أخبار عاجلةمحلياتمرئيات

الراحل حمزة إبراهيم برغل من أم الفحم.. الجندي الخفي الذي ترك أثرًا لا يغيب

طه اغبارية

رحل، يوم الأحد الماضي، الشيخ حمزة إبراهيم إسماعيل برغل إغبارية “أبو زيد”، من مدينة أم الفحم، عن عمر ناهز 62 عامًا، إثر وعكة صحية ألمّت به، تاركًا وراءه سيرة حافلة بالخير والعمل الصالح امتدت على مدى عقود.

وقد نعته هيئة الدعوة في أم الفحم، مستذكرة جهوده في مسيرة الدعوة، وعطاءه في العمل الطلابي والمخيمات الصيفية لطلاب تحفيظ القرآن الكريم، وإشرافه وإعداده للمهرجانات، فضلًا عن مشاركته في مشاريع الخير والإغاثة والتكافل والعطاء، ودوره في الإصلاح بين الناس داخل المدينة.

ينتمي أبو زيد إلى جيل مبكر من أبناء الصحوة الإسلامية في الداخل الفلسطيني، وكان حاضرًا في مجالات متعددة من العمل الإسلامي على مدار سنوات طويلة.

الشيخ رائد صلاح، رئيس الحركة الإسلامية قبل حظرها إسرائيليًا، استذكره بوصفه من “الجيل العامل في مسيرة الحركة الإسلامية”، مشيرًا إلى مشاركته في مناسباتها المختلفة، من الأعراس الإسلامية إلى معسكرات العمل الإسلامي ومهرجانات “الأقصى في خطر” في حينه، إلى جانب ما عرف عنه من نخوة ومروءة.

أما الدكتور سليمان أحمد، القيادي في مسيرة الصحوة الإسلامية، فوصفه بأنه من أبناء الدعوة والصحوة الإسلامية المخلصين، ومن الرجال الذين حضروا في مختلف مجالات العمل الإسلامي، بعيدًا عن الأضواء، ودون انتظار مقابل أو شكر.

وكان المسجد الأقصى حاضرًا بقوة في مسيرة أبي زيد. فقد كان، بحسب شهادة الدكتور سليمان، من عشاق المسجد، ومن العاملين في معسكرات العمل الإسلامي التي كانت الحركة الإسلامية تنظمها في رحابه قبل حظرها إسرائيليًا، حيث كان حاضرًا في ميادين العمل وخدمة المسجد.

كما كان من العاملين في مهرجانات “الأقصى في خطر”، وشارك في بناء وتجهيز منصاتها على مدار عشرين مهرجانًا، وتولى جانبًا من الاحتياجات والتجهيزات اللوجستية، متابعًا التفاصيل الصغيرة والكبيرة التي تتطلبها تلك الفعاليات.

حضورٌ في الميدان

وتستذكر هيئة الدعوة في أم الفحم كذلك بصمته في مشروع العمل الطلابي والمخيمات الصيفية لطلاب تحفيظ القرآن الكريم، إلى جانب الإشراف والإعداد لعدد من الفعاليات والمهرجانات الدعوية.

ويذكر الدكتور سليمان أن أبا زيد، رغم اشتداد آلام ظهره واضطراره إلى الاستعانة بعصا للحركة، لم يتراجع عن دوره في المهرجانات الإسلامية الأربعة الأخيرة، وظل يتابع ويعمل ويرتب ويقدم ما يستطيع حتى الأيام الأخيرة من حياته.

سعي بين الناس

إلى جانب الدعوة والعمل التربوي، كان الإصلاح بين الناس أحد الميادين التي ترك فيها أبو زيد أثرًا واضحًا.

فقد وصفته هيئة الدعوة في أم الفحم بأنه كان من وجوه الإصلاح في المدينة، ساعيًا بين الناس، وباذلًا وقته وجهده في سبيل ذلك.

ويقول الدكتور ضرغام صالح إن عطاء المرحوم امتد إلى ميدان الإصلاح المجتمعي داخل أم الفحم وضواحيها، حيث كان ساعيًا في الخير، حريصًا على جمع الكلمة وتقريب وجهات النظر وإصلاح ذات البين.

