حسابات تل أبيب في سورية: من الانتخابات إلى النفوذ التركي

تدخل العلاقة السورية ــ الإسرائيلية مرحلة دقيقة، تتقاطع فيها الاتصالات الأمنية مع استمرار التصعيد الميداني، في وقت تقترب فيه الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، وسط تساؤلات عما إذا كانت الظروف تسمح بالتوصل إلى اتفاق أمني مرحلي بين سورية وإسرائيل قبل الانتخابات، أم إن الاتصالات الحالية لا تتجاوز محاولة لإدارة الصراع واحتواء مخاطره. وتقدم المعطيات المتاحة إشارات متناقضة. من جهة، برزت المعلومات المسربة عن لقاء جمع رئيس “الموساد” رومان غوفمان بوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في الأردن في 23 أغسطس/آب الحالي، في اجتماع جاء بوساطة أميركية وركز على خفض التوتر وإحياء المفاوضات الأمنية، من دون تأكيده رسمياً، ومن جهة أخرى، لم تتوقف الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية، بما في ذلك التوغلات في القنيطرة وعمليات القصف.
إسرائيل لا تراجع سياستها في سورية
في السياق، لا يرى الباحث في مركز جسور للدراسات وائل علوان أن إسرائيل لا تراجع سياستها تجاه سورية، بل يعتبر أنها تحاول الاستثمار في الأزمة الخارجية هرباً من أزمة داخلية.
ولا يستبعد علوان، في حديث إعلامي، عودة التصعيد خلال الفترة المقبلة، لكنه يعتقد أن ضبط النفس السوري سيستمر، وأن دمشق تدرك ضرورة انتظار ما بعد الانتخابات الإسرائيلية للدخول في مفاوضات جادة. كما يرى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليس بصدد تقديم تنازلات، وأن سلوكه تجاه سورية والمنطقة لا يزال يتسم بالتشدد. ويلفت علوان إلى أن إسرائيل حاولت فرض شروط تقترب من الوصاية على سورية، عبر السعي إلى منعها من امتلاك السلاح والتدخل في قوام الجيش السوري وهيكليته.
وفي تقديره، فإن هذه المقاربة لا تعكس استعداداً لتسوية متوازنة، بل محاولة لإعادة تشكيل البيئة الأمنية السورية وفق المصالح الإسرائيلية. ويرى علوان أن الاتصالات لا تعني تحولاً في السياسة الإسرائيلية، وقد تكون جزءاً من إدارة أزمة مؤقتة إلى حين اتضاح المشهد السياسي الإسرائيلي.
لكن المحلل السياسي أحمد الموسى يعتبر، في تصريح صحفي، أن هناك بالفعل ما يشبه المراجعة الإسرائيلية، خصوصاً بعد استهداف قاعدة أبو الظهور في إدلب في 18 أغسطس/آب الحالي، التي اعتبرها جرس إنذار في واشنطن بشأن مخاطر ترك إسرائيل تتحرك بحرية في سورية. ويربط الموسى هذه المراجعة أيضاً بالمخاوف الأميركية من احتمال حصول صدام إسرائيلي ـ تركي داخل الأراضي السورية، وهو خطر دفع واشنطن إلى طرح فكرة إنشاء مركز تنسيق ثلاثي إسرائيلي سوري تركي لتفادي الاحتكاك. ويذهب الموسى أبعد من ذلك بالحديث عن وجود تيار داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية يرى أن إسرائيل بالغت في سياستها العدوانية تجاه سورية خلال العامين الماضيين، ولا سيما في ظل عدم صدور تهديدات حقيقية من الحكم السوري الجديد. ووفق هذا التقدير، قد يكون من مصلحة إسرائيل عدم تفويت فرصة التوصل إلى اتفاق أمني جديد يحل محل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 أو يطوّره، بما يوفر لها وضعاً أمنياً أكثر استقراراً على الحدود.
