أخبار عاجلةدين ودنيا

التوكل حالة سلام ونزع للخوف

د. نواعم شبلي جبارين

ليس التوكل مجرد كلمة نرددها حين تضيق بنا السبل، ولا عبارة نلجأ إليها عندما تعجز أيدينا عن تغيير الواقع، بل هو مقام إيماني رفيع، وحالة من السلام الداخلي، يتحرر فيها القلب من أسر الخوف، ويستمد قوته من الثقة بالله، واليقين بحكمته وتدبيره.

إن المتوكل على الله لا يعيش بلا مخاوف، ولكنه لا يسمح لها أن تستوطن روحه، ولا يجعل القلق قائدًا لقراراته؛ لأنه يدرك أن ما كتبه الله له لن يخطئه، وأن تدبير الخالق أوسع من حدود تفكيره، وأرحب من توقعاته.

وقد رسم القرآن الكريم طريق الطمأنينة بقوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3]، وهي آية تختصر فلسفة الأمان بأكملها؛ فمن كان الله كافيه، فماذا يخشى؟ ومن أسند أمره إلى خالق الأسباب، كيف يستسلم لقلق المجهول؟

والتوكل ليس انسحابًا من الحياة، ولا تبريرًا للكسل وانتظار النتائج دون سعي، بل هو توازن دقيق بين العمل والتسليم؛ أن تبذل أقصى ما تستطيع، وتأخذ بالأسباب، وتخطط بعقل واعٍ، ثم تترك النتائج لله بقلب مطمئن، دون أن تستنزف روحك في محاولة السيطرة على ما لا تملك.

وقد جسّد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في قوله: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز» رواه مسلم. ففي الحديث دعوة واضحة إلى الجمع بين المبادرة العملية والاستعانة بالله، وبين قوة الإرادة وسلامة القلب.

إن أجمل ما يمنحه التوكل للإنسان أنه يحرره من عبودية الاحتمالات؛ فلا يظل أسير سؤال: ماذا لو فشلت؟ وماذا لو خسرت؟ وماذا لو لم تأتِ الأمور كما أريد؟ بل يتعلم أن المستقبل ليس مسؤولية قلبه وحده، وأن عليه أن يعمل بإخلاص، ويترك ما وراء قدرته لمن بيده ملكوت كل شيء.

والخوف حين يتجاوز حدوده يصبح سجنًا غير مرئي، يحرم الإنسان لذة الحاضر، ويجعله يعيش أوجاع أحداث لم تقع بعد. أما التوكل فيعيد ترتيب الداخل، ويمنح العقل مساحة للتفكير، والقلب فسحة للسكينة، والنفس شجاعة لمواجهة تقلبات الحياة.

وليس معنى التوكل أن تكون الطرق دائمًا ممهدة، أو أن تخلو الحياة من الابتلاءات، بل أن تمتلك يقينًا لا تهزمه العثرات، وإيمانًا يجعلك ترى في كل تأخير حكمة محتملة، وفي كل منع لطفًا قد لا تدركه في حينه.

ومن أعمق صور التوكل أن تطمئن وأنت تنتظر، وتصبر وأنت لا تفهم، وتمضي رغم غياب الضمانات البشرية؛ لأنك تعلم أن الله لا يغيب عنه وجعك، ولا تخفى عليه حاجتك، وأن رحمته أوسع من ضيق اللحظة.

فلنُحسن التوكل، ولنُخفف عن قلوبنا أثقال التدبير المرهق، ولنُدرك أن السلام الحقيقي لا يأتي من امتلاك كل الإجابات، بل من الثقة بمن يعلم ما كان وما سيكون. فحين يستقر اليقين في القلب، يتراجع الخوف، ويصبح الإنسان أكثر اتزانًا في مواجهة الحياة.

إن التوكل ليس أن تعرف كيف ستُحلّ الأمور، بل أن تثق بمن يدبّرها، حتى وإن لم تعرف كيف.

فطوبى لقلب أخذ بالأسباب، واستعان برب الأسباب، وسار في دروب الحياة مطمئنًا؛ لا لأن الطريق خالٍ من العواصف، بل لأنه يعلم أن له ربًا لا يعجزه شيء، وأن معية الله أعظم أمان، وأن حسن التوكل هو سلام الروح حين تضطرب من حولها الأشياء.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى