أفراحنا، مناسباتنا.. هل أصبحت ميدان تنافس وساحة استعراض؟
ليلى غليون
سبق وتحدثنا عن هذا الموضوع، وتحدث فيه غيرنا وأفاضوا فيه واستفاضوا، إنها أفراحنا ومناسباتنا الاجتماعية على اختلافها وأنواعها وما يرافقها في كثير من الأحيان من مبالغة في الإنفاق وتكلف ومظاهر وشكليات تتجاوز حدود المعقول، إنها قضية تستحق أن نتحدث عنها مرارًا، ولا يكفي أن نتحدث عنها مرة واحدة، فهي لن تنتهي بانتهاء المقال، ولن تتغير بمجرد أن نقول رأينا فيها، لذا نعود إليها لا لنكرر ما قيل، بل لنسأل أنفسنا بصراحة: لماذا تحولت معظم مناسباتنا من فرحة تجمع الناس إلى سباق في المظاهر، ولماذا أصبح البذخ معيارًا لنجاح هذه المناسبات حتى لو لم تكن هناك حاجة لهذا البذخ وهذا التكلف؟
فما أجمل المناسبات، فهي ملتقى الأهل والأقارب والأصحاب، وفيها صلة للرحم وإدخال السرور والفرح إلى القلوب، فالأعراس والعزائم وأيام الميلاد، وغيرها من المناسبات، جزء جميل من حياتنا، تكتمل به فرحتنا وتقوى به روابطنا الاجتماعية، لكن أن تتحول هذه المناسبات من فرحة تجمع الناس إلى منافسة تستنزفهم، ليستوجب عليهم إنفاق المبالغ الطائلة فقط ليستشعروا أنهم أقاموا مناسبة “على مستوى عال”، أو أن يصبح تقييم المناسبة مرتبطُا بفخامة المكان، وكثرة الطعام، وحجم المظاهر… فهنا يجب علينا التوقف…
نعم… لقد أصبح الإسراف في المناسبات ظاهرة تستحق أن نقف عندها طويلًا، ففي الأعراس مثلًا قد يصل ثمن فستان العروس إلى مبلغ خيالي، وتُدفع أجور باهظة لمطرب لإحياء العرس، وقد تتضاعف تكاليف القاعة والديكور والتصوير والطعام، ناهيك عن مصاريف الليالي الملاح التي تسبق يوم العرس، حتى يصبح مجموع هذه المصاريف أكبر بكثير من قدرة الأسرة الحقيقية، وليس السؤال هنا: هل يحق للناس أن يفرحوا؟ بالتأكيد يحق لهم، ولكن السؤال: هل من المعقول أن يدفعوا فوق طاقتهم ثم يحملون آثار ذلك الانفاق شهورًا وربما سنين؟
إن الواقع اليوم يحكي وبكل أسف، أننا لا نعيش مناسباتنا لأنفسنا، بل نعيشها لعيون الناس، نشتري ما لا نحتاج إليه، ونقيم ما لا نستطيع تحمله، ونبالغ فيما لا يستحق، ثم تنتهي المناسبة ويعود كل شيء إلى طبيعته… لكن الفواتير والديون تبقى تدق في أعصابنا وتؤرق ليلنا، والأمر لا يقتصر على الأعراس فقط، ففي العزائم، قد نعد من الطعام أضعاف ما يحتاجه الضيوف، ثم ينتهي جزء كبير منه إلى النفايات، وفي أيام الميلاد، تتحول هذه المناسبة البسيطة إلى سباق في قيمة الهدايا وحجم الحفلات والزينة والتصوير…، وهكذا في كل مناسبة، قد يبدأ الأمر بفكرة جميلة: ” نريد أن نفرح” ثم ينتهي بمنافسة غير معلنة: من أقام حفلًا أكبر؟… وحقيقة الفرح أبسط من ذلك بكثير.
قد يقول قائل: إنها مناسبة العمر… نعم إنها مناسبة العمر، ومن حق الإنسان أن يفرح بها، وأن يحتفل، وأن يشارك فرحته مع من يحب، لكن، هل الفرح يحتاج لكل هذا البذخ؟ وهل يجب علينا أن ننفق مبالغ خيالية حتى نشعر بالفرح، أم يا ترى من أجل أن نسمع في نهاية الحفل كلمات الإعجاب: “ما شاء الله، شوفوا شو عملوا، شوفوا كم دفعوا”؟
في الماضي كان العرس يومًا يفرح به العروسان وأهلهما والأقارب والأصحاب ربما أهل القرية كلها، واليوم أصبح العرس عند الكثيرين مشروعًا لإبهار الناس ولو كلف ذلك ثروة، بالأمس كانت البساطة تصنع فرحة لا تنسى، واليوم تصرف أموال طائلة على ساعات معدودة، كانت الأعراس مناسبة للفرح ولم الشمل، ولقاء الأحبة والأقارب والأصحاب والدعاء للعروسين ببداية حياة مباركة، واليوم تحولت كثير من مناسبات الأفراح إلى مسرح كبير للمظاهر والشكليات وساحة للمنافسة، وسباق مفتوح: من يدفع أكثر، من يلبس أغلى، من يحضر أشهر مطرب، من يقيم حفلًا يتحدث الناس عنه، من… من… من…؟
فبين عرس الأمس وعرس اليوم مسافة كبيرة جدًا، فساتين فرح قد يصل ثمنها إلى أرقام جنونية، ومطربون يحيون هذه الأعراس بأجور باهظة، سباق في القاعات والديكورات، والتصوير وكل ما يحيط بالعرس من مظاهر، ومع ذلك يبقى السؤال قائمًا، ربما أصبح أكثر إلحاحًا: هل كل هذا الإنفاق ضروري للفرح، أم أننا فعلًا دخلنا في منافسة عنوانها: “من يقيم العرس الأضخم والأكثر تكلفة”، والسؤال الأكبر: هل هذه السلوكيات في أعراسنا اليوم، فعلًا من أجل أن نفرح، أم نبتغي من خلالها الإعجاب في عيون الآخرين؟ (وليس المقصود في هذا الطرح العودة إلى عرس الأمس، ولكن أن تتحول هذه المناسبة من مناسبة للفرح إلى ساحة للمنافسة والاستعراض).
