همس الغريب
د. نواعم شبلي جبارين
ليس كل غريبٍ عابرًا، وليس كل من ابتعد عن المكان قد ابتعد عن الذاكرة. فالغربة ليست دائمًا مسافةً تُقاس بالكيلومترات، بل قد تكون شعورًا يسكن القلب، ويكبر في صمت، حتى يصبح الإنسان غريبًا وهو بين أهله، ووحيدًا وهو في قلب الزحام.
همس الغريب ليس صوتًا مرتفعًا يطالب بأن يُسمَع، بل نبرة خافتة تختبئ خلف ابتسامة، ونظرة طويلة، وصمتٍ يحمل من الكلام ما تعجز عنه الحروف. هو ذلك الشعور الذي لا يجد له صاحبه منفذًا، فيكتفي بأن يهمس لنفسه: ليت أحدًا يفهمني دون أن أضطر إلى شرح كل هذا التعب.
الغريب لا يبحث دائمًا عن وطنٍ جديد، بل يبحث عن مكان يشعر فيه أنه ليس مضطرًا إلى ارتداء قناعٍ كي يُقبَل. يبحث عن قلبٍ آمن، وعن إنسانٍ لا يسأله كثيرًا لماذا صمت، ولا يحاسبه على انطفائه، ولا يطالبه بأن يكون قويًا طوال الوقت.
وقد تكون أقسى أنواع الغربة أن تعيش بين أشخاص يعرفون اسمك، لكنهم لا يعرفون وجعك؛ يرون ملامحك، ولا يرون ما خلفها؛ يسمعون كلماتك، ولا يسمعون ما بين الكلمات.
كم من إنسانٍ يمشي بيننا حاملاً وطنًا مكسورًا في داخله! وكم من شخصٍ يضحك كثيرًا لأن البكاء أصبح أثقل من أن يحتمله! وكم من روحٍ تبدو مطمئنة، بينما تخوض في أعماقها معارك لا يعلم بها أحد!
إن الغريب الحقيقي ليس من فقد المكان، وإنما من فقد الإحساس بالانتماء. فالإنسان يستطيع أن يتأقلم مع شارع جديد، وبيت جديد، ومدينة جديدة، لكنه يصعب عليه أن يتأقلم مع شعورٍ دائم بأنه زائد عن الحاجة، أو غير مرغوب فيه، أو غير مفهوم.
ولذلك، فإن أجمل ما يمكن أن نقدمه للغريب ليس كثرة الأسئلة، وإنما قليل من الاحتواء. ليست النصائح دائمًا علاجًا، ولا الكلمات الكثيرة مواساة. أحيانًا يكون أجمل العطاء أن نجلس إلى جوار شخصٍ متعب دون أن نطالبه بالكلام.
أن نقول له بنظرة صادقة: أنا هنا، ولا تحتاج إلى أن تشرح كل شيء.
فالقلوب المتعبة لا تحتاج دائمًا إلى من يصلحها؛ أحيانًا تحتاج فقط إلى من لا يزيد كسرها.
والغربة، في وجهها الآخر، قد تكون مدرسة عميقة في معرفة النفس. فحين يبتعد الإنسان عن المألوف، يبدأ باكتشاف ذاته بعيدًا عن الأدوار التي اعتاد أن يؤديها أمام الآخرين. يتعلم أن قيمته لا تتوقف على تصفيق الناس، وأن وجوده لا يصبح أقل أهمية لأن أحدًا لم يلتفت إليه.
وقد يكون في الغربة درسٌ لا تمنحه الإقامة الطويلة في الأماكن المألوفة: أن نعرف قيمة الأشياء بعد أن نفقد قربها، وأن نكتشف معنى الرفقة حين نحتاج إليها، وأن ندرك أن بعض الوجوه كانت وطنًا دون أن نشعر.
لكن ثمة غربةً أشد قسوة من غربة المكان؛ إنها غربة الروح.
أن تتغير من الداخل بينما يظن الجميع أنك ما زلت الشخص نفسه. أن تتبدل أولوياتك، وتتغير نظرتك إلى الحياة، وتصبح الأشياء التي كانت تملأ قلبك بالأمس عاجزة عن تحريك شيء فيك اليوم.
وهنا يبدأ همسٌ آخر…
همس الإنسان مع نفسه.
ماذا أريد؟ إلى أين أمضي؟ هل ما أعيشه يشبه ما كنت أحلم به؟ وهل الطريق الذي أسلكه هو طريقي حقًا؟
هذه الأسئلة ليست ضعفًا، بل قد تكون بداية النضج. فالإنسان لا ينضج فقط بما يربحه، وإنما أيضًا بما يخسره، وبالأسئلة التي يجرؤ على مواجهتها في وحدته.
ولعل أجمل ما في الإنسان أنه قادر على أن يبدأ من جديد، حتى بعد أن يشعر أن كل شيء انتهى. فالغريب قد يجد وطنه في كلمة، وقد يجد الأمان في موقف، وقد يجد الطمأنينة في شخصٍ صادق، وقد يجد نفسه بعد سنوات من البحث عنها.
لذلك، لا تستهينوا بالغرباء من حولكم.
قد يكون الجالس بصمت إلى جواركم بحاجة إلى كلمة، وقد يكون الذي يبتسم لكم يخفي حكاية طويلة من الألم، وقد يكون العابر الذي لا تعرفون اسمه يحمل في صدره أمنية واحدة: أن يشعر بأنه ليس وحده.
كونوا رحماء بالقلوب التي لا تتحدث كثيرًا. فليس كل صامتٍ بخير، وليس كل مبتسمٍ سعيدًا، وليس كل قويٍ بلا وجع.
وفي عالمٍ ازدحمت فيه الأصوات، أصبح الإنصات فضيلة نادرة. وربما كان أجمل ما نستطيع أن نقدمه لإنسانٍ غريب أن نسمع همسه قبل أن يتحول إلى صرخة، وأن نمنحه شعورًا بسيطًا لكنه عظيم: أنك لست غريبًا هنا.
فبعض الأوطان ليست جغرافيا، وبعض المرافئ ليست أماكن، وبعض الأمان لا يُبنى بالحجارة، بل بقلبٍ يعرف كيف يحتضن قلبًا آخر.
وفي النهاية، ربما كلنا غرباء بطريقة ما؛ نبحث عن مكانٍ يشبه أرواحنا، وعن إنسانٍ يفهم صمتنا، وعن لحظةٍ نشعر فيها أن الحياة، رغم كل ما فيها، ما زالت قادرة على أن تمنحنا دفئًا يشبه الوطن.
فإذا مرّ بك غريب، فلا تكتفِ بأن تراه… حاول أن تسمع همسه.
فربما كان يحمل في صمته حكايةً لو سُمعت، لتغيّر في قلبك شيءٌ كثير.
