أخبار رئيسيةمحلياتمقالاتومضات

معركة الوعي (309) خسارة في الحالتين.. مجتمعُنا على مفترق طرق

حامد اغبارية

1)
تكفي قراءة سريعة لتصريحات قيادات الأحزاب الصهيونية، من المعسكرين الكبيرين؛ معسكر نتنياهو ومعسكر آيزنكوط، والتي أطلقوها بُعيد الانتخابات للكنيست الصهيوني، ثُمّ إطلالة خاطفة على مزاج الشارع الإسرائيلي، كي نفهم المأزق الشديد الذي وجدت الأحزاب العربية المشاركة في الكنيست نفسها فيه، أو بتعبير أدق، وضعت نفسها فيه، من اللحظة الأولى التي خاضت فيها تلك الانتخابات، والتي قدمت فيها كل شيء مجانا، وأراقت ما الوجه من أجل حُظوة لم تنل- ولن تنال- منها خيرا، رغم نسبة التصويت الأعلى التي يشهدها مجتمع الداخل الفلسطيني منذ عقود؛ تلك النسبة التي لن يبقى لها سواها- في تصوّري- لتفرح به وترقص على أنغامه إلى حين حلول موعد الانتخابات القادمة!

2)
قبل الانتخابات، وبعدها، كان هناك شبه إجماع في الشارع الإسرائيلي؛ رسميا وحزبيا وشعبيا، على رفض أي شكل من أشكال التعاون أو الشراكة مع الأحزاب العربية، اللهم إلا من أصوات خافتة هنا وهناك، لا تقدم ولا تؤخر.

وكانت الحالة الوحيدة تقريبا، التي تداول الشارع الإسرائيلي وإعلامُه ومحللوه وخبراؤه الحديث عن الأحزاب العربية هو كيف يمكنهم تشكيل حكومة صهيونية، لا دور لهذه الأحزاب فيها، فكان ذلك بين ثلاثة خيارات: حكومة وحدة وطنية، أو حكومة برئاسة آيزنكوط تشارك فيها أحزاب من معسكر نتنياهو (كالأحزاب الدينية الحريدية)، أو إعادة الانتخابات.

وعلى هامش ذلك شذرات حديث خجول وممتعض عن إمكانية دفع ثمن معنوي وقيمي كبير – بالمفاهيم الصهيونية- من خلال الاستناد إلى الأحزاب العربية، فقط من أجل تشكيل حكومة لن تستمر طويلا. وإن كان هناك- في الشارع الإسرائيلي- من بلعوا على مضض ضفدع وجود حزب عربي في ائتلاف بنط – لبيد عام 2021، فإن هذا الشارع بعد السابع من تشرين الأول 2023 قد أصيب بلوثة مزمنة من العنصرية المجبولة بفاشية المُستكبر، التي لا علاج لها، وبات ينظر إلى مجتمع الداخل الفلسطيني كجزء من التهديد الوجودي، ويتعامل معه بناء على ذلك، ويطالب المعسكرين المتنافسين على تشكيل الحكومة القادمة باستثناء الأحزاب العربية من أية مفاوضات ائتلافية، وتجاهلها تماما، باعتبارها تهديدا ليهودية الدولة أو كونها دولة الشعب اليهودي.

3)
إن “الإنجاز” الوحيد الذي حققته الأحزاب العربية، من خلال حصولها على 19 مقعدا في الكنيست الصهيوني، هو أنها أربكت المشهد السياسي الإسرائيلي. وبدلا من أن تكون هي الحلّ الطبيعي (في دولة طبيعية!!) لتشكيل ائتلاف حكومي بسهولة متناهية، أصبحت هي العقبة التي تعطل تشكيل الحكومة، إذ إن أيًّا من المعسكرين الكبيرين لم يحقق قوة برلمانية تمكنه من تشكيل حكومة صهيونية خالصة دون الاضطرار إلى الشراكة مع أجزاء من المعسكر الآخر. هكذا بقيت الأحزاب العربية خارج اللعبة التي استقتلت طوال الحملة الانتخابية كي تكون داخلها!

4)
حتى هذه اللحظة لا أحد يعرف شكل الحكومة الإسرائيلية القادمة، وما إذا كانت ستشكَّل أصلا، أو إذا ما كان آيزنكوط هو الذي سيشكلها، لكنْ يمكن لقول، بكل تأكيد، إن كل المؤشرات التي تحملها تصريحات قيادات المعسكرين الكبيرين فيها شبه إجماع على استثناء الأحزاب العربية من أن يكون لها أي دور من أي نوع، في تشكيل هذه الحكومة، ومن ثَمّ الشراكة في رسم سياساتها وخطوطها العريضة في المرحلة القادمة. وهكذا نجد أن المؤسسة الإسرائيلية أرادت من أبناء الداخل الفلسطيني أن يمارسوا حقهم في التصويت، لكنها لا ترى لهم دورا في التأثير على سياسات الدولة، أو أن تكون لديهم القدرة على إلزامها باستحقاقات هي في الأصل حقوق تلقائية لكل مواطن.

وفي التالي فإن دور مجموعة سكانية تشكل خُمس القوة الانتخابية ينتهي عند صندوق الانتخابات ليس أكثر. وإن أية محاولة لتجاوز هذا الخط (الأحمر) يشكل خطرا على طابع الدولة اليهودي، ولذلك تجب مواجهته.

هذا ما كان يجب أن تفهمه، وما يجب أن تفهمه الآن قيادات الأحزاب العربية، التي أسهمت من حيث يدري بعضُها، ومن حيث لا يدري بعضُها الآخر، في تجميل قبيح وجه “الديمقراطية الوحيدة في المنطقة”!!
لم تكن هذه الأحزاب (العربية) تعيش وحدها- كأطر سياسية- في أوهام تحقيق الإنجازات، حتى لو كانت على مستوى القضايا اليومية، وإنما غرست هذه الأوهام في أذهان الناس، حتى بات لديهم تصور بأن الصوت في الصندوق يكفي لتحقيق الأهداف، وأن رفع نسبة التصويت واجب وطني يضمن أداؤه مستقبلا مشرقا لمجتمع الداخل!! وحقيقة الأمر أن قيادات الأحزاب الغارقة حتى الأذنين في دهاليز ملعب السياسية الإسرائيلي تعلم هذا جيدا، وتدركه تمام الإدراك، ومع ذلك ما تزال حتى هذه اللحظة تمنّي النفس، وتمنّي الناس بأوهام الشراكة في صنع القرار، وقدمت لأجل ذلك كل الأوراق التي بيدها مجانا، دون أن تحصل حتى على مجرد وعد انتخابي من طرف ما يسمونه “معسكر التغيير” بالنظر في إمكانية البحث لها عن دور ما، مهما كان صغيرا ومتواضعا!!

لقد أعلنت قيادات الموحدة- من طرف واحد- أنها مستعدة لكل شيء، وتنازلت عن كل شيء مسبقا، من أجل أن تكون شريكة في الائتلاف القادم، رغم كل ما سمعته وعاينته من مواقف على لسان قيادات “معسكر التغيير”؛ بدءا من آيزنكوط وليس انتهاء بليبرمان.

كما أعلنت المشتركة – من طرف واحد أيضا- أنها ستشكل شبكة أمان للحكومة القادمة التي سيشكلها معسكر التغيير، دون أن تحصل على وعد واحد أو حتى على تلميح خفيّ بأنه سيكون لها دور في الحكومة القادمة. فماذا يمكن أن نسمّي من يفرّط بأواقه كلها مسبقا، قبل أن يفاوض، أو حتى قبل أن يسمع همسة من الطرف الآخر “تطمئنه” وتمنحه “أملا” ولو كان زائفا؟!

فعلت الموحدة والمشتركة ذلك رغم علمهما بشروط آيزنكوط الأربعة. فإلى أين تريد القائمتان أن تصلا بمجتمع الداخل، إن لم يكن إلى حافة الهاوية؟!