قد يقول قائل: أين المشكلة إذا كان أصحاب الفرح من ذوي النعمة وميسوري الحال، فهم قادرون، والمال مالهم، ومن حقهم أن يفرحوا، نعم من حقهم أن يفرحوا بما رزقهم الله ما دام في حدود المباح، ولكن القضية ليست في القدرة على الدفع والإنفاق، بل في ثقافة المبالغة والاستعراض التي تجعل من الإنفاق غاية بحد ذاته، فحتى لو كان يملك الملايين، فهل هذا يبرر الإسراف؟ وهل امتلاك المال يجعل كل هذا البذخ مقبولًا؟ هل يعقل أن يدفع ثروة من أجل ليلة واحدة أو ليلتين… فقط لكي يقال: كان عرسًا لا يُنسى، أو من أجل أن يقال إن عرس فلان ليس أقل من عرس علان؟
فهنا تختبئ خلف كثير من هذه المظاهر عبارة غير معلنة لكنها حاضرة بقوة في المشهد: “شوفوني يا ناس”… “شوفوا الفستان اللي ثمنه مبلغ وقدره”… “شوفوا فخامة القاعة”… “شوفوا المطرب”… “شوفوا الزينة”… “شوفوا الأكل والتحضيرات”… “شوفوا كم أنفقنا” “شوفو… شوفوا…”.
فعلًا، سينظر الناس وربما ينبهرون بكل هذه المشاهد، لكنهم لا يلبثون إلا أن يعودوا أدراجهم وينشغلون بشئونهم ومصالحهم وينسون، وستنطفئ الأضواء، وسينتهي العرس، ويعود المطرب إلى بيته بجيوب فاضت مما فيها من أموال، ويعود الفستان إلى المحل الذي تم استئجاره منه بالمبلغ الخيالي، وتنتهي الصورة والضجة لتبدأ بعدها الحياة الحقيقية.
ليست المشكلة في الجمال ولا في الأناقة ولا في أن يكون الفرح جميلًا ومميزًا، إن المشكلة تكمن حين يتحول التميز إلى استعراض، والاستعراض إلى إسراف، والإسراف إلى معيار اجتماعي يجبر الآخرين على محاكاته وتقليده. فكم من أسرة دفعت أكثر مما تحتمل حتى لا تبدو أقل من غيرها، وكم من شاب بدأ حياته الزوجية مثقلًا بالديون لأن ليلة واحدة وهي ليلة فرحه، يجب أن تكون: “على أعلى المستويات”، وكم من عروس كان شغلها الشاغل: ماذا سيقول الناس عن فستاني؟ عن مكياجي، عن القاعة؟ عن الحفل؟ عن الأكل والتشريفات وغيرها…
إننا بحاجة إلى ترتيب أولوياتنا، بحاجة أن نعيد تعريف معنى الفرح الحقيقي، الذي أصبح معناه في الغالب محصورًا في المظاهر.
فليس عيبًا أن تكون مناسبتك أبسط من مناسبة غيرك، وليس عيبًا أن يكون فستانك أقل ثمنًا من فستان غيرك، وليس عيبًا أن تكون مائدتك متواضعة لكنها كافية، ولا هو منقصة في حقك أن تقول: هذا ما أستطيع وهذا ما يناسبني.
فليس أجمل فرح ولا أسعده ذاك الذي كلف أكثر، ولا أسعد عروس تلك التي ارتدت أغلى فستان، ولا أنجح عرس ذاك الذي جعل الناس يتحدثون عنه، ففي النهاية ستنطفئ الأضواء كما أسلفنا، وستصبح تلك الليلة مجرد ذكرى في حياة طويلة، وعندها يهدأ كل شيء، لن يبقى الفستان الأغلى هو الذي يصنع السعادة، ولن تبقى القاعة الأفخم ولا صوت المطرب هو الذي يرسي السكينة في البيت، الفستان سيخلع، والأغاني ستنتهي، والطعام سيؤكل أو يًهدر، والزينة ستزال، والناس الذين انبهروا للحظات سيعودون لحياتهم وينسون كل تلك التفاصيل، الذي سيبقى هو الحياة التي بدأت لتوها بعد كل هذا الاستعراض.
فالفرح الحقيقي لا يحتاج إلى أن نقول للناس: “انظروا إلينا” يكفي أن تكون قلوبنا تنبض بالفرح وتقول: “الحمد لله على هذه النعمة… إننا سعداء”، الفرح الحقيقي حين نلتقي بمن نحب، حين نُكرم دون تكلف، حين تضحك القلوب وتسعد، حين يشعر أصحاب المناسبة بعد أن تنتهي المناسبة بالراحة بدل قلق الديون، حين تبدأ الأسرة الجديدة حياتها على بركة الله تعالى وبتوفيق من الله تعالى. فلنجعل من كل مناسباتنا ميدانًا للفرح الحقيقي لا ميدانًا للتباهي والاستعراض والمنافسة.
