أختي الداعية.. بشري ولا تنفري (2)
ليلى غليون
وأنت تعملين في ميدان الدعوة الفسيح، تقابلين أصنافا شتى من طبائع الناس، وتتعاملين مع نفوس شتى وعقول مختلفة تحتاج إلى مفاتيح مختلفة ومهارات حسب نوعيتها، فالأسلوب الذي يصلح للتعامل مع شخصية معينة قد لا يصلح للتعامل مع غيرها، والأسلوب الذي قد يجدي مع هذا قد لا يجدي مع ذاك، وقد ورد في الأثر: “خاطبوا الناس على قدر عقولهم”.
والداعية إلى الله تعالى حكيم عاقل جمع بين إيمانه المتدفق، وعاطفته الجياشة، وعقله المستنير، بهدف الوصول إلى قلوب الناس قبل أن يصل إلى عقولهم، لأنه إذا نجح بالوصول إلى قلوبهم، فسيكون من اليسير بمكان الوصول إلى عقولهم التي لا بد وأنها ستتفاعل وستثق بما يقول، وإذا لم ينجح الداعية باختراق قلوب الناس فستبقى العقول موصدة بأقفال منيعة لا تتأثر بما يقول، فيكون كلامه لنفسه، كمن يطحن في الماء، أو كالصخرة الصلبة يمر عليها الماء ويجري ولكنه لا ينفذ إليها، عندها عليه أن يقف مع نفسه ويراجع حساباته وأوراقه ففيها يكمن الخلل.
نعم أختي الداعية، فقد تشاهدين المنكر، وما أكثره في زماننا هذا، فتشتعل نفسك وتغلي الدماء في عروقك غضبًا لله وعلى حرمات الله، فتثور فيك الحمية والحماسة للإطاحة بهذا المنكر بردود فعل فورية غير محسوبة، ولكن اعلمي أن الانفعالات العصبية الفورية، والتعامل العاطفي المتسرع لتصحيح الخطأ وتقويم الاعوجاج، قد يساهم في تكريس هذا الخطأ وتغذيته وزيادة حدته، وبدل أن تزيحي حجر عثرة في طريق دعوتك الناس للخير، تكونين أنت نفسك ذاك الحجر في طريقها، وبدل أن تستأصلي نبتة فساد من أرض مجتمعك، تساهمي في تقوية وصلابة عودها، وذلك بسبب أسلوبك وعدم ملاءمته وانسجامه مع إيقاعات الظروف والواقع ونوعية النفوس والعقول والطبائع التي تتعاملين معها، فنجد من يتعامل أو تتعامل مع الناس حسب قدراته ومستواه العلمي لا حسب قدراتهم ومستوياتهم، فيحملهم فوق طاقاتهم، ويستعرض عليهم قدراته الخطابية والبيانية، فينتقي من الكلام الذي يصعب على الفهم انتقاءً، ويحتاج إلى نجدة من القواميس والمعاجم اللغوية لفهمه وفك رموزه، فيجمع في جعبته من المفردات التي لا يعقلها العامة، ليستعملها في خطابه الدعوي وهو يحسب أنه يحسن صنعًا، وقد فاته أنه بهذا الأسلوب يجر السأم والملل وربما النفور إلى المدعوين، وكان الأولى به أن ينزل بأسلوبه إلى مستواهم هم ليرتقي بهم شيئًا فشيئًا للوصول إلى مرتبته ومستواه، فها هو ابن عباس رضي الله عنه يفسر قوله تعالى: “ولكن كونوا ربانيين…” أي كونوا حلماء فقهاء، يقول البخاري: (الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره) أي يبدأ بصغار العلم قبل كباره، وذلك مراعاة للعقول، وإلا فقد ينفّر الداعية الناس من الدعوة.
يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذَّب الله ورسوله). ويقول ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: (ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة).
وقد قيل: (كِل لكل عبد بمعيار عقله، وزن له بميزان فهمه، حتى تسلم منه وينتفع بك وإلا وقع الانكار لتفاوت المعيار) فربما يخطئ الداعية حين يتكلم بين أناس لا تتسع عقولهم لما قال.
فلتراع أختي الداعية التبسيط والتسهيل والتيسير، واقصدي أيسر الطرق وأسهلها إلى عقول المخاطبين بدون تكلف ولا تصنع، فالمهم أن يصل الحق إلى الناس ثم اتباعه، فهذه هي الغاية.
وكذلك لا تفوتك أنه حتى يكون لك بصمات غائرة في نفوس من تدعين، لا بد أن يكون كلامك ليس مفهومًا فقط، أو بمستوى عقول السامعين فحسب، بل لا بد أن يكون حديثًا مشوقًا مؤثرًا مناسبًا، مع الابتعاد كل البعد عن العبارات الخشنة التي تحمل من الفظاظة والغلظة، كتوزيع التهم على الغير ونعتهم بالفساد أو التكفير أو الجهل أو الفسوق وغيرها من التهم -حتى لو كان في الأمر حقيقة- فقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينتقون أطايب الكلام لبعضهم كما يُنتقى أطايب الثمر، وإلا فكيف نجني ثمار التأثير الإيجابي المنشود على نفوس الناس، خاصة في هذا الزمان الذي عم الفساد فيه وطم في البر والبحر؟!
فالناس جماعات مختلفة وعقول متباينة وانتماءات عديدة، فهل يعقل أن يتجاهل الداعية أو تتجاهل الأخت الداعية هذه الحقيقة الثابتة ليتم التعامل أو مخاطبة الناس بأسلوب واحد وخطاب واحد وكأنهم فرد أو عقلية واحدة؟!
وقد تغلب الحماسة الزائدة والانفعال العاطفي على أسلوب الداعية خاصة مع حديثي العهد بالالتزام والهداية، فيتناول معهم رغبة في تقريبهم إلى الدين والالتزام بأحكامه، فيبدأ معهم بتبيان الأحكام الشرعية والأدلة والمحكم والمتشابه واختلاف الفقهاء، أو بأسلوب الوعيد والترهيب، أو بأسلوب رفع الصوت والتكشيرة والعبوس، ظانًا بذلك أن هذه هي الهيبة والوقار، أو أن هذا الأسلوب هو الأفضل والأنسب لجذب الناس إلى دين الله، وإذا بالنتيجة خلاف المتوقع، إذ كيف نجذب بهذا الخطاب من نمطره صباح مساء بالويل والثبور ولا يلقى على مسامعه إلا عذاب جهنم والخلود فيها، وكأن النار لم تخلق إلا لأجله فنكون سببًا في بعده عن الدين؟
وكيف يصغي لهذا الخطاب من لا نأخذ بيديه إلى الخير بالرفق والحكمة بأسلوب يستطيع أن يتقبله ويفهمه؟ وقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نكون مبشرين وليس منفرين لما قال: (يسروا ولا تعسروا، بشروا ولا تنفروا) والبشارة ليست فقط أن نقول للناس ستدخلون الجنة، بل نذكرهم دائمًا وأبدًا بأن رحمة الله تعالى أوسع من ذنوبهم وأن باب التوبة مفتوح وباب الأمل مشرعة أبوابه.
وفي الحديث الصحيح: (أن رجلًا عابدًا نصح أحد العصاة فلم يستجب له العاصي، فقال العابد للعاصي: والله لا يغفر الله لك، فقال الله تعالى: من الذي يتألى علي؟ أشهدكم أني غفرت لهذا العاصي وأحبط عمل هذا العابد).
فكما بدأنا نختم، فالدعوة ليست مجرد نقل معلومة، وإنما الوصول إلى قلوب الناس، فقد تكون الكلمة صحيحة، والنصيحة كذلك في محلها، ولكنها قيلت في وقت خاطئ وبأسلوب قاسٍ فأغلقت قلبًا كان من المفروض فتحه، فلا يصغي الشخص للنصح، وربما يبتعد عن أهل الخير، بل قد يسيء فهم الدين نفسه، فقد كان من هديه صلى الله عليه وسلم أنه كان معلمًا رحيمًا ومبشرًا، قريبًا من الناس.
المطلوب أن نخفف ونيسر ونسهل على الناس طريق الوصول إلى الخير والحق، وليس المطلوب أن نسكت عن الخطأ، وإنما أن نصحح الخطأ دون أن نكسر أو نخسر صاحب الخطأ، أن نكون سببًا أن يحب الناس الخير وطريق الهدى لا أن نكون سببًا في الهروب منه.