ويستذكر الشيخ رائد صلاح لقاءه الأخير بأبي زيد، والذي جمعهما مع الشيخ ضرغام صالح في مسعى لإصلاح ذات البين، مشيرًا إلى أن الراحل كان من المؤكدين على تلك المساعي، واجتهد في تذليل العقبات حتى تتكلل بالنجاح.

همّ المحتاجين

وربما كان الجانب الإنساني في شخصية أبي زيد من أكثر الجوانب التي استوقفت من عرفوه.

يقول الدكتور ضرغام صالح إنه كان من أهل الصدقات والإحسان وجبر الخواطر وقضاء حوائج الناس، ومن الداعمين للبيوت المستورة في أم الفحم وخارجها، وفي أراضي عام 1967.

ويؤكد الدكتور فراس جبارين هذا الجانب، واصفًا أبا زيد بأنه كان “الجندي الخفي الذي لا يعرفه الكثير”، مشيرًا إلى أنه، رغم مرضه وضعفه وعدم قدرته على المشي، كان يرعى عددًا من العائلات المستورة، وخصوصًا من أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة.

ويضيف أن من كان يقصد بابه طالبًا الإعانة كان يجد منه استجابة، وأنه رغم حالته المادية المتواضعة كان يستنفر أهل الهمة والميسورين لإعانة المعسر والمحتاج.

كما يقول الدكتور سليمان إن أبا زيد كان كثير الاتصال به، لا من أجل طلب شخصي، وإنما للمبادرة إلى عمل الخير، ومساعدة المحتاجين، وقضاء حوائج الناس وتخفيف معاناتهم، مؤكدًا أنه كان يحمل هم الآخرين ويبحث بصمت عن السبل التي تمكنه من مد يد العون إلى من يحتاج.

طريقٌ لا يتوقف

رغم نشأته وعمله في مجالات مهنية وميدانية، ظل أبو زيد، بحسب شهادات معارفه، شغوفًا بالعلم الشرعي.

ويذكر الدكتور ضرغام صالح أنه التحق بإحدى الكليات الشرعية، وواصل دراسته عن بُعد عبر الوسائل التعليمية الإلكترونية.

كما كان حريصًا على الاستزادة من العلم، وحضور الدورات والمحاضرات والندوات، ومدارسة كتب أهل العلم في الفقه والحديث وعلوم القرآن وغيرها.

ويستذكر الدكتور فراس جبارين أن أبا زيد، رغم نشأته عامل بناء، ورغم المرض الذي أقعده، لم يتوقف عن طلب العلم، فكان يشارك في الدورات الشرعية ويتابع المحاضرات والندوات ويشارك في الامتحانات ويحصل على الشهادات.

الصبر أمام الابتلاء

في حياة أبي زيد محطة من أصعب ما يمكن أن يمر به إنسان؛ فقد أحد أبنائه، محمد، في حادثة قتل. لكن الذين عرفوه يستذكرون أن هذا المصاب لم يزده إلا صبرًا.

يقول الدكتور سليمان أحمد إن أبا زيد واجه هذا المصاب بالصبر والاحتساب، وظل يدعو إلى الصلح بين الناس وإصلاح ذات البين وحقن الدماء والعمل على منع اتساع دائرة العنف.

ويصف الدكتور ضرغام صبره على فقد ابنه بأنه كان شاهدًا على عمق إيمانه وثباته، واستقباله للبلاء بروح المؤمن المحتسب، مستعينًا بالله وراجيًا ما عنده من الأجر والثواب.

ويستذكر الشيخ رائد صلاح أنه عاد أبا زيد أكثر من مرة أثناء مرضه، فلم يكن يرى منه إلا الرضا بقدر الله والطمع في أجر الصبر.

ولم تكن زوجته أم زيد بعيدة عن هذه المحنة، إذ يشير الدكتور ضرغام إلى أنها ابتُليت هي الأخرى بالمرض وأقعدها على عربة، واصفًا إياها بالصابرة المحتسبة، ومشيرًا إلى أن الصبر والاحتساب اجتمعا في هذه الأسرة الكريمة.

مروءة وشهامة

في شهادته العاطفية عن الراحل، يصف الدكتور فراس جبارين أبا زيد بأنه كان “مقدامًا صاحب المروءة والشهامة والإقدام”.

أما الشيخ رائد صلاح فيستذكر ما عرفه عنه من “نخوة” ومروءة، إلى جانب صبره واحتسابه في مواقف البلاء.

ويضيف الدكتور فراس أن أبا زيد كان صاحب مشورة، وأنه كان يستشيره في أمور كثيرة، حتى في تصاميم المساجد، مشيرًا إلى دوره في تصميم مسجد الرضوان في إيطاليا، ومشاركته فيه بصورة مباشرة ومن بعيد.

شهادة من رافقوه منذ البدايات

ويستحضر الشيخ هاشم عبد الرحمن، رئيس بلدية أم الفحم الأسبق، ذكرياته مع أبي زيد، مؤكدًا أن معرفته به تعود إلى سنوات الطفولة، وأنه كان من خيرة الناس، على حد تعبيره.

وقال الشيخ هاشم: “أبو زيد من خيرة الناس، ولا نزكي على الله أحدًا. رحم الله أخانا الحبيب الطيب الشهم أبا زيد. عرفناه وعشنا معه منذ نعومة أظفارنا، وهو من الذين ناصروا مسيرة الدعوة والعمل الإسلامي بالكلمة وبالمال واليد والمواقف المشرفة”.

وأضاف: “ونستذكر دائمًا يده الطاهرة التي كانت تعمل في المعسكرات، ويده التي كانت تنفق في سبيل الله، ونستذكر ابتسامته الطيبة التي كانت تستقبل الناس. ونستذكر خُلقه الحسن في تعامله مع الناس، ونستذكر مواقفه التي كانت مثلًا في التعبير عن صبره ورضاه بقدر الله سبحانه وتعالى”.

وتابع الشيخ هاشم: “لا نزكي على الله أحدًا، ولكن هذا ما عرفناه عنه، وهذا ما علمناه عنه، وهذه شهادة نسجلها لأخينا المرحوم أبي زيد، لعل شهادتنا له بالخير تكون شفاعة لنا وله عند الله جل جلاله، ونسأل الله أن يجعل الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم شفيعًا له ولنا وللمسلمين”.

وتوقف عند آخر ما كتبه أبو زيد على صفحته في موقع “فيسبوك”، معتبرًا ذلك من علامات حسن الخاتمة، وقال: “وأي شيء أجمل من أن يكتب لنا وله بحسن الخاتمة، حيث كانت آخر كلماته التي خطها بيده على صفحته في فيسبوك: عليكم بالباقيات الصالحات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وأي شيء أعظم وأطيب من أن يُختم للعبد بالباقيات الصالحات.. اللهم اختم لنا وللمسلمين جميعًا بلا إله الله”.

تكاد تتقاطع شهادات من عرفوا أبا زيد في نقطة واحدة: أنه كان يعمل أكثر مما يتحدث عن عمله. لم يكن حضوره مرتبطًا بالمنابر أو الظهور الإعلامي، بل بالميدان.

ووصفه الدكتور سليمان كذلك بأنه “رجلًا صلبًا في المواقف، رحيمًا بالناس، مخلصًا في عمله، ثابتًا على طريق الخير والدعوة”، مؤكدًا أن أعماله وعطاءه تركا أثرًا واضحًا في الميادين التي خدم فيها وفي نفوس من عرفوه عن قرب.

رحل أبو زيد، لكن الذين عرفوه لا يستحضرون رحيله من خلال سنوات عمره الستين واثنتين فقط، وإنما من خلال ما تركه من مواقف وذكريات وأعمال في حياة الناس.

فقد غاب الرجل الذي كان يتحرك بين الناس، لكن بقيت سيرة رجلٍ جعل من وقته وعلمه وماله وعلاقاته وسائل للنفع، ومن كلمته بابًا للنصيحة والإصلاح، ومن ابتلاءاته ميدانًا للصبر والاحتساب.

رحم الله الحاج حمزة إبراهيم برغل “أبو زيد”، وغفر له، وجعل ما قدمه في ميادين الدعوة والعلم والإصلاح والصدقة وجبر الخواطر وخدمة المسجد الأقصى والناس في ميزان حسناته، وجعل مرضه وصبره واحتسابه رفعةً في درجاته، وألهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى