الشعور يفوق العطاء
د. نواعم شبلي جبارين
ليس كل عطاءٍ يُقاس بما تحمله الأيدي، ولا كل كرمٍ يُوزن بما يُقدَّم من مالٍ أو هدايا أو خدمات؛ فهناك عطاءٌ آخر أكثر عمقًا، وأشد أثرًا، وأبقى في الذاكرة… إنه عطاء الشعور.
قد يمنحك إنسانٌ شيئًا ثمينًا، فتشكره وتنتهي الحكاية، وقد يمنحك آخر شعورًا صادقًا بالاهتمام، فيبقى أثره في قلبك سنوات طويلة. فالإنسان، مهما امتلك من قوةٍ واستقلالٍ وقدرةٍ على مواجهة الحياة، يبقى محتاجًا إلى قلبٍ يشعر به، وإلى روحٍ تلتفت إلى تفاصيله، وإلى كلمةٍ تأتي في الوقت الذي يحتاجها فيه.
إن أجمل ما يمكن أن نقدمه للآخرين ليس دائمًا ما نملكه في أيدينا، بل ما نحمله في قلوبنا. أن تشعر بحزن إنسان قبل أن يطلب منك المواساة، وأن تلاحظ تعبه دون أن يشرح لك، وأن تسأل عنه لأن غيابه أثار في نفسك سؤالًا، لا لأن الواجب الاجتماعي فرض عليك السؤال.
الشعور الحقيقي لا يحتاج إلى مناسبة، ولا إلى دعوة، ولا إلى تذكير.
إنه ذلك النبض الإنساني الذي يجعلنا نلتفت إلى بعضنا بعضًا، فنرى خلف الابتسامات حكاياتٍ قد تكون مؤلمة، وخلف الصمت كلماتٍ لم تجد طريقها إلى الخروج.
كم من إنسانٍ كان بحاجة إلى كلمةٍ بسيطة، ولكن أحدًا لم يشعر به!
وكم من قلبٍ أثقله الحزن، ولم يكن يريد من الدنيا كلها سوى شخصٍ يقول له: أنا هنا… أشعر بك.
إن العطاء المادي قد يسد حاجةً مؤقتة، أما العطاء الشعوري فيلامس أعماق الإنسان. قد تعطي الفقير مالًا فتخفف عنه ضيقًا، ولكنك حين تمنحه احترامك وكرامتك وابتسامتك، تكون قد أعطيته شيئًا لا يُشترى بالمال.
وهكذا هي الحياة؛ ليست قيمتنا فيما نقدمه فقط، بل في الطريقة التي نقدم بها ما نملك. فقد تكون الهدية صغيرة، ولكن الشعور الذي يرافقها كبير. وقد تكون الكلمات قليلة، لكن صدقها يجعلها أعظم من خطبٍ طويلة.
إن أجمل الناس ليسوا أولئك الذين يملكون الكثير ليعطوا، بل أولئك الذين يملكون قلوبًا تعرف كيف تشعر. فالشخص الذي يتذكر تفاصيلك الصغيرة، ويسأل عنك في غيابك، ويفرح لفرحك، ويحزن لحزنك، هو شخصٌ منحك من ذاته شيئًا عظيمًا.
وفي زمنٍ أصبحت فيه العلاقات سريعة، والكلمات كثيرة، والمشاعر أحيانًا قليلة، أصبح الشعور الصادق عملةً نادرة. نحتاج اليوم إلى أن نتعلم كيف نكون أكثر إنسانية، وأكثر انتباهًا لمن حولنا، وأقل انشغالًا بأنفسنا.
ليس المطلوب أن نحمل هموم العالم فوق أكتافنا، ولكن المطلوب ألا نمرّ بجانب إنسانٍ منكسر وكأننا لم نرَ شيئًا. أن نكون لطفاء، وأن نترك في حياة الآخرين أثرًا جميلًا، وأن ندرك أن كلمةً طيبة قد تُنقذ روحًا من اليأس، وأن سؤالًا صادقًا قد يعيد إلى إنسانٍ شعوره بأنه ليس وحيدًا.
إن الشعور يفوق العطاء؛ لأن العطاء قد يأتي من الوفرة، أما الشعور فيأتي من صدق القلب. قد يعطي الإنسان لأنه قادر، لكنه لا يشعر إلا إذا كان إنسانًا حقيقيًا يحمل في داخله رحمةً ومحبةً وإحساسًا بالآخرين.
فلنحرص على أن تكون قلوبنا حاضرةً في علاقاتنا، وأن لا نكتفي بالسؤال العابر، ولا بالمجاملات الباردة. ولنجعل من اهتمامنا بالآخرين لغةً صادقة، ومن مشاعرنا جسورًا نعبر بها إلى قلوبهم. فربما لن يتذكر الناس كل ما أعطيناه لهم، ولكنهم بالتأكيد سيتذكرون كيف جعلناهم يشعرون.
وفي نهاية الأمر، يبقى أجمل عطاءٍ هو أن تمنح إنسانًا شعورًا بالأمان، وأن تقول له دون كلمات: أنا أراك، أنا أشعر بك، ولست وحدك في هذه الحياة.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للإنسان… فليس العظيم من يعطي كثيرًا فحسب، بل من يشعر بصدق، ويمنح قلبه قبل أن يمنح يده.
