا عن عوامل كثيرة أهمّها رفع نسبة الحسم إلى 3.25 بالمئة. وهذا العام مرتبط إلى حدٍ بعيد باستراتيجيّة بنيامين نتنياهو اتجاه نظام الحكم في اسرائيل. الانتصار الأساسيّ الذي حقّقه نتنياهو في هذه الانتخابات ليس إحرازه أغلبيّةً برلمانيّةً تُشكِّلُ حكومة، بل اقترابه خطوةً إضافيّةً نحو إعادة تشكيل النظام الانتخابيّ الإسرائيليّ وبناء نظام الحزبين.

أمامنا مؤشّران على التزحزح في النظام الانتخابيّ نحو نظام الحزبين؛ الأوّل هو اختفاء الأحزاب الصغيرة التي حاولت أن تخرج من إطار الشرائح الهويّاتيّة المغلقة وتخاطب جمهوراً من شرائح أخرى (مثلاً أن تستقطب الصهيونيّةُ المتديّنة شباباً علمانيين بواسطة مسائل اجتماعيّة واقتصاديّة)، أو أن تطرح نفسها كمجدِّدَة وتنافس الأحزابَ التقليديّةَ داخل ذات الشريحة الاجتماعيّة. هذه الأحزاب الموسميّة الصغيرة فشلت في اجتياز نسبة الحسم، وتمترس المصوِّت الإسرائيليّ في القوائم الآمنة – أي القوائم الانتخابيّة الهويّاتيّة التقليديّة التي تمثّله إثنياً ودينياً منذ سنوات طويلة، ولفظ القوائمَ الموسميّة “المجدِدَة” أو المتجاوزة للهويّات.

أما المؤشّر الثاني للاقتراب من نظام الحزبين، فيرتبط بإعلان القوائم الهويّاتيّة دعمها لأحد الحزبين الكبيرين في تشكيل الحكومة فترة طويلة قبل الانتخابات. أي تصويت الناخبين ضمن “كُتل” محددة مسبقاً. الأحزاب المتديّنة الأرثوذوكسيّة أعلنت منذ اليوم الأوّل أنّها لن تؤلّف حكومة مع قائمة غانتس-لابيد لأنّه قائمة تمثّل الصهيونيّة العلمانيّة (أي أنّها قد تطالب بالتجنيد الإجباري للشباب المتديّنين وتقلّص ميزانيّات المدارس الدينيّة الخ…). ومن الجهة الأخرى يُذكر مثلاً أن حزب العمل التزم قبيل الانتخابات باستحالة انضمامه لحكومة نتنياهو. هذا التحديد المسبق يجعل الانتخابات تدور بين كتلتين، وهو ما يُضعِف قدرة الأحزاب الهويّاتيّة على المناورة في التنقّل بين الكتلتين وابتزازهما خلال مفاوضات تشكيل الحكومة، بغية تحصيل المزيد من الميزانيّات والامتيازات.

لماذا يُريد نتنياهو نظام الحزبين؟

رؤية نتنياهو للنظام السياسي الإسرائيلي تقول بأنّ الاقتراب من نظام الحزبين يؤمّن لـ “إسرائيل” حاجتها الأكثر إلحاحاً: استقرار الحُكم. نتنياهو يرى أنّ نظام التعدّدية الحزبيّة في “إسرائيل” يسمح لأحزاب صغيرة جداً بإسقاط الحكومات بسهولة، وهو ما يمسّ باستقرار الحكم. عدد كبير من الأحزاب معناه تقسيم أصغر للمقاعد، ويترتّب عنه قدرة أحزاب صغيرة جداً (تحظى بمقعدٍ أو اثنين من أصل 120) أن تعطّل تشكيل الحكومة وتبتزها لتزيد من مكاسبها، ثم تستطيع التلويح بالانسحاب وحلّ الحكومة في كلّ مأزقٍ أو نقطة خلافيّة، وهو ما يقيّد قدرة الحكومة على اتخاذ خطوات وسياسات وقرارات مفصليّة كبيرة. مشكلة استقرار الحكم، بحسب رؤية نتنياهو، مشكلة جديّة ويجب حلّها.

هذا الاستقرار، بموجب نتنياهو، هو شرط حيويّ لزيادة الاستثمار العالميّ في الكيان الاسرائيلي، ولكن الأهم من هذا أنّه نظام يسمح ببناء حكومات أقل خضوعاً للضغط السياسيّ في حالة الحرب والأزمات الأمنيّة. ثبات الحكومات وعدم انهيارها وحجب الثقة عنها هو خطر حقيقيّ في زمن الحرب، وهو ما يذكّرنا بأنّ “إسرائيل” لطالما شَكّلت “حكومات طوارئ” واسعة (يسمّونها “حكومة وحدة وطنيّة”) حين واجهت حروباً جديّة. يُذكر منها حكومة ليفي إشكول عام 1967، وحكومة غولدا مائير في حرب الاستنزاف، وحكومة بيريس-شامير عام 1984، وحكومة شارون-بيريس عام 2001. بكلمات أخرى، فإن نتنياهو يعيد تشكيل النظام السياسيّ في “إسرائيل” بحيث تتشكّل حكومات أكثر قدرةً على الثبات والاستقرار حتّى في حالات حربٍ طويلة ومستنزفة لـ “إسرائيل” دون الحاجة إلى تشكيل حكومة طوارئ.

تمزّق المؤسسات الجامعة
يقود نتنياهو هذا كلّه على ظهر واقعٍ اجتماعيٍّ إسرائيليٍّ ممزّقٍ. المؤسسات الإسرائيليّة الجامعة تتآكل، وتكاد كل واحدة من الشرائح الهويّاتيّة الممثلة في الكنيست تملك نظاماً اجتماعيّاً خاصّاً بها؛ من مدارس ومناهج تعليم ومؤسسات تجاريّة وطبيّة وإعلاميّة إلخ… ويُصبح كلُّ حزبٍ ممثلٍ لشريحة ما مجرّدَ ختمٍ على كل قوانين نتنياهو وخطواته البنيويّة المصيريّة، مقابل حفاظ هذه الشرائح على ميزانيّتها (مثل ميزانيّات المدارس الدينيّة) وامتيازاتها (مثل إعفاء المتديّنين من الخدمة الإجباريّة) ونظامها الاجتماعيّ عموماً.

وفي طريقه لتفتيت المؤسسات الإسرائيليّة الجامعة و”أفران الصهر” لصالح مؤسسات وحياة منفصلة لكلّ شريحةٍ إثنيّة أو دينيّة، يستهدف نتنياهو الرموز الإسرائيليّة الجامعة والرسميّة ويحطّ من أهميّتها. ولهذا فهو يهاجم المحكمة العليا، ومؤسسة الرئاسة الرمزيّة، والأهمّ من هذا كلّه أنّه يكسر الوظيفة الاجتماعيّة لجيش الاحتلال الإسرائيليّ. وقد وجّه في هذه الانتخابات ضربةً وضعت حدّاً واضحاً وتاريخيّاً لهيمنة المؤسسة العسكريّة على الحياة السياسيّة في “إسرائيل”، وذلك من خلال تقزيمه لاجتماع قائمة جنرالات راهنت على كل المؤسسة العسكريّة لتكسر نتنياهو، لكنها هُزِمَت.

السؤال الفلسطينيّ

هكذا جرت الانتخابات الإسرائيليّة، وهذه هي الديناميكيّة التي يحاول نتنياهو من خلالها لا أن يحافظ على حكمه فحسب، بل أن يؤسس تغييرات بنيويّة في النظام الإسرائيليّ. يستغل نتنياهو التمترس الهويّاتيّ في المجتمع الإسرائيليّ ليُصمم نظاماً سياسيّاً قادراً على الصمود في صراعٍ “أبديّ”، على حدّ تعبير نتنياهو. يبني نظاماً سياسيّاً يحصّن الحكم من إمكانيّة الخضوع أو الانكسار تحت الضغط الاجتماعيّ في حالة حربٍ طويلة الأمد.

أما السؤال الأساسيّ الذي يجب أن يُطرح فلسطينيّاً فهو سؤال ضروريّ، غير مريح، بل إنّه مخجل وحزين، إنما الواجب أن نُجيب عليه بجرأة: ما نموذج الفعل السياسيّ الذي تقدمه الأحزاب الفلسطينيّة التي قررت خوض انتخابات الكنيست؟ هل تُسَخِّرُ تلك الأحزاب الانتخاباتِ لتصميم “بناءٍ سياسيٍّ” مؤهّلٍ للصمود في الصّراع مع النظام الصهيونيّ، ولإسقاطه، وللمساهمة في بناء مستقبل الشعب الفلسطينيّ؟ أم هل هي أحزاب تمثّل شريحة هويّاتيّة عربيّة تسعى لتحصيل ميزانيّات وامتيازات، وتدعو جمهورها للتصويت لها لأنها عربيّة “مثلها مثله”، بينما هي تتصرف سياسيّاً كأنّها “واحدة من الهويات الإسرائيليّة”؟