أخبار وتقاريردين ودنياومضات

فقه الاختلاف وأثره في بناء التعايش المجتمعي: مقاربة حضارية في الاجتماع الإنساني والرؤية الإسلامية

د. إيهاب الشيخ خليل

يبدو الاختلاف في جوهره حقيقةً أنطولوجية تلازم الوجود الإنساني، خاصة أن الإنسان يعيش بوصفه ذاتًا مستقