أخبار وتقاريرمقالاتومضات

معركة الوعي (298) افتراءات الكتَبَة الكذبة حول موقع المسجد الأقصى المبارك (2-2)

حامد اغبارية

عندما يجتمع يوسف زيدان وموطي قيدار على نفس الكذبة!

إن الأسوأ من زعم مستشرقي الصهيونية وعبيدهم من جند إبليس الذين يعيشون في المجتمعات العربية الإسلامية، أن الأقصى لم يكن موجودا قبل الأمويين، وأنه منحصر فقط في البناء الحجري، فهو ذلك الزعم المثير للضحك، والذي لا أصل ولا سند تاريخيا له، بأن المسجد الأقصى المذكور في القرآن ليس موجودا في مدينة القدس، وإنما في مكان آخر في جزيرة العرب في موقع يسمى “الجِعِرّانة” بين مكة والطائف!! وهذا زعم أسخف من مروّجيه.

وقد ظهر قبل سنوات المدعو يوسف زيدان، وهو كاتب مصري (أكذب من مسيلمة ومن الأسود العنسي) ظهر على الشاشات في عهد الانقلابي السيسي، ليروّج ما يروّجه أسياده من أن الأقصى لا يقع في مدينة القدس وإنما في الجزيرة العربية، في المكان الذي أشرتُ إليه.

ولم يكن زيدان هذا أول من خاض في هذه الكذبة وغرق فيها حتى أمّ رأسه، وإنما مارس دور البَبْغاء التي تُردِّد ما يقوله المستشرقون من سدنة المشروع الصهيوني والغرب الصليبي. فهو بذلك لا يعدو كونه نسخة سيئة من تلك الأكذوبة!

2)

كان أول من تحدث في الفرية حول الأقصى المبارك شخص يدعى دانييل بايبس، وهو مؤسس ما يسمى “رابطة الدفاع عن اليهودية”، ومؤسس ومدير ما يسمى بـ “منتدى الشرق الأوسط”، حيث نشر وثيقة في التسعينيات من القرن الماضي زعم فيها أنه عندما نزلت آية الإسراء التي ذُكر فيها المسجد الأقصى، لم يكن المسجد الأقصى قائما! وقد تبعه في ذلك مستشرقون يهود وغربيون صليبيون، ومنهم مردخاي قيدار؛ المحاضر في جامعة “بار إيلان”، والذي يدّعي أنه باحث في الحضارة العربية، بينما هو يسخّر “أبحاثه” خدمة للمشروع الصهيوني، وأبعد ما يكون عن البحث الأكاديمي، لا في الحضارات ولا في الثقافات ولا في الدينصورات.

في سنة 2009 قال قيدار في محاضرة له إن القدس مِلكٌ لليهود، وعلى المسلمين أن يحملوا أحجار قبة الصخرة ليبنوها بمكة، فالمسجد الأقصى مكانه «الجِعِرّانة» بين مكة والطائف!! وقد استند قيدار، كما يوسف زيدان، على نصٍّ ورد في كتاب “المغازي” لمحمد بن عمر الواقدي (130-207 هـ./ 747-823 م.).

3)

ورد في كتاب الواقدي (ص 385) نصٌّ يصف ما حدث أثناء عودة النبي صلى الله عليه وسلم من حصار الطائف ( في العام الثامن للهجرة):

“فَلَمّا أَرَادَ (النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) الِانْصِرَافَ إلَى الْمَدِينَةِ خَرَجَ مِنْ الْجِعِرّانَةِ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ لَيْلًا، فَأَحْرَمَ مِنْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الّذِي تَحْتَ الْوَادِي بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى، وَكَانَ مُصَلّى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا كَانَ بِالْجِعِرّانَةِ، فَأَمّا هَذَا الْمَسْجِدُ الْأَدْنَى، فَبَنَاهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَاِتّخَذَ ذَلِكَ الْحَائِطَ عِنْدَهُ”.

يقول الدكتور محمد عمارة، رحمه الله، في ردّه على هذه الفرية التي التقى فيها عملاء الصهيونية من مستشرقين ومن خوَنة من جند الشيطان الذين يعيشون في المجتمعات العربية والإسلامية: “إن كل مَن كَتب عن الإسلام وتاريخ الإسلام يُجمِع على أن أول مسجد بُني في الإسلام هو مسجد قباء على مشارف المدينة، وإن مسجد الجِعِرّانة بناه الرسول صلى الله عليه وسلم، وأحرم منه للعمرة في العام السادس للهجرة، أي بعد حادثة الإسراء، وبعد نزول آيته (آية الإسراء) بنحو عشر سنوات. ويضيف: “لم يكن التشكيك في المسلّمات الإسلامية المقدسية فقط سوى المدخل الذي أراده يوسف زيدان من أجل التشكيك في مُجمل قواعد وأسس وركائز القضية الفلسطينية، لغرضٍ في نفس يعقوب… فبعد التشكيك في قدسية القدس لن يكون هناك – في اعتقاده – محرَّمات أو خطوط حمراء في القضية الفلسطينية”.

ويجب التذكير هنا بأن يوسف زيدان هذا طعن في صحيح البخاري، وأنه شتم صلاح الدين الأيوبي وقال عنه إنه من أحقر الشخصيات في التاريخ، وإن دوافعه لتحرير بيت المقدس لم تكن بنيّة سليمة وليست لوجه الله بل بدافع الانتقام الشخصيّ!! كما زعم أن المسلمين بقيادة قطز وبيبرس لم ينتصروا في معركة عين جالوت، بل كان النصر حليف التتار، كما زعم أن حروب الردة في عهد الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، لم تكن حربا دينية عقائدية وإنما هي صراع سياسي واقتصادي من أجل تثبيت أركان الدولة!!

4)

أما المسجدان اللذان ورد ذكرُهما عند الواقدي، فهما مسجدان صغيران يقعان في وادي الجِعِرّانة، أحدهما يقع في أقصى الوادي، وهو الذي بناه النبي صلى الله عليه وسلم، والآخر في أدنى الوادي، بناه رجل من قريش. وفي التالي فإن النصّ يتحدث عن مسألة لا علاقة لها بالمسجد الأقصى المبارك في مدينة القدس. ومن نصّ الواقدي يُفهَمُ بجلاء ووضوح شديد أنه يحدد للناس الأماكن التي كان ينزل فيها النبيّ عليه الصلاة والسلام في ترحاله، ولم يرد في سياق الحديث عن معجزة الإسراء، ولم يذكر الواقدي في ذلك النصّ أية تفاصيل من حادثة الإسراء والمعراج التي يعرفها المسلمون. وقد أراد الواقدي من ذلك النصّ أيضا أن يحدد المكان الذي صلى فيه النبي عليه السلام وأحرم منه، لأن الناس في زمانه (زمن الواقدي) كانوا يُصلّون في المسجد الأدنى من وادي الجعرانة لأنهم اعتقدوا أنه المسجد الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلمّ.

5)

غير أن المفسدين والمغرضين من أعوان الشيطان وعبيد المشروع الصهيو- صليبي، أمثال الدجال الصغير يوسف زيدان، وبعض أعوان الظلمة من كُتاب خليجيين يُعتبرون ضيوفا على قنوات الإعلام الإسرائيلية، لغرض معروف، اقتطعوا من نص الواقدي لفظ “المسجد الأقصى” ليبنوا عليه كذبتهم تلك، خدمة لأهداف المشروع الصهيوني الذي يزعم بمزاعم توراتية – تلمودية ما أنزل الله بها من سلطان، أن هيكلهم المهدّم موجود تحت المسجد الأقصى في بيت المقدس!!

إن نصّ الواقدي بحدّ ذاته ينسف تلك المزاعم والخرافات، فهو يتحدث عن حدث وقع بعد الإسراء بعشر سنوات، بعد الهجرة، بينما وقعت معجزة الإسراء، ونزلت سورة “الإسراء” في مكة قبل الهجرة إلى المدينة بنحو سنة وشهرين، وفي تلك الفترة لم يكن مسجد الجِعِرّانة قائما، ولم يُذكر هذا المسجد أو موقعُه في أي نصّ إسلاميّ قبل الهجرة. وبحساب بسيط نجد أن بين حادثة الإسراء من البيت الحرام إلى المسجد الأقصى في مدينة القدس نحو سبعة عشر عاما، فكيف يبني الكتبة الكذبة كذبتهم على حدث وقع بعد تاريخ معجزة الإسراء بسنوات، ليعتمدوه دليلا على افتراءاتهم وضلالاتهم؟!

6)

يقول الدكتور المقدسيّ حسام الدين عفانة؛ أستاذ الفقه والأصول ردا على هذه الافتراءات إن كلَّ ما ذكره يوسف زيدان عن مكان المسجد الأقصى، ما هو إلا تكرارٌ لما قاله بعض المستشرقين اليهود وغير اليهود من ذوي الميول الصهيونية، ومنهم الباحث أهارون بن شيمش مترجم القرآن إلى اللغة العبرية، ومردخاي قيدار، ويهودا ليطاني، وإسحق حسون، والباحثة حافا لاتسروس- يافه التي كتبت بحثاً زعمت فيه أن المسجد المذكور في آية الإسراء قد فُهم منذ البداية أنه مسجدٌ بعيدٌ قصِيٌّ سماويّ، ولم يُقصد منه ذلك المسجد الذي لم يُقَم في القدس إلا زمن الأمويين. وقد استندت لاتسروس- يافه فيما ذهبت إليه إلى خرافات شيعيّة باطلة ذكرها مؤرخون شيعة أمثال جعفر العاملي وعباس القمي اللذين قالا بوجود بيت المقدس في السماوات العُلى!!

7)

شيء عن الواقدي

يرى العلماء والمحققون المسلمون أن الواقدي، رغم سعة علمه، أنه لا يعتبر من الثقات في الحديث، بل هو متروك، ولا يلزم أن يكون ثقة في نقل الأخبار. وقد ذكر شمس الدين الذهبي في كتابه “تذكرة الحافظ” (الجزء الأول: ص 341) أنه لم يورد في كتابه ترجمة الواقدي لأن العلماء اتفقوا على ترك حديثه، وهو من أوعية العلم، لكنه لا يتقن الحديث، وهو رأسٌ في السِيَر والمغازي، ويروي عن كل ضرب، أي أنه يروي ما وصل إليه دون تحقق من صحة الرواية. وقال عنه عبد القاهر الجرجاني “إن متونه غير محفوظة، وهو بيَّن الضعف”. لهذا فإن أخباره لا تُقبل، سواء كانت في علم الحديث أو التاريخ، إلا بعد التثبُّت من صحتها.

وعليه، سواء صح النّص الذي أورده الواقدي عن وادي الجِعِرّانة في كتابه “المغازي”، أم لم يصحّ، فإنه لا ينفي حقيقة أن المسجد الأقصى هو المسجد الموجود في بيت المقدس في فلسطين- الشام، ولا يُثبت للكذبة مَزعَمًا.

(استندت في هذا المقال على ما ورد في موقع “إسلام ويب، ومقال للباحث والأكاديمي الفلسطيني المتخصص في دراسات بيت المقدس والمسجد الأقصى، الدكتور عبد الله معروف حفظه الله).

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى