إسرائيل تغيرت إلى غير رجعة.. ويجب أن نتغير قبل فوات الأوان
نحو إعادة بناء داخلي والدعوة لعقد "مؤتمر إنقاذ وطني"

المحامي خالد زبارقه
لم يعد ما يجري في إسرائيل مجرد “إصلاح قضائي” أو خلاف سياسي عابر، إنما هو هدم ممنهج لآخر ما تبقى من دولة قانون، إنه انهيار منظومة تحقيق العدالة وتطبيق القانون ولقد تجلى ذلك في عجز الجهاز القضائي عن حماية الحقوق الأساسية وخاصة للعرب، فعندما يعجز الدور تنهار المنظومة، وعندما تنهار المنظومة تنتشر الفوضى وتهيمن الغوغائية، وتتحول المنظومة إلى جهاز يخدم التطرف ويطبق أجندته، ويصبح القانون أداة في يد السلطة الحاكمة تطوعه لأجندتها، حتى لو أدى ذلك إلى مخالفة القانون نفسه أو أسسه الدستورية.
يُذكر في هذا السياق أن سيرورة الوصول إلى هذه المرحلة برزت في العقدين الأخيرين، وما نعيشه في هذه الأيام، على المستوى القانوني والقضائي، هو نتيجة طبيعية للصيرورة القانونية التي كانت في آخر عقدين.
في ظل هذا الواقع الأكثر تطرفًا وعنصرية في تاريخ الدولة، يقودها وزراء لا يترددون في إعلان كراهيتهم للعرب واحتقارهم للقانون، نحن نقف اليوم على مفترق طرق تاريخي. إما أن نبقى ننتظر المعجزة من قاعة الكنيست أو من طاولة الحكومة -ولن يكون ذلك- أو أن ننهض ونقرر مصيرنا بأيدينا.
ركائز الانهيار المؤسساتي
الانهيار المؤسساتي لا يحدث في يوم واحد. هو عملية تآكل بطيئة ومقصودة لثلاث ركائز قام عليها النظام السياسي الإسرائيلي طوال السنوات الماضية:
• إلغاء الرقابة القضائية: تجلى ذلك بشكل فعلي، أو على أقل تقدير في عجزها عن القيام بدورها، عبر إلغاء “معيار المعقولية”. لم يكن هذا بندًا تقنيًا في قانون، بل كان إعلانًا صريحًا بأن الحكومة والوزير أصبحوا فوق القانون. من اليوم يستطيع الوزير فعل ما يشاء دون أن يضطر لتبرير “معقولية” قراره أمام أحد.
• تسييس القضاء: عندما تتحول لجنة تعيين القضاة إلى أداة بيد الأغلبية السياسية، فإننا لا نتحدث عن قضاء مستقل، فالقاضي الذي كان يُفترض أن يقول “لا” للسلطة “لا” لسلب الحريات “لا” لنشر الفوضى “لا “ للتمييز” “لا” للقمع، سيصبح هو نفسه جزءًا من السلطة، وهذا ما بدأنا نلمسه في أروقة المحاكم بشكل شبه يومي.
• شرعنة التطرف: الخطاب العنصري الذي كان محصورًا في زوايا الشارع وهامش السياسة، انتقل اليوم إلى قلب الحكومة وإلى نصوص القانون. قانون القومية الذي كرس “حق تقرير المصير” لليهود وحدهم، وقانون كمينتس لهدم البيوت العربية، وسلسلة قوانين سحب المواطنة؛ كلها لم تكن حوادث منفصلة. كانت مقدمة لمرحلة جديدة عنوانها: “الدولة لليهود فقط” واستهداف كل من يقف حجر عثرة أمام تطبيق مخرجات هذا القانون (قانون يهودية الدولة).
ترجمة التطرف إلى سياسات يومية
هنا لا يمكن فصل التصريحات عن السياسات. إن تصريحات وتصرفات الوزراء المتطرفين ليست زلات لسان، بل هي مؤشر واضح وبوصلة للسياسات التي تُحاك ضدنا في المستقبل. عندما يتحدث وزير عن تقليص مكانة اللغة العربية، وعندما يهاجم وزير آخر الأطباء العرب، وعندما تُطرح خطط “لأمننة” البلدات العربية وتحويلها إلى مناطق عسكرية، وعندما يتم الحديث عن “الوجود الفلسطيني في الداخل” كمشكلة ديمغرافية أمنية يجب مواجهتها، وعندما يظهر التوسع العمراني العربي البسيط كمشكلة أمنية؛ فكل ذلك ليس صدفة. هذا التطبيق العملي لقانون يهودية الدولة لا يكتفي بتعريف إسرائيل كدولة يهودية، بل يترجم هذا التعريف إلى خطوات يومية تستهدف لغتنا، ووظائفنا، وأرضنا، ووجودنا.
هذا ليس انهيارًا قانونيًا فحسب، بل هو انهيار مؤسساتي عام. ودولة بلا مؤسسات مستقلة هي دولة غابة، يحكمها الأقوى ويُسحق فيها الأضعف. لفترة طويلة صدق البعض منا بأننا “مواطنون” لنا حقوق، وكنا نركض إلى المحكمة العليا عند كل أزمة. اليوم أُغلق هذا الباب، والحكومة الحالية تقولها بصراحة: أنتم لستم مواطنين، أنتم أعداء في الداخل.