ويشير الموسى إلى أن المفاوضات السابقة أظهرت استعداداً سورياً لمناقشة ترتيبات مثل توسيع المنطقة العازلة وعدم نشر أسلحة ثقيلة في مناطق أعمق من الحدود. ويعتبر وجود اتصالات مؤشراً إلى نقاش داخل المؤسسة الإسرائيلية حول جدوى الاستمرار في استخدام القوة، وإلى محاولة لاختبار صيغة أمنية يمكن أن تحقق لإسرائيل أهدافها بوسائل تفاوضية. غير أن الوقائع الميدانية لا تدفع للاعتقاد بأن إسرائيل اتخذت قراراً استراتيجياً بالانتقال من الضغط العسكري إلى التفاوض. قصف أبو الظهور وقع بعد أيام من الاتصالات، كما استمرت التوغلات الإسرائيلية في القنيطرة بعد اجتماع عمّان.
وسُجلت خلال أغسطس الحالي نحو 20 حالة توغل في المحافظة، شملت عمليات تفتيش واعتقال، فضلاً عن قصف مدفعي في مناطق أخرى. وهذا السلوك يشير إلى أن الحوار لم يفرض حتى الآن قيوداً فعلية على السلوك العسكري الإسرائيلي، بل إن ضربة أبو الظهور كشفت مشكلة إضافية، تتمثل في بروز تخوف إسرائيلي من الوجود التركي المتزايد في سورية وتطور التعاون العسكري بين أنقرة ودمشق. وقد أصبحت سورية بذلك ساحة محتملة لتضارب المصالح الإسرائيلية والتركية، وهو ما يدفع واشنطن إلى محاولة منع تحولها إلى مسرح صدام بين حليفين لها.
اتفاق أمني محدود؟
في المقابل، تملك الولايات المتحدة أدوات ضغط يمكن أن تساعد في بناء اتفاق أمني محدود، فقد طرحت واشنطن إنشاء آلية اتصال مشتركة في الأردن لتبادل المعلومات وخفض التوتر ومتابعة الاتصالات، كما نوقشت في المفاوضات السابقة ترتيبات لتجميد النشاط العسكري عند خطوط الانتشار القائمة إلى حين التوصل إلى صيغة نهائية. أما مضمون الاتفاق المحتمل، فيبدو أقرب إلى ترتيب أمني مرحلي منه إلى اتفاق سلام. دمشق تريد وقف الهجمات الإسرائيلية والانسحاب من الأراضي التي دخلتها إسرائيل بعد سقوط نظام الأسد في عام 2024، وإعادة تفعيل اتفاق فض الاشتباك لعام 1974. كما تؤكد أن أي ترتيبات يجب أن تحترم سيادتها وحقها في إعادة بناء جيشها وتحديد تحالفاتها. ويشير الموسى إلى احتمال أن تنسحب إسرائيل من معظم المناطق التي احتلتها بعد سقوط النظام السابق، مع الإبقاء على قمة جبل الشيخ باعتبارها الموقع الذي تعتبره ذا أهمية أمنية خاصة.
في المقابل، قد تكون هناك حلول تقنية، مثل نشر أجهزة مراقبة تتولى الولايات المتحدة تشغيلها، بما يسمح بالانسحاب الإسرائيلي منها من دون أن تعتبر إسرائيل أنها تخلت عن متطلبات المراقبة الأمنية. لكن العامل الانتخابي يبقى الأكثر حساسية. من جهة، يمكن لنتنياهو أن يرى في اتفاق أمني محدود إنجازاً سياسياً، خصوصاً إذا استطاع تقديمه للرأي العام الإسرائيلي باعتباره ثمرة للتفوق العسكري الإسرائيلي. وهذا هو أحد أسباب عدم استبعاد التوصل إلى اتفاق قبل الانتخابات، إذ قد ترغب إسرائيل في تحويل التفوق العسكري إلى إنجاز سياسي ملموس، بدلاً من استمرار الحرب والعمليات من دون تسوية، وفق الموسى. ومن جهة أخرى، قد يكون العامل الانتخابي سبباً في تأجيل الاتفاق لا في تسريعه. وعليه، فإن السيناريو الأرجح قبل الانتخابات هو اتفاق محدود أو تفاهم أمني أولي، وليس تسوية شاملة. وقد يشمل ذلك تثبيت خطوط الانتشار، ووقفاً جزئياً للتصعيد، وتفعيل آلية الاتصال في الأردن، وترتيبات لمنع الاحتكاك الإسرائيلي ــ التركي داخل سورية. أما القضايا الأصعب، مثل الانسحاب الكامل، ومستقبل جبل الشيخ، وإعادة بناء القدرات العسكرية السورية، والجولان، فمن المرجح أن تبقى خارج الاتفاق النهائي.
