تفكيك مصطلح “الإسلام السياسي” (3) من أين جاء، ولماذا نحتاج إلى تفكيكه؟
ساهر غزاوي
من الأهمية بمكان الإشارة بداية إلى أن المصطلحات لا تولد في فراغ، ولا تكون دائمًا مجرد أسماء محايدة نصف بها الأشياء. فهي تظهر في سياقات فكرية وتاريخية معينة، ثم قد تتغير دلالاتها ووظائفها مع مرور الوقت. ومصطلح “الإسلام السياسي” ليس استثناءً.
فمن أين جاء هذا المصطلح؟ ولماذا شاع استخدامه؟ وما الذي يفترضه عن العلاقة بين الإسلام والسياسة؟ وإذا كنا نرفضه أو نراه مختزلًا، فما البديل؟
ليس من الدقة نسبة المصطلح إلى شخص واحد والقول إنه “اخترعه” في لحظة محددة. فقد استخدمت تسميات مختلفة لوصف الحركات الإسلامية الحديثة، مثل “الأصولية الإسلامية” و”الصحوة الإسلامية” و”الإحياء الإسلامي” و”الإسلاموية” (Islamism). لكن تعبير Political Islam اكتسب حضورًا متزايدًا في الأدبيات الغربية خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين، ويُعد كتاب الباحث الأميركي مارتن كرامر “الإسلام السياسي”، الصادر عام 1980، من الاستخدامات الأكاديمية المبكرة المعروفة للمصطلح، قبل أن يتسع تداوله في الثمانينيات والتسعينيات.
ولم يكن ذلك منفصلًا عن السياق التاريخي. فقد راكمت الحركات الإسلامية حضورًا اجتماعيًا وسياسيًا منذ عقود، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست عام 1928، ثم شهدت السبعينيات تصاعدًا في حضور التيارات الإسلامية، وجاءت الثورة الإيرانية عام 1979 لتزيد اهتمام الباحثين وصناع القرار في الغرب بالعلاقة بين الإسلام والدولة والسلطة، وتعزز ذلك لاحقًا مع صعود حركات وأحزاب إسلامية في بلدان مختلفة.
كان هناك، إذن، واقع يحتاج إلى الدراسة والتفسير. وكما أشرت في المقال السابق، فإن نقد المصطلح لا يعني إنكار الظاهرة التي حاول الباحثون وصفها. ومن هذه الزاوية يمكن فهم استخدام بعض الباحثين لـ”الإسلام السياسي” أداةً لوصف الحركات والتنظيمات التي تستند إلى المرجعية الإسلامية في مواقفها من الدولة والسلطة والمجتمع.
لكن هذه ليست القصة كلها.
فالمصطلحات لا تُستخدم دائمًا بالمعنى نفسه أو للغرض نفسه. وإذا كان بعض الباحثين قد استخدم مصطلح “الإسلام السياسي” للتحليل والوصف، فقد استُخدم أيضًا في سياقات فكرية وسياسية وإعلامية بقصد الفصل بين الإسلام والسياسة، وتكريس تصور يحصر الإسلام في المجال التعبدي والشخصي، ويرى أن انتقاله إلى الشأن العام وقضايا الدولة والمجتمع والسلطة يحوله إلى “إسلام سياسي”.
وهنا تكمن المشكلة الجوهرية في المصطلح، وهي من الأسباب الأساسية التي تجعلني أرفض استخدامه في وصف الإسلام نفسه. فهو قد يحمل في تركيبه افتراضًا بأن هناك إسلامًا “عاديًا” أو “طبيعيًا” لا علاقة له بالسياسة، ثم إسلامًا آخر يصبح “سياسيًا” عندما يتناول الدولة والسلطة والشأن العام.
وهذا هو موضع الخلل. فالسياسة ليست جسمًا غريبًا أُدخل على الإسلام حتى نحتاج إلى وصف الإسلام الذي يتناولها بأنه “إسلام سياسي”. فإذا كانت السياسة، بمعناها الواسع المتعلق بإدارة الشأن العام والسلطة والعدل وتنظيم شؤون المجتمع، جزءًا من التصور الإسلامي للحياة إلى جانب العبادة والأخلاق والأسرة والاقتصاد والاجتماع، فإن حضورها لا ينتج نوعًا جديدًا من الإسلام، كما أن تناول الإسلام للاقتصاد لا يصنع “إسلامًا اقتصاديًا”، واهتمامه بالمجتمع لا يصنع “إسلامًا اجتماعيًا”.
لذلك، فإن الاعتراض على المصطلح ليس مجرد اعتراض لغوي، ولا لأنه جاء من خارج الحركات الإسلامية فحسب، وإنما على ما يمكن أن يكرسه من تصور بأن الإسلام في أصله منفصل عن السياسة. فالنقاش هنا هو، في أحد أبعاده الأساسية، نقاش حول موقع السياسة من الإسلام وموقع الإسلام من السياسة.
ومن هذا المنطلق، فإن إعادة الاعتبار للسياسة في الإسلام وللمرجعية الإسلامية في السياسة ليست دفاعًا عن حزب أو جماعة بعينها، وإنما رفض لفكرة حصر الإسلام في العبادات والأخلاق والحياة الفردية. ولذلك، لا يكمن الحل في التطبيع مع المصطلح ومحاولة تحسين تعريفه، بل في مساءلته ورفضه عندما يُستخدم لوصف الإسلام نفسه أو تقسيمه إلى “إسلامات” بحسب مجالات حضوره. أما الحركات والأحزاب، فيمكن وصف ممارساتها السياسية وتصنيفها بصورة أكثر دقة، من دون إعادة تعريف الإسلام نفسه على أساس أحد مجالاته.
ولعل هذا يساعد أيضًا في فهم التركيز الكبير على التيارات الإسلامية التي تمارس السياسة. فقد كانت هذه التيارات، ولا تزال في مجتمعات كثيرة، من أبرز القوى المنظمة والفاعلة التي تصر على حضور المرجعية الإسلامية في المجال العام. ولذلك كانت موضوعًا للبحث والنقد، لكنها كانت أيضًا هدفًا للهجوم السياسي والفكري والأمني في سياقات مختلفة.
ولا يعني ذلك أن كل من يستخدم مصطلح “الإسلام السياسي” ينطلق من الدافع نفسه. فهناك من يستخدمه أداة أكاديمية لوصف ظاهرة محددة، لكن هناك أيضًا من يستخدمه عن وعي ضمن خطاب يسعى إلى الفصل بين الإسلام والسياسة أو نزع الشرعية عن حضور المرجعية الإسلامية في المجال السياسي. ولا ينبغي تجاهل هذا الاستخدام الأخير بدعوى أن للمصطلح استخدامات أكاديمية.
كما أن المصطلح لم يبق حبيس الدراسات الأكاديمية، بل انتقل إلى الإعلام والخطاب السياسي ومراكز الأبحاث وصناعة السياسات، واتسعت دلالته حتى أصبح يشمل، بحسب المستخدم، أحزابًا انتخابية وحركات دعوية وسياسية وحركات مقاومة، بل وحتى جماعات شيعية مختلفة. وتداخل كذلك مع مصطلح “الإسلاموية” (Islamism)، الذي يستخدمه بعض الباحثين بصورة مقاربة، بينما يميز آخرون بينهما. وكلما اتسعت هذه المظلة، أصبح السؤال عن دقة المصطلح أكثر إلحاحًا.
لكن رفض مصطلح “الإسلام السياسي” يضع منتقديه، ومن بينهم الإسلاميون أنفسهم، أمام سؤال مهم حول البديل الذي يمكن تقديمه إذا كان هذا المصطلح مختزلًا أو غير دقيق.
لا يكفي رفض المصطلحات التي ينتجها الآخرون ثم ترك مهمة التعريف والتصنيف لهم. وصحيح أن الإسلاميين استخدموا مصطلحات مثل “الحركة الإسلامية” و”الصحوة الإسلامية” و”العمل الإسلامي” و”الدعوة” و”المشروع الإسلامي” و”التيار الإسلامي”، لكن يبقى السؤال عن مدى قدرة هذه المصطلحات على التمييز بين تجارب شديدة الاختلاف، كحزب ذي مرجعية إسلامية يشارك في الانتخابات والحكومات، وحركة دعوية وتربوية، وحركة مقاومة، وتيار يرفض المشاركة السياسية أصلًا.
لذلك، ربما لا يكون المطلوب البحث عن مصطلح جامع جديد يحل محل “الإسلام السياسي”، بل التأكيد أولًا أن السياسة جزء أصيل من التصور الإسلامي للشأن العام، ثم استخدام أوصاف أكثر دقة لكل تجربة، مثل “حركة إسلامية دعوية”، و”حزب ذو مرجعية إسلامية”، و”حركة إسلامية ذات نشاط سياسي”، و”حركة مقاومة ذات مرجعية إسلامية”. وهذا يقود إلى سؤال أبعد حول حاجتنا أصلًا إلى مصطلح واحد يجمع كل هذه التجارب لمجرد اشتراكها في المرجعية الإسلامية.
وفي ختام هذه المقالات الثلاثة، يمكن تلخيص الموقف في أن الاعتراض على مصطلح “الإسلام السياسي” لا يعني إنكار وجود حركات إسلامية تمارس السياسة، وإنما رفض تحويل أحد مجالات الإسلام إلى صفة تعيد تعريفه، ورفض اختزال تجارب إسلامية شديدة التنوع تحت عنوان واحد. وفي المقابل، يضع هذا الاعتراض على الإسلاميين مسؤولية تقديم مفاهيم وتوصيفات أكثر دقة لتجاربهم واختلافاتهم. فالأولى أن نسمي كل حركة بما هي عليه، وأن نفهم الإسلام في شموله، بدل أن نعيد تعريفه من خلال أحد مجالاته.