الاستهداف المباشر وعجزنا الداخلي
الثمن سيدفعه المواطن العربي أولًا. في ملف التخطيط والبناء، هدم مئة بيت لن يجد من يوقفه بحجة “اعتبارات أمنية”. وفي ملف الميزانيات، التمييز يتجلى بأقسى صوره. وفي ملف الحريات، نرى اعتقالات على منشورات سياسية وفكرية ودينية، وإغلاقًا للجمعيات إلى جانب تقليص مساحة التحرك السياسي والتنظيمي للعرب في الداخل، بينما ينادي متطرفون يهود باستهداف العرب وحرق مزروعاتهم وبيوتهم وقتلهم وممارسة الغطرسة والعنف بحقهم وتمارس ذلك جماهيرهم فعليًا دون أن يحرك القانون ساكنًا.
الأخطر من ذلك هو أن الاستهداف أصبح مباشرًا ومهنيًا: استهداف اللغة العربية، استهداف الأطباء العرب، محاولات تهويد الجليل والنقب، و”أمننة” كل مطلب مدني لجعله “تهديدًا أمنيًا”.
بالمقابل، علينا أن نعترف بالحقيقة المرة: جزء من الأزمة هو عجزنا الداخلي. لقد انحصر عمل معظم القيادة السياسية العربية في “سلة الخدمات”. أين كنا عندما مُرر قانون القومية؟ لقد فشلنا في ثلاثة أمور قاتلة: فشلنا في حماية الحقوق الجماعية بالدوران في فلك “المساواة الفردية”، وفشلنا في بناء قوة ضغط سياسية جامعة، وفشلنا في إعداد الشارع ورفع منسوب الوعي.
الرهانات الخاسرة والخروج من الوهم
لدي خشية من رفع سقف توقعات الشارع من خلال المشاركة في الكنيست أو الحكومة. هذه المشاركة أثبتت فشلها في السابق. من دخلوا تجربة “الحكومة” بوعود التغيير حصدوا صفرًا في الملفات الوجودية والمصيرية والقضايا الاجتماعية: لا إلغاء لقانون القومية، لا تجميد للهدم، ولا اعتراف بالقرى. النتيجة خيبة أمل عميقة، وهذا بالضبط ما يريده التطرف: مجتمع محبط ويائس. الرهان على الكنيست انتهى، وجهاز المحاكم لن يحمينا.
نحو إعادة البناء: أسس العمل المجتمعي والوطني
اللحظة تتطلب شجاعة واعترافًا بأنه لا أحد سينقذنا غيرنا، وأقترح بناء المجتمع على عدة أسس:
• وحدة وطنية حقيقية: الخلاف الحزبي رفاهية لم تعد لدينا. نحتاج إلى قيادة وطنية موحدة تتكلم بصوت واحد بمرجعية واضحة للقضايا المصيرية والوجودية من غير إهمال للقضايا الخدماتية.
• ثورة وعي: يجب أن تتحول مؤسساتنا إلى مصانع وعي بالتاريخ والحقوق والمخططات التي تستهدفنا. الجهل أخطر سلاح، والمعرفة هي درعنا الأول.
• انتماء وهوية: وجودنا حق وليس منّة. لا نريد أن نبقى “أقلية” تتسول المساواة، بل “شعبًا” يبني مستقبله بيده يتفاعل مع باقي الشعوب في العالم من باب الندية وليس الدونية.
• بناء قوة اقتصادية ومجتمعية ذاتية: تقوية السلطات المحلية العربية، إنشاء صناديق تكافل قومية، دعم المصالح التجارية، وبناء شبكة أمان اجتماعي.
• الانفتاح على العالم: يجب أن نخرج من الجيتو، ونبني شبكات دولية. قضيتنا هي قضية شعب أصلي يتعرض للاقتلاع البطيء، ويجب تدويل معاناتنا.
دعوة عاجلة لعقد “مؤتمر إنقاذ وطني”
في ظل هذا الانهيار، أوجه دعوة للأحزاب العربية، رؤساء السلطات المحلية، لجنة المتابعة، ومنظمات المجتمع المدني لعقد “مؤتمر إنقاذ وطني” عاجل. ومهمة هذا المؤتمر تتلخص في ست نقاط:
• تشخيص دقيق للمخاطر التشريعية والأمنية، وعلى رأسها استهداف الوجود العربي.
• وضع “خطة طوارئ وطنية” لحماية البيوت، ومواجهة التمييز، والدفاع عن الحريات.
• توقيع “ميثاق شرف وطني” يُلزم الجميع بنبذ الخلافات والعمل ككتلة واحدة.
• تشكيل “لجنة متابعة عليا” بصلاحيات وميزانية حقيقية لقيادة النضال والقضايا المصيرية الوجودية وتشكيل مرجعية للتعامل مع القضايا الخدماتية.
• إطلاق “خطة عمل دولية” لرفع قضيتنا للعالم.
• تفعيل دورنا في دعم القدس الشريف والمسجد الأقصى المبارك كعنوان للصراع ورمز للهوية.
التطرف يريدنا متفرقين وخائفين؛ مؤتمر الإنقاذ الوطني هو ردنا الجماعي. يجب أن نتغير من مجتمع ينتظر الحلول من الخارج، إلى مجتمع يبني قوته وصموده بيده، بناء القوة الذاتية. القانون الذي سيحمينا اليوم هو السنن الكونية المتجلية في وحدتنا، وعينا، اقتصادنا، وقدرتنا على إيصال صوتنا للعالم وإصرارنا العنيد على البقاء.