5)
من أجل ذلك، فإنه لو تشكلت ظروف -أراها بعيدة الحدوث- تضطر ما يسمى بـ “معسكر التغيير” الاستعانة بالقائمتين أو بإحداهما، من أجل تجاوز عقبة تشكيل الحكومة القادمة، فستكون القائمتان قد سجلتا خسارة كبيرة، لأنهما لن تحققا ذلك إلا بعد الاستجابة للشروط المذلة التي وضعها آيزنكوط، وبذلك تكون القائمتان قد فكّتا ارتابطهما بقضايا مجتمعهما وشعبهما الفلسطيني إلى الأبد، ولن يعود في استطاعتهما التراجع أو العودة إلى المربع الأول، وستفقدان ثقة الجمهور الذي خرجت غالبيته هذه المرة ليس من أجلهما، ولا إيمانا ببرامجهما السياسية، وإنما بسبب سياسة التخويف من اليمين المتطرف، وطمعًا واهمًا في إمكانية إحداث تغيير حقيقي، بعد حملة مكثفة من التضليل الإعلامي المليء بمزيج من التخويف والترهيب ودغدغة العواطف .

أما إذا بقيت القائمتان خارج لعبة الشراكة، وهذا الأقرب إلى التحقق فيما يبدو من تفاعلات الشارع الإسرائيلي، فإن خسارتهما ستكون أكبر، لأنهما لم تحققا ما وعدتا به، أو ما أوهمتا به جمهور المصوتين، وسيكون فقدان ثقة الجمهور بهما أكبر.

6)
كنت أتمنى أن أكون مثل كثيرين غيري من الذين يملؤُهم الأمل والتفاؤل في إمكانية أن تفيق الأحزاب العربية السادرة في طريق الهاوية إلى الكنيست من غفلتها، وتعود إلى المكان الذي يجب أن تكون فيه، لكنني لا أملك هذا القدر من التفاؤل والأمل، ليقيني، ولما أثبتته التجربة، أن الذي اختار لنفسه، طوال عقود، أن يمارس السياسة في الملعب الخطأ ومع الطرف الخطأ، مقدِّمًا من أجل ذلك أثمانا باهظة، لم يدفعها من “جيبه” الخاص وإنما من “خزينة” مجتمعه على حساب حاضره ومستقبله، يستحيل أن يرجع! وحتى لو أراد ذلك فإنه لن يستطيع، لتوهمه أنه إن لم ينجح الآن، ربما يفعل في جولات قادمة، والأهم من ذلك ليقينه أن بقاءه السياسي مرتبط بحبل سُرّة الكنيست.

7)
نحن الآن، كمجتمع فلسطيني في الداخل، نقف على مفترق طرق خطير. وعلينا أن نقرأ المشهد على حقيقته، دون أوهام، ودون تزوير للواقع، ودون محاولات يائسة لتصوير تحقيق مشاركة 80% من الجمهور في إلقاء أوراق الانتخاب في الصناديق إنجازا تاريخيا يمكن به تحقيق الآمال!

حقيقة المشهد أن “معسكر التغيير” لم يتشكل من أجلنا نحن، ولا لتغيير واقعنا المأساوي نحن، وإنما لتغيير حكومة صهيونية بحكومة صهيونية أخرى.

وحقيقة المشهد أننا منذ النكبة ولغاية الآن، وإلى ما شاء الله، خارج اللعبة، وخارج اعتبارات الأحزاب الصهيونية وأجنداتها.

وحقيقة المشهد أننا بعد أحداث السابع من تشرين الأول 2023، أصبحنا خارج خارج تلك اللعبة، لأن المجتمع الإسرائيلي بكل مستوياته، بات أكثر تطرفا، لكننا في الوقت ذاته لا نغيب عن ناظِري ذلك المجتمع الذي يرقبنا شذرا، بقبضة مضمومة، وبقوائم متحفزة للانقضاض علينا في أية لحظة سانحة!

لذلك علينا أن نعدّل اتجاه بوصلتنا، ونعيده إلى مساره الصحيح، وأن نكون كما يجب أن نكون، بحيث ننهض بأنفسنا، ونعيد لأنفسنا مكانتنا التي اختطفتنا منها لعبة الكنيست، وننظر إلى حاضرنا مستقبلنا من خلال استعادة هويتنا التي تشوشت، وتثبيت انتمائنا الذي زُعزعت أركانه، وتعميق جذورنا التي أضعفتها أوهام صندوق الانتخابات.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى