كيف نساعد أبناءنا على تنمية مهارة التنظيم الانفعالي؟

رينا سليم صقر- عاملة اجتماعية
انتهى وقت الشاشة فبدأ الطفل بالصراخ، أو بكت الطفلة في المتجر لأن والديها رفضا شراء ما تريد. هذه المواقف اليومية مألوفة في معظم البيوت، وقد تبدو مرهقة للأهل، لكنها في الحقيقة فرص تربوية مهمة يتعلم خلالها الأطفال مهارة أساسية تُعرف بالتنظيم الانفعالي.
فما المقصود بالتنظيم الانفعالي؟
التنظيم الانفعالي هو قدرة الإنسان على التعرف إلى مشاعره وفهمها والتعامل معها بطريقة مناسبة. ويشمل ذلك مشاعر مثل الغضب، والإحباط، والحزن، والخوف، والغيرة. هذه القدرة لا تولد مكتملة لدى الطفل، بل تنمو تدريجيًا مع العمر والخبرة والتوجيه، وهنا يبرز الدور المحوري للأهل في مساعدة أبنائهم على اكتسابها.
أولى الخطوات هي مساعدة الطفل على التعرف إلى مشاعره وتسميتها. فكثير من الأطفال يشعرون بمشاعر قوية لكنهم لا يعرفون كيف يعبّرون عنها. عندما نقول للطفل: “أرى أنك غاضب لأن اللعبة تعطلت” أو “يبدو أنك محبط لأنك لم تفز”، فإننا نساعده على فهم ما يجري داخله. ومع الوقت يصبح أكثر قدرة على التعبير بالكلمات بدلًا من التعبير بالسلوكيات الصعبة كالصراخ أو الضرب.
كما يحتاج الأطفال إلى تعلم طرق عملية للتهدئة عندما تشتد مشاعرهم. يمكن تعليمهم أخذ أنفاس عميقة، أو العدّ ببطء، أو الذهاب إلى زاوية هادئة، أو طلب عناق من شخص يثقون به. هذه الأدوات البسيطة تمنح الطفل وسائل بديلة للتعامل مع الانفعالات بدل الانجراف وراءها.
ومن المهم جدًا أن نُشعر أبناءنا بأن جميع المشاعر مقبولة، لكن ليست كل السلوكيات مقبولة. فمن حق الطفل أن يغضب أو يحزن أو يشعر بالإحباط، لكن ليس من حقه أن يؤذي نفسه أو الآخرين. لذلك يمكن أن نقول له: “أفهم أنك غاضب، لكن لا أسمح لك بالضرب”، فنحن هنا نعترف بالمشاعر ونضع حدودًا واضحة للسلوك في الوقت نفسه.
كذلك، لا ينبغي أن نسارع دائمًا إلى إزالة مصادر الإحباط من حياة أطفالنا. فالتعامل مع التحديات وخيبات الأمل جزء طبيعي من النمو. عندما نضع حدودًا واضحة وثابتة، ونتجنب تلبية كل رغبة فورًا، فإننا نساعد أبناءنا على تعلم الصبر وتأجيل الإشباع وتحمل الإحباط بطريقة صحية.
ويبقى العامل الأهم هو القدوة الشخصية. فالأطفال يتعلمون من خلال ما يرونه أكثر مما يتعلمونه من خلال ما يسمعونه. عندما يرون والديهم يتعاملون مع الغضب أو التوتر بهدوء واحترام، ويعبرون عن مشاعرهم بطريقة متزنة، فإنهم يكتسبون هذه المهارات بصورة طبيعية.
في النهاية، التنظيم الانفعالي ليس هدفًا نصل إليه في يوم واحد، بل رحلة طويلة من التعلم والتدريب. وكل موقف صعب يمر به الطفل يمكن أن يكون فرصة ثمينة لبناء هذه المهارة التي سترافقه طوال حياته، وتساعده على تكوين علاقات صحية، واتخاذ قرارات أفضل، والتعامل مع تحديات الحياة بثقة ومرونة.
