باب الرحمة… مكانة دينية وتاريخية وعلمية دائمة واحتلالات طارئة

باب الرحمة… مكانة دينية وتاريخية وعلمية دائمة واحتلالات طارئة

ساهر غزاوي
بعد الإنجاز التاريخي والانتصار الذي حققه الشارع الفلسطيني في معركة البوابات الإلكترونية على أبواب المسجد الأقصى صيف عام 2017، وانتصاره في معركة الوعي، رجح كثير من المراقبين أن تكون المعركة القادمة وهبة فلسطينية جديدة في الجزء الشرقي من ساحة الأقصى الممتد من باب الرحمة شمالا إلى مدخل المصلى المرواني جنوبا (منطقة باب الرحمة).
واعتمد المراقبون في ترجيحاتهم على مؤشرات كثيرة تراكمت على استهداف تلك المنطقة أبرزها: التركيز عليها كمساحة أساسية لنشاط المقتحمين وأداء شعائرهم، ومنع إخراج الردم المتراكم، فضلا عن مناقشة سابقة (2013) في أوساط حزب الليكود لخريطة تشير صراحة إلى اقتطاع المساحة الموازية لباب الرحمة كصالة دائمة لليهود. واستهداف مقبرة الرحمة التي تلاصق باب الرحمة من خارج الأقصى ومحاولة السيطرة على أجزاء فيها وإغلاق قاعة الرحمة المسقوفة قبالة باب الرحمة وتثبيت نقطة شرطة جديدة فوق باب الرحمة.
وشكل اعتداء سلطات الاحتلال الأخير على باب الرحمة في المسجد الأقصى سبباً لتفجير معركة فلسطينية مقدسية جديدة لإنقاذ المسجد الأقصى المبارك من مخططات الاحتلال ومحاولته الدؤوبة لفرض سيطرته على الجزء الشرقي من المسجد من أجل تحويله لكنيس، لكنّه قوبل ذلك بإصرار مقدسي على فتح المصلى وإقامة الصلاة فيه بعد أن قاموا بتحطيم البوابات والأقفال التي وضعها الاحتلال لمنعهم من ذلك.
ولا شك أن لباب الرحمة مكانة تاريخية ودينية وقد استرعت اهتمام الكثير من الناس خصوصا بعد الأحداث الأخيرة التي شهدها المسجد الأقصى المبارك. وللحديث عن تاريخ وتفاصيل هذا المعلم الذي هو جزء لا يتجزأ من المسجد الأقصى المبارك، التقت صحيفة “المدينة” المرشد السياحي والباحث المتخصص في شؤون القدس والأقصى، إيهاب الجلاد الذي يعكف في هذه الأيام على إصدار كتاب جديد عن باب الرحمة بعده لغات.

باب الرحمة
ويقول إيهاب الجلاد عن هذا المكان التاريخي المهم إنه يقع في الجدار الشرقي للمسجد الأقصى الذي يشترك مع سور البلدة القديمة لمدينة القدس، وهو أقرب إلى جهة باب الأسباط، وتحيط به مقبرة باب الرحمة، حيث يرقد الصحابيان الجليلان عبادة بن الصامت وشداد بن أوس. كما ويتكون من بابين أو من مدخلين، باب التوبة في الجهة الشمالية، وباب الرحمة في الجهة الجنوبية ويطلق عليه عادة باب الرحمة.
البناء
ويُبين أن باب الرحمة أو قاعة الباب هي عبارة عن مبنى مستطيل طوله حوالي 21 متراً وعرضه حوالي 11 متراً، وارتفاعه حوالي 10 أمتار. ويتكون المبنى من رواقيّن، لكل رواق سقف عبارة عن ثلاث قباب ويصل بين الرواقيّن أربعة أعمدة، وهذه الأعمدة الأربعة تحمل ست قباب كل رواق فيه ثلاث قباب، قبتين ضحلات -أي قليلة الارتفاع-وقبتين مرتفعتين.
وبخصوص الأعمدة الأربعة كما أسلفت، يتابع الجلاد، هناك عامودان في الوسط من الحجر الجيري الصلب وهو قطعة واحدة كاملة، بينما الأعمدة الموجودة في الأطراف عند المدخل داخل المصلى والمدخل داخل الباب الذي عند السور هو عبارة عن عامود مبني من أسطوانات، يعني أنه عبارة من قطع حجرية مصفوفة بعضها فوق بعض تحمل العقود وتحمل القباب، وهذا ما يدل على هذا النمط من البناء.
ويوضح أن الأعمدة الضخمة التي في وسط المصلى، وهي التي عبارة عن قطعة واحدة من الحجر، ويصل طول كل عامود منها إلى 6 أمتار تحمل تيجانا مميزة جدا ونادرة لا يوجد مثيل لها في كل فلسطين، وهي تعود إلى الفترة الأموية، وأمّا الأعمدة التي مبنية بشكل مصفوف وهي موجودة في أول المصلى وأخره، فهي تحمل تيجانا تشبه التيجان التي كانت موجودة في المصلى القبلي وهي حاليا متناثرة على جانبي المصلى القبلي، ونمط هذه الأعمدة المبنية يشير إلى أنه يعود للفترة العباسية.
فعندما نشاهد بقايا في مصلى باب الرحمة تعود إلى العصر العباسي وبقايا أخرى تعود للعصر الأموي فهذا دليل على أنه ليس كما يشاع بناء بيزنطي، وللتأكيد أكثر على ذلك نستطيع أن نعرف من طبيعة الحجارة التي بني منها البناء والمصلى وهي من الحجارة المستطيلة الضخمة التي متوسط طولها حوالي متر ونصف المتر وهي تتشابه كثيرا مع الحجارة الموجودة في القصور الأموية جنوبي المصلى القبلي، وهي تتطابق معها ولا تحمل أي نوع من الزخرفة وليس لها إطار وهي ليست كما يقال أنها تعود إلى العصر الهيرودياني وليس لها أية زخرفة بيزنطية أو رومانية وهي حجارة اشتهرت فيها المباني الأموية وهذا من ناحية البناء، يقول إيهاب الجلاد.

إيهاب الجلاد
إيهاب الجلاد

التسمية
أما عن تسمية باب الرحمة فيشير الباحث المقدسي إلى إنها تعود إلى تفسير الصحابيان الجليلان عبادة بن الصامت وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما للآية رقم 13 في سورة الحديد: ((فضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ))، حيث قالا إن هذه الآية تتحدث عن السور الشرقي في المسجد الأقصى المبارك، وهذه البوابة هي مذكروه في القرآن الكريم، وبالتالي أصبح اسم هذه البوابة باب الرحمة نسبة إلى الآية الكريمة، ونعرف أن الصحابي عبادة بن الصامت مدفون خارج هذه البوابة، فعبادة بن الصامت كان أميراً وحاكماً وقاضياً للقدس وهو بالتالي علمه في باب الرحمة وجغرافية القدس علم صحيح.
وحول ما يتعلق بادعاء اليهود والتسمية اليهودية لباب الرحمة، ينّوه الجلاد إلى أنه وبحسب المصادر اليهودية فإن (شاعر هرحميم) أو باب الرحمة كما يلفظه اليهود هي تسمية مأخوذة من الاسم الإسلامي، يعني أول ذكر لكلمة (شاعر هرحميم) وباب الرحمة في اللغة العبرية والمصادر العبرية تعود إلى القرن التاسع أو العاشر الميلادي، أي بعد أن تم تسمية الباب في الفترة الإسلامية، وعليه فإن هذه الفترة تؤكد أنها مأخوذة ومقتبسة من التسمية الإسلامية للباب وليست موجودة في المصادر اليهودية، مما يؤكد أن هذا الباب لم يكن له أية علاقة بالتراث اليهودي، بل على العكس تمام، فاليهود يقولون بالتراث المبكر باسم (شاعر شوشان) ولا يُعرف موقعه أو سبب التسمية، وهذا يؤكد مرة أخرى أنه ليس لليهود علاقة بباب الرحمة وأن التراث اليهودي مأخوذ من التراث الإسلامي المتعلق في الرحمة والباب الذي يصل جهنم عن المسجد الأقصى المبارك.

قصة الاغلاق
وبخصوص اغلاق باب الرحمة فيقول الباحث المتخصص في شؤون القدس والأقصى، إنه مرتبط بالتسمية القرآنية ومرتبط في تفسير الآية الموجودة في سورة الحديد، (فضرب بينهم بسور له باب….) ذلك أن المسلمين قرروا اغلاق هذا الباب وتحويله إلى مسجد فيما يرتبط من الموضوع بتفسير الآية، فحتى لا يكون هناك بابا مفتوحا بين الجنة والنار وحتى لا يكون هناك بابا المقصود أنه كان من الأبواب الرئيسية للمسجد وكان الوحيد للجهة الشرقية من المسجد الأقصى وبعد هذه التفسير لهذه الآية وبعد بناء المقبرة أصبح الباب أصلا الوصول إليه والولوج ضعيف جدا، وحتى تتمثل هذه الآية كان يجب اغلاق الباب حتى لا يكون هناك ممراً بين الجنة والنار وحتى يكون هذا الباب مغلق حتى قيام الساعة.
لذا فإن اغلاق هذا الباب يعود إلى الفترة العباسية المتأخرة أو الفترة الفاطمية وكان أول ذكر لإغلاق الباب جاء من الرحالة الناصر خسرو الذي قال في زيارته للقدس عام 1047 أي قبل الاحتلال الصليبي بخمسين عاما، قال إن باب الرحمة كان دهليزا، أي كان ممرا فسيروه مسجدا وفرشوه وزينوه بالسجاد، مما يؤكد على أن هذا الباب هو مغلق من قبل الصليبيين ولم يتم اغلاقه بعد صلاح الدين حتى في الفترة الصليبية لم يكن الصليبيون يتعاملون مع هذا الباب على أنه باب مفتوح، بل كان يفتح مرتين في السنة، مرة في ذكرى دخول هرقل إلى مدينة القدس، ومرة في ذكرى دخول عيسى عليه السلام للقدس، وغير ذلك كان الباب مغلقا وحتى في الفترة الصليبية. كما يقول الجلاد.
ويقول إيهاب الجلاد إنه بعد تحرير المسجد الأقصى على يد صلاح الدين الذي قام بإعادة اغلاق باب الرحمة، وهو ليس أول من اغلقه، ويضيف، نؤكد قولنا إن اغلاق الباب لم يكن لأهداف عسكرية ذلك أن الباب أصلا محصن بسبب وقوعه على حافة وادي جهنم وبسبب أن هناك مقبرة إسلامية، فلم تحتل مدينة القدس اطلاقا من الجهة الشرقية وكان احتلالها دائما والهجوم عليها من الجهة الشمالية، أي من جهة باب العامود وباب الساهرة، وليس من الجهة الشرقية، فإغلاق باب الرحمة تم بفترة الإسلامية المبكرة وتجدد اغلاقه في الفترة الصلاحية وكان اغلاقا فقط للباب، أي اغلاق البوابات الحديدة، لكن في الفترة العثمانية التركية تم إزالة هذه البوابات الحديدية وتم اغلاقه بالحجر.
ويلفت إلى أنه استخدم باب الرحمة للصلاة بالفترة العباسية والفاطمية والأيوبية وفي الفترة المملوكية، “فذلك الرحالة ابن فضل العمري الذي زار القدس عام 1345 قال إن الناس يزورون باب الرحمة ويتعبدون فيه، ونذكر أيضا في هذا السياق أنه كانت هناك المدرسة الناصرية التي كتب أبو حامد الغزالي جزءا من كتابه إحياء علوم الدين فوق باب الرحمة مما يؤكد على أن الباب له قيمة ومكانة علمية ودينية وليس بابا عاديا مثل الأبواب الأخرى”.

مسك الختام
ويقف الباحث المقدسي في حديثه عن باب الرحمة عند الفترة العثمانية ويبين أن في هذه الفترة عاش في المبنى المتصوفة المولولية أو الجلاليون ودفنوا خارج الباب، وهي طائفة تنسب إلى جلال الدين الرومي في إسطنبول، حيث كان لها مكانة وقيمة رفيعة في الدولة العثمانية، ويبين أن هذه الطائفة كانت تسكن في مبنى باب الرحمة وتتعبد فيه.
ويختم إيهاب جلاد أن هذا الحال بقي إلى القرن التاسع عشر عندما تُرك مصلى باب الرحمة وأصبح مخزنا ومكانا يضع فيه مستلزمات وحاجات المسجد إلى أن جاءت نكبة 1948 واستخدم حينها لأغراض اللاجئين وكانت الأمم المتحدة توزع فيه المعونات على اللاجئين، وبقى حتى عام 1967 عندما قامت سلطات الاحتلال بإبعاد كل المؤسسات وإخراج كل الناس واغلاق الباب ومنعت الوصل اليه من جهة المسجد ومن جهة المقبرة واستمر هذا الحال حتى العام 1980 عندما عاودت الأوقاف الإسلامية في القدس وفتحت هذا الباب واستخدمته لأغراض مختلفة كالحج والعمرة ومكانا للمكتبة الصغيرة والدروس إلى أن قامت لجنة التراث بالإشراف عليه واستخدمته كمقر لنشاطاتها التي كانت تعمر المسجد الأقصى وذلك من التسعينات إلى سنة 2003 عندما قامت سلطات الاحتلال بإصدار أمر بإغلاق هذا المصلى وبقي على حاله هذا حتى أفتتح على أيدي المصلين قبل شهر خلال هبة فلسطينية مقدسية.