عن اللغة العربية واليوم العالمي

عن اللغة العربية واليوم العالمي

إبراهيم عبد المجيد
أكثر من عام انتبه إلى اليوم العالمي للغة العربية وهو يوم 18 ديسمبر/كانون الأول، الذي اختارت فيه الجمعية العام للأمم المتحدة إدخال اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية للأمم المتحدة عام 1973
لا أتوقف عند هذا اليوم كثيرا ليس تجافيا للغة العربية، فأنا ابنها وصنيعتها، ولكن لأنني أعرف ما سيقال في معظمه. سيقال إنها أثَّرت في اللغات الأخرى، وسنجد مئات بل آلاف الألفاظ في لغات مثل الإسبانية والإنكليزية والفرنسية لها أصول عربية. أعرف هذا جيدا. سيقال إنها لغة القرآن الكريم كتاب الله. أعرف هذا أيضا. سيقال إن القرآن حافظ على هذه اللغة. أعرف هذا أيضا وأقــــرأه وأسمعه كل عام.
سيقال إن ألفاظ اللغة العربية تزيد عن لغة مثل الإنكليزية مرات ومرات.
قرأت أن ألفاظ اللغة العربية أكثر من مليون بكثير، بينما الألفاظ الإنكليزية ستمئة ألف لفظ. هذا الكلام «الكبير» أسمعه وأقرأه كل عام، وأقرأ أصغر منه طبعا في القيمة، مثل أنها لغة الشعر العربي والبلاغة العربية وما إلى ذلك من كلام عادي، وطبيعي أن تكون كذلك. لكنني أقف عند الكلام «الكبير» الأول وسأقول رأيا قد يغضب البعض. ليست هناك لغة أفضل من غيرها بقرار، لكن هناك لغة تعيش من تداولها واتساعه، ولغات تموت مع موت شعوبها أو امتزاجهم بشعوب أخرى كانت أكثر نشاطا وحركة واتساعا في الدنيا. سأعطي مثالين على ما حدث للغة العربية في بلدين، لنعرف أن تقدم اللغة وأهميتها مرتبط بأشياء أخرى. الأندلس التي فتحها العرب واستقروا فيها منذ عام 711 أي مع بداية القرن الثامن الميلادي حتى نهاية القرن الخامس عشر، أعني عام 1492 حين سقطت غرناطة آخر الممالك، أين انتهت اللغة هناك بعد زوال الأندلس؟ إلى العدم، أعني لم تعد لغة الحديث ولا الكتابة، وما بقي منها مفردات مهما كثرت فهي مفردات في اللغة الإسبانية. لكن هذه اللغة العربية نفسها استطاعت أن تجد لنفسها مكانا في مصر، التي حين دخلها العرب كانت اللغة هي مزيجا من الفرعونية واليونانية. استطاعت اللغة العربية أن تستقر وتتسع لتشمل المصريين الذين لم يكونوا يتحدثونها قبل الحكم العربي الذي استمر عشرة قرون، حتى جاء احتلال جديد هو نابليون. خلص الحكم للعرب وبعدهم لممالك مثل الفاطميين وجاءوا يحملون اللغة العربية أيضا، والأيوبيين نسبة إلى صلاح الدين الأيوبي، جاءوا يحملون اللغة العربية أيضا، وبعدها الولايات المملوكية المختلفة التي كان زعماؤها مماليك تربوا بين اللغة العربية بعد شرائهم من الأسواق.
هكذا اندثرت وتآكلت لغة أخرى، حتى العثمانيون لم يستطيعوا فرض اللغة التركية، لأن العربية كانت قد استقرت وانتشرت، وأصبحت جاذبة للدارسين من المستشرقين الذين كان لهم دور كبير في اكتشاف دُرر الأدب والفلسفة والتصوف والعلوم العربية. لم تنجح اللغة العربية مثلا في الانتشار في فارس التي اكتفت بالقرآن، لكن الفارسيين الذين عرفوها صار الكثيرون منهم علماء وفلاسفة وكتابا عربا. الحقيقة الكل إلا استثناءات قليلة، من مفكري وعلماء التاريخ الإسلامي وفقهاء اللغة أصولهم فارسية. لم يكن من جزيرة العرب من له دور في الفقه ولا الفلسفة ولا العلوم إلا نادرا.
انتهى هذا العالم القائم على الغزوات وأصبح العالم قرية صغيرة لا يحتاج إلى جيوش وأصبح التفاعل بين اللغات يتم عبر الهواء. ويأتي الاحتفال باللغة العربية، وأسمع أكثر من مرة الكلام الذي قدمت به المقال وهو كلام في الحقيقة لا يعطي اللغة العربية قيمة على غيرها. فكونها لغة القرآن الكريم أمرا لا يعني أحدا من الديانات الأخرى، لكنه يعنينا نحن. فالعبرية لغة العهد القديم والجديد، والصينية لغة البوذية، والهندوسية لغة من لغات الهند وهم أكبر تعدادا وتقدما من العالم العربي. لكن القول إن القرآن حافظ عليها يمكن أن يكون مقبولا، مادام الناس على دين الإسلام، لكن في الوطن العرب فقط وليس في غيره فما أكثر المسلمين الذين طبعا يقرأون القرآن، لكن يمارسون حياتهم بلغات أخرى. ماليزيا وأفغانستان وغيرهما. والقول بأن فيها ألفاظا أكثر من اللغة الإنكليزية ليس دليلا على قوتها فأكثر الألفاظ مرادفات يمكن أن يتم الاستغناء عنها. من لديه الوقت ليعرف ويحفظ أن للكلب سبعين اسما مثلا. يوما ما شرعت أقرا كتاب «فقه اللغة» للثعالبي ولم أستمر فيه غير عدة صفحات من كثرة المرادفات والفخر بها. يمكن الرد على ذلك بأن قلة المرادفات تعني علمية الوصف ودقته. لكن أهم ما يقال دائما هو أن اللغة هي هوية المتكلم. وهذا حقيقي لكن الهوية بالمعنى الأشمل تعني أشياء أخرى، تعني تاريخا وعادات وتقاليد. ومن المؤكد أن هوية العراقي غير المصري غير السوري غير المغربي. لقد كانت اللغة إحدى الركائز الكبرى لفكرة القومية العربية، لكن الفكرة فشلت، ومن حاولوها فشلوا وانتهوا بشعوبهم إلى هزائم من دول خارجية، أو فوضى من فصائل من المسلمين المتطرفين. لم تكن اللغة العربية شفيعا لأحد، كما لم يكن الدين طبعا، فالإرهاب يقوم بتكفير الجميع.
الحقيقة أن اللغة العربية تتجلى بقوة في الإبداع والفكر العربي في كل البلاد العربية ومن يفعلون ذلك يفعلونه ليس من أجـــــل رفع شأن اللغة العربية فقط، لكن لأنهم خُلقوا مبدعين وأحبوا أن يكونوا مفكرين، وكان يمكن لهم أن يفعلوا ذلك لو ولدوا في بلاد أخرى وحملوا لغات أخرى. لكن اللغة العربية الآن ينقصها شيء مهم جدا، إنه رغم وجود هيئات لغوية كبيرة مثل مجمع اللغة العربية في مصر، لم تستطع أو لم يستطع علماؤها تعريب العلوم الإنسانية، بل هذه العلوم تدخل حياتنا بلغاتها.
في إنكلترا تجد مثلا الدواء باسمه الإنكليزي، وفي فرنسا تجد الدواء نفسه لكن باسمه الفرنسي. هذا لم يحدث في اللغة العربية. هذا مجرد مثل يمكن أن يمتد إلى الاختراعات كلها، فضائية وأرضية، وهذا أمر يتم الحديث فيه من زمان، حتى إن دولا مثل مصر رفعت هذا الشعار بعد ثورة يوليو/تموز وأوقفت اللغة الإنكليزية في المدارس الابتدائية، ثم لم تنجح في تعريب شيء وعاد التعليم إلى اللغة الإنكليزية وأصبح في مدارس مميزة لا تهتم باللغة العربية! إذن يمكن أن يكون هناك يوم عظيم للغة العربية حين تصبح لغة العلم أيضا وهذا يحتاج إلى جهد ومال. الجهد يمكن والمال يمكن ادخاره من الأموال التي تُنفق على الحروب، لكن أحب أن يظل الاحتفال باللغة العربية قبل أن تضيع.