المقاطعة هي الخيار

المقاطعة هي الخيار

توفيق محمد
تعالوا بنا نتفق أولا أننا واخوتنا ممن يخوضون انتخابات الكنيست مختلفون – وأقصد بإخوتنا جميع القوائم العربية وليس قائمة بعينها-وعليه تعالوا بنا نتفق أن اختلافنا معهم يجب أن لا يمنع للود قضية بيننا، ثم تعالوا بنا نتفق أن الود بيننا جميعا يتيح لنا أن نوجه الإنتقاد كل للآخر، ويتيح لكل منا أن يقول رأيه دونما أن يعتب الآخر عليه وإلا لكنا جميع في رأي واحد، ولما كان هناك حاجة ان تتعدد المشارب والرؤى والمواقف.
منذ أن شطبت لجنة الانتخابات المركزية التي تتشكل في غالبيتها من اليمين الإسرائيلي مرشح الجبهة عوفر كسيف، والتجمع الوطني الديموقراطي والقائمة العربية الموحدة برئاسة الدكتور منصور عباس (الحركة الإسلامية) علمنا جميعا أن الشطب هو شطب سياسي، وليس شطبا قانونيا، وأن هذا الشطب إنما يأتي لصالح اللعبة السياسية في معسكر اليمين التي لا يجيدها في إسرائيل أحد مثل نتيناهو، وهو يأتي في سياق جملته المشهورة في الانتخابات السابقة للكنيست العشرين يوم قال “العرب يهرولون للصناديق” من أجل تحفيز خلايا اليمين النائمة للخروج إلى صناديق الاقتراع وانتخابه هو ومعسكره حتى يفوز مرة أخرى بتشكيل الحكومة، وهو ما كان رغم أن كل استطلاعات الرأي في حينه كانت لصالح الحزب المنافس حزب العمل، لكن حنكة نتنياهو السياسية وفنه في إدارة المعارك الانتخابية وتوظيفه لقدراته الإعلامية جعله يتغلب على المعسكر المنافس في اليوم الأخير وهو يوم الانتخابات.
هناك من يدعي أن إسرائيل معنية بمشاركة العرب في انتخابات الكنيست، وهناك من يدعي أنها غير معنية في ذلك، وأولئك الذين يدعون أنها غير معنية بذلك يستشهدون بمحاولات اليمين شطب القوائم العربية من المشاركة في الانتخابات، وهو الذي يحصل في كل دورة انتخابات في العقدين الأخيرين، ولكن السؤال الحقيقي الذي يطرح لو كانت إسرائيل كدولة غير معنية بمشاركة العرب في الانتخابات هل كان يمكنهم ذلك؟ وهل لو كانت إسرائيل تعلم أن العرب يمكن لهم أن يؤثروا على سياساتها بشكل لا تريده هي هل كانت تتيح لهم ذلك؟ وهل لو كانت مشاركة العرب في الانتخابات ستضر بمصالحها ولو بالشيء اليسير هل كانت ستمح لهم بذلك؟ وهل لو كانت هذه المشاركة ستنفع ولو بالقليل قضيتهم الأولى القضية الفلسطينية وقضية المسجد الأقصى المبارك والقدس الشريف ومجمل قضايا شعبهم المفصلية كوقف هدم البيوت، ووقف مصادرة أراضي شعبهم هل كانت ستسمح لهم بهذه المشاركة؟
إذا لماذا يحاول اليمين منعهم من المشاركة وكيف يستقيم ذلك مع الإدعاء بأن إسرائيل الدولة معنية بهذه المشاركة؟
إنها بهذه البساطة نعم، اليمين بمحاولات شطب القوائم العربية غير الجدية يغازل ناخبيه وهو يعلم توجهاتهم اليمينية، ويغذيها بمزيد من بث الكراهية للعرب عموما وبمحاولاته غير الجدية لمنعهم من خوض انتخابات الكنيست- وهي في هذه الحال محاولات مستنكرة ومستقبحة- لكنه أي اليمين ونتنياهو يعلم يقينا أن ما تفعله لجنة الانتخابات المسيسة سوف تلغيه المحكمة العليا، وسوف تتيح للمشطوبين العودة لممارسة “حقهم الانتخابي” لأنهم في خطابهم السياسي، وبرنامجهم الإنتخابي يتفقون مع السياسات العامة التي تتيح للمشاركين في العملية الانتخابية ممارسة هذا “الحق” الذي تعتبره المؤسسة الإسرائيلية واجبا من أجل المساهمة في تبييض وجهها الكالح والتأكيد على ادعائها الكاذب بأنها دولة ديموقراطية، بل إنها الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط التي تتيح هذه المشاركة للمخالفين لها سياسيا ويفعلون ذلك بكل حرية من على منبر الكنيست.
لو كانت إسرائيل الدولة غير معنية حقيقة بمشاركة القوائم والأحزاب العربية في انتخابات الكنيست لمنعتهم من ذلك بأسهل ما يكون، وكلنا نرى مقاييس القضاء الإسرائيلي وازدواجيته في إصدار الأحكام في القضايا الشبيهة على العرب واليهود، بل كلنا يرى كيف يقوم هذا القضاء بقبول إدانة العرب بقضايا لفقت لهم وفي ذات الوقت كيف يقوم بتبرئة آخرين من اليهود بقضايا حقيقية يجب إدانتهم فيها، فهل يصعب عليه إقرار شطب لجنة الانتخابات لقوائم عربية ومترشحين عليها لو أراد ذلك، أو لو أن الإرادة السياسية الإسرائيلية كانت كذلك؟
أما الأمثلة على ما قلت آنفا فهي كثيرة نلخصها بملف إدانة الشيخ رائد بالتحريض على العنف والكراهية فيما عرف بملف وادي الجوز وهو ملف ملفق بامتياز في الوقت الذي برات فيه نفس المحكمة ونفس القضاة مؤلفي كتاب شريعة الملك “توراة هميلخ” من نفس التهم، علما أن مؤلفيْ الكتاب إياه يدعون صراحة لقتل العربي وقتل الفلسطيني فقط كونه عربيا أو فلسطينيا لأنه سيكبر بعد عشرين عاما ويصبح مخربا حسب ادعائهم، ورغم الوضوح الصريح في التحريض برأتهم المحكمة، ورغم الوضوح الصريح في ملف الشيخ رائد بعدم التحريض لا على العنف ولا على الكراهية لكنها- أي العليا- إدانته لأن الإرادة السياسية والأمنية الاسرائيلية أرادت ذلك بسبب دفاعه الحقيقي والصادق عن قضايا أمته شعبه من على منصة ميدان العمل وليس من على منصة الكنيست الخاوية.
إذا لو كانت إسرائيل الدولة لا تريد حقيقة مشاركة القوائم العربية أو بعضها أو بعض المترشحين عليها لأوجدت لذلك الحجج المناسبة ولغرد جهاز القضاء والنيابة والسياسة على نفس اللحن.
يقينا فإن إسرائيل الدولة معنية بهذه المشاركة، وكذلك أجهزتها الأمنية والقضائية والسياسية والإعلامية، لأنها تضيف اليها شرعية هي بحاجة لها في المحافل الدولية المختلفة، وهي تضفي على تشريعاتها العنصرية مزيدا من الشرعية، فحتى لو عارض أعضاء الكنيست العرب هذه التشريعات وهم يفعلون ذلك بصدق ويكافحون بإخلاص لمنعها لكنهم لم ولن يتمكنوا من ذلك، وعليه بعد ان تقر تلك التشريعات تصبح ملزمة لأعضاء الكنيست الـ 120 وتصبح صادرة باسم الكنيست كلها أي باسم جميعا.
أما الإدعاء بتغيير حكم اليمين فهو لا يقل عن سابقة خدمة للسياسة الإسرائيلية في خدمة قضاياها ولا يصب في صالح قضايا الشعب والوطن –أقصد الفلسطيني-لان:
1. الصراع الآن هو بين اليمين واليمين وليس هناك دور لليسار الا على هامش حكومة يمينية قد يقيمها غانتس اليميني فيما لو تحقق حلمه بتفوق كتلته على كتلة اليمين المتطرف وهو ما لا تتوقعه كل استطلاعات الراي.
2. فرضا ان الصراع بين اليسار الإسرائيلي وبين اليمين أصلا، فان هذا اليسار المُدعى هو من صادر أرضنا ومن سلب حقوقنا ودائما هو واليمين من أمعنوا في ذلك.
3. وهو يفعل ذلك بكل الأريحية والراحة والشرعية الدولية، لأنه يروج خطابا مسالما، ويمارس واقعا احتلاليا وقمعيا وعدائيا، كاليمين إن لم يزد، وليس أدل على ذلك من هبة القدس والأقصى حيث رئيس الحكومة هو براك –حزب العمل-وشريكه في الائتلاف هو ميرتس، وعلى الأقل فان اليمين أوضح في هذه المسألة، هو يقول ويفعل ما يقول، أما اليسار فيفعل ما لا يقول يذبحك وهو يتحدث حديث الحب والسلام.
فان كان الأمر كذلك فلماذا هذه المشاركة؟ ولماذا هذا الإندلاق على المشاركة في مؤسسة أهدافها أصلا تشريع القوانين التي تسعى لتمكين الآخر، ونفينا من الحيز المكاني والزماني في بلادنا نحن، والنتيجة هي لا بد من مقاطعة الانتخابات حتى نثبت لأنفسنا أننا ننصر أنفسنا وقضايانا وإلا فلتبقى بيانات الشجب والاستنكار هي لغة الحوار والتعاطي.