باب المندب… المعركة البرية التحدي الأصعب للحوثيين في المخا

لا تنحصر الأهمية الاستراتيجية لمضيق باب المندب في أبعاده الاقتصادية والجيوسياسية بوصفه أحد أهم الممرات المائية وشرياناً تجارياً هاماً فحسب، بل تتعداها إلى الأهمية العسكرية التي من شأنها حسم الصراع بين القوات الحكومية ومسلحي جماعة الحوثيين، حيث باتت معركة السيطرة على امتداد الساحل الغربي، بدءاً من بوابة باب المندب الاستراتيجية، مروراً بمدينة وميناء المخا، وصولاً إلى معاقل محافظة الحديدة، بمثابة “شوكة الميزان” الكفيلة بحسم الصراع العسكري في اليمن من الناحية النظرية والعملية.
ووسط هذا المشهد، تتوالى الاستهدافات المكثفة والممنهجة التي تشنها جماعة الحوثيين بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة لتطاول مدينة وميناء المخا ومحيطها الحيوي، متزامنة مع تحركات ميدانية دؤوبة ومستميتة للجماعة لإحداث اختراق يهدف للاقتراب من مناطق التماس المطلة مباشرة على الممر المائي الدولي. وكانت جماعة الحوثيين صعدت، أول من أمس الخميس، هجماتها، إذ قصفت بالصواريخ الباليستية جزراً مطلة على خطوط الملاحة البحرية في البحر الأحمر، فيما أعلنت بحرية “المقاومة الوطنية” التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، إسقاط طائرة مسيّرة تابعة للجماعة في البحر الأحمر. يأتي ذلك غداة استهداف الجماعة مساء الأربعاء الماضي، ميناء المخا غربي محافظة تعز بثلاثة صواريخ باليستية.
هذا التصعيد النوعي يعكس تحولاً خطيراً في طبيعة العمليات العسكرية، إذ لم يعد الأمر يقتصر على هجمات بحرية عابرة تستهدف خطوط الملاحة الدولية في باب المندب فحسب، بل امتدت لتستهدف المركز الحيوي وقلب الإدارة العسكرية واللوجستية للساحل الغربي، مما يضع مراقبين وصناع القرار أمام سؤال محوري مفاده: هل يمتلك الحوثيون القدرة الميدانية الفعلية على اجتياح باب المندب والمخا والسيطرة عليهما، أم أن هذا التصعيد لا يعدو كونه ورقة ضغط ناري واستراتيجي متقدم لفرض معادلات جديدة على طاولة الصراع والتسويات الإقليمية؟
قراءة الواقع الميداني وتوازنات القوى على الأرض تفكك هذه التهديدات وتكشف عن صعوبة بالغة تحول دون تحقيق الحوثيين أي سيطرة برية كاملة في هذه البقعة المحصنة عسكرياً، في مواجهة نحو 30 لواء عسكرياً تابعاً للقوات المشتركة التي تتألف من “ألوية المقاومة الوطنية”، و”ألوية العمالقة”، و”الألوية التهامية”. وقد اصطدمت التحركات والهجمات الحوثية الأخيرة بمقاومة شرسة من القوات المشتركة، لم تقتصر على إحباط أي تقدم، بل أسفرت عن تكبيد الجماعة خسائر بشرية فادحة تتمثل في سقوط عشرات القتلى والجرحى خلال معارك ضارية تركزت في قطاع “البرح” ومحيطه.
والأكثر من ذلك، فقد فوجئ الحوثيون بدخول أسراب من الطيران المسيّر الحديث والنوعي لدى القوات المشتركة على خط المواجهة، والذي نجح في استهداف تجمعاتهم وتعزيزاتهم بدقة في أكثر من جبهة، مساهماً في إرباك خططهم الهجومية. وإلى جانب التفوق العددي واللوجستي الملحوظ للقوات المشتركة وجاهزيتها العالية، تشكل الجغرافية بحد ذاتها عقدة دفاعية صلبة، فالمساحات الشاسعة والمكشوفة لجبهة الساحل الغربي تمثل عائقاً هائلاً يعيق أي محاولة تقدم ميداني تقليدي للحوثيين، لا سيما في ظل طوق الحماية والتحصينات المتقدمة التي تقيمها تشكيلات القوات المشتركة.
وأمام هذا العجز عن تحقيق اختراق مكاني دائم، تحولت استراتيجية الجماعة نحو حرب الاستنزاف، إذ تركز هدفها الأساسي على فرض حالة من “الشلل الوظيفي” المتعمد عبر استهداف المخا بالصواريخ الباليستية والمسيّرات بشكل مكثف لشل الحركة الملاحية والتجارية في الميناء، وتعطيل مشاريع البنية التحتية الاستراتيجية وفي مقدمتها المطار قيد التجهيز، وعرقلة مظاهر الحياة العامة في المدينة، مستخدمة في ذلك تكتيكات الحرب غير المتماثلة، كالزوارق المسيّرة والصواريخ الموجهة للتأثير على أمن الملاحة الإقليمية والدولية بصرف النظر عن السيطرة الفعلية على الأرض.
يتأرجح ميزان القوى العسكرية على امتداد الساحل الغربي لليمن، بين استراتيجيات الدفاع الممنهج والتكتيكات الهجومية، حيث تشكل القوات المشتركة حائط صد منيعاً يتمتع بجهوزية دفاعية وهجومية مرتفعة، ولا سيما بعد نجاحها في تحصين عمق مدينة المخا وتأمين خطوط الإمداد والخطوط الخلفية بشكل محكم يعيق أي اختراق مفاجئ حتى الآن.
في المقابل، تعتمد قوات الحوثيين في مواجهة هذا الطوق على حشود عسكرية متواصلة في المديريات المتاخمة لمحافظة الحديدة ومناطق التماس الممتدة في متفرعات تعز والساحل، مسلحة بعقيدة قتالية تعبوية شديدة الشراسة وكثافة نارية عشوائية. ويراهن الحوثيون على إدامة زخم الهجمات الصاروخية بعيدة المدى والطائرات المسيّرة لتعويض عجزهم البري، محاولين فرض معادلة استنزاف طويلة الأمد، تبقي المنطقة في حالة توتر دائم تحترق فيها جبهات الاشتباك دون تغيير حقيقي في خطوط السيطرة.
وتتقاطع الحسابات العسكرية للطرفين في جبهة الساحل الغربي لتشكل معادلة حاسمة: إما أن ينجح الحوثيون في اختراق الطوق الدفاعي نحو باب المندب والمخا لفرض معادلة حصار بحري مطبق، وإما أن تندفع القوات الحكومية والمشتركة بدعم إقليمي ودولي لاستئناف معركة تحرير مدينة وميناء الحديدة وإبعاد الخطر كلياً عن الممر الدولي.
سقوط المخا يعني انهيار خط الدفاع عن باب المندب
وتبرز خطورة هذه المعادلة من حقيقة أن سقوط المخا بيد الحوثيين – في حال حدوثه ـ لا يمثل مجرد خسارة جغرافية، بل يعني الانهيار التام للخط الدفاعي الأول عن مضيق باب المندب وما يترتب عن ذلك من سيطرة نارية مباشرة على العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات الجنوبية، وهو ما سيمثل انتصاراً استراتيجياً غير مسبوق يمنح الجماعة ورقة ضغط جيوسياسية قد ترتقي إلى انتزاع اعتراف دولي بفرض سلطتها كأمر واقع يتحكم بأحد أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم.
في المقابل، تؤكد الفرضية العكسية أن لجوء القوات المشتركة إلى خيار تحرير الحديدة يعني أولاً دفن “اتفاق استوكهولم” (الموقع في عام 2018) الذي قيّد العمليات العسكرية لسنوات، وثانياً السيطرة المطلقة على الرئة الاقتصادية والمالية الأبرز للحوثيين، والتي تدر عليهم مليارات الدولارات عبر موانئهم الثلاثة الرئيسية: الحديدة، والصليف، ورأس عيسى النفطي. وعلاوة على البعد المالي، فإن انتزاع محافظة الحديدة وموانئها سيعني إطباق الحصار الاستراتيجي بشكل شبه تام على الجماعة، وقطع شريان تهريب الأسلحة وإمداداتها الحيوية، ما يجعل معركة الساحل برمتها شوكة الميزان الكفيلة برسم خريطة الصراع اليمني ومستقبل الملاحة الدولية لعقود مقبلة.
ويكتسب مضيق باب المندب ـ الخانق المائي الذي لا يتجاوز عرض مياهه الإقليمية نحو 20 كيلومتراً بين اليمن والقرن الأفريقي ـ أهمية استثنائية في أولويات الصراع، فهو يمثل أحد أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم، إذ تمر عبره أرقام ضخمة من إمدادات الطاقة العالمية القادمة من الخليج العربي باتجاه الأسواق الأوروبية والأميركية، تقدر بنحو 7 إلى 8% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً، فضلاً عن عبور آلاف سفن الحاويات وناقلات التجارة سنوياً لربط موانئ آسيا بأوروبا عبر قناة السويس.
وعلى ضفة هذا الممر الهام، تبرز مدينة المخا باعتبارها المركز العسكري والسيادي الحاكم، فهي لا تقتصر على كونها البوابة المتقدمة وخط الدفاع الأول لحماية مضيق باب المندب وحركة الملاحة الدولية، بل تمثل أيضاً مقر القيادة المشتركة للتشكيلات العسكرية في الساحل الغربي، والعمق الاستراتيجي المتين الذي يربط مياه البحر الأحمر بالعمق البري لمحافظة تعز وبقية مناطق اليمن. وعلاوة على قيمتها الجيوسياسية، تحظى المخا بأهمية سيادية متنامية تجسدها البنية التحتية لمينائها التاريخي ومطارها الاستراتيجي الذي لا يزال قيد التطوير، ما يجعلها نقطة الارتكاز التي تحرص القوى الوطنية على تحصينها، نظراً لأن المساس بها يهدد بتقويض منظومة الأمن الإقليمي والدولي بأسرها.
تحذير من إنهاك دفاعات القوات الحكومية
ويقول المتحدث باسم القوات المشتركة، العميد وضاح الدبيش، في تصريحات صحفية، إنه “على الرغم من أن الحوثيين يدركون أن أي معركة برية ستكبدهم خسائر فادحة، فإن المؤشر الأخطر يكمن في محاولتهم إنهاك الدفاعات، واستنزاف منظومات الاعتراض، وإرباك النشاط الملاحي والاقتصادي، وتعطيل ميناء المخا، وإبقاء القوات في حالة استنفار. وهذا بحد ذاته هدف عسكري بالنسبة لهم. والقيادة العامة تدرك ذلك السيناريو وتتعامل مع التصعيد بحكمة وجاهزة لكل الاحتمالات، لأن تعطيل الميناء وتهديد باب المندب يحققان لهم أثراً سياسياً واقتصادياً وإعلامياً يتجاوز الميدان المباشر”.
ويشير الدبيش إلى أن القوات المشتركة تمتلك خبرة طويلة في طبيعة جغرافية الساحل وفي تكتيكات الحوثيين، خصوصاً محاولات التسلل والهجمات المحدودة والمتدرجة، وبالتالي فإن أي محاولة اختراق بري لن تكون مفاجئة، وستواجه بخطوط دفاع واستجابة ميدانية معدة لمثل هذه السيناريوهات. ويضيف: “من الصعب الحديث عن تأمين نهائي ومستدام للمخا وباب المندب بينما تظل للحوثيين قدرة على استخدام مناطق الساحل الشمالي ومحيط الحديدة والصليف كمنصات ضغط وتهديد باتجاه خطوط الملاحة والساحل الغربي”.
ويؤكد الدبيش أن “القرار بالانتقال إلى عملية هجومية واسعة لا تحكمه الحسابات العسكرية وحدها، فهناك اعتبارات سياسية وإقليمية ودولية، وحسابات مرتبطة بأمن الملاحة والوضع الإنساني وردات الفعل الإقليمية، وهذه العوامل كان لها خلال السنوات الماضية تأثير مباشر على حركة الجبهات”، مشدداً على أنه “إذا فرض الحوثيون واقعاً جديداً، فإن الخيارات العسكرية لن تبقى محصورة في امتصاص الضربات والدفاع عن المواقع، بل قد تتسع لاستعادة المبادرة وفرض معادلة ميدانية مختلفة”.
استبعاد إحداث الحوثيين خرقاً
ويرى الخبير والمحلل العسكري علي الذهب، في تصريحات صحفية، أنه ليس بوسع الحوثيين إحداث اختراق أو تطويق للمكان بعملية هجومية أو بانفراد بمدينة المخا والتوسع جنوباً، هذه المسألة فوق قدرات الحوثيين. فإقدامهم على عمل مثل هذا سيكلفهم خسائر كثيرة ولن يحققوا ما يصبون إليه، لأن قدرات القوات في الساحل أقوى بكثير. ولو وجهوا الجهد الرئيسي نحو هذه المنطقة فهذا يعني أنهم سيفرغون جبهات أخرى لتصبح سهلة أمام الحكومة، وقد تشكل لهم فخاً تسقط على أثره الحديدة ويجري الاقتراب من صنعاء بشكل خطير”.
ويشير المحلل العسكري إلى أن استراتيجية الحوثيين تقوم على تعطيل وظيفة ميناء المخا لفرض حالة من الشلل الوظيفي، وهذا التعطيل يهدف إلى إضعاف تدفق الشحنات، فضلاً عن عوائده الضريبية والجمركية وأهميته الإنسانية الحيوية لتغطية المنطقة الداخلية، خصوصاً تعز، أما التأثير الميداني على تماسك خطوط الدفاع فغير وارد، لكن الأثر يتركز على مصادر التموين والتمويل المادي للخدمات والإدارة السياسية وعامل الاستقرار المجتمعي.
وحول خيار معركة الحديدة وحسابات “نقطة الصفر”، يؤكد الذهب أن “هناك استسهالاً من الشرعية في خوض مواجهة للسيطرة على الحديدة، فهناك حسابات عاطفية أكثر من كونها استراتيجية”. ويضيف: “الجهد الدفاعي المبذول من الحوثيين منذ 2018 جعل المدينة معسكراً محصناً تحت الأرض وفوقها، والهجوم عليها بطريقة تقليدية يعني انتحاراً. السبيل هو إحداث اختراق بري بدفاع صلب، وعمليات التفاف أو تطويق تبدأ من الشرق. القرار في كل الأحوال سياسي قبل أن يكون عسكرياً، ومعارك الاستنزاف المستمرة بمساندة الطيران المسيّر قد تمهد استراتيجياً للوصول إلى نقطة الصفر وقرار الحسم”.
بدوره، يرى الباحث في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية صلاح علي صلاح، في تصريحات صحفية، أن “ما نراه حتى الآن هو تصاعد في عمليات الاستهداف العسكرية في الساحل الغربي دون وجود أي تقدمات أو محاولات سيطرة حقيقية على الأرض، وما يحدث اليوم له ارتباط أكبر بمعادلات الضغط الدولية”.
ويضيف صلاح أنه على الرغم من إعلان الحوثيين أن تحركاتهم تنطلق من أسباب يمنية تحت شعارات “الرفع وفك الحصار”، فإن توقيتها المتزامن مع تعقيدات المفاوضات بين واشنطن وطهران يثير الشكوك، حيث أصبحت استراتيجية الإيرانيين تعتمد بشكل كبير على الضغط على دول الخليج والسعودية، لا سيما بعد توقف الاستهدافات ضد إسرائيل وتحول التركيز نحو الخليج، بعدما راهنوا في البداية على رفع تكلفة الطاقة عالمياً عبر إغلاق مضيق هرمز”.
ويؤكد صلاح أن “التصعيد ليس لتحقيق مكاسب ميدانية على الأرض، موضحاً أن تركزات الحوثيين الميدانية تتوزع على محاور محددة تشمل الساحل الغربي ومأرب، مع احتمال تنفيذ ضربات صدمة على الحدود السعودية”. وحول الوضع في الحديدة، يوضح أن “الأمور فيها كانت مستقرة نسبياً وحركة السفن عبر الموانئ سارت بحرية طوال السنوات الأخيرة بعد اتفاق استوكهولم، حيث كانت تدخل سفن التجارة دون قيود، على عكس ما يحاول الحوثيون الترويج له وتصويره على أنه حصار”.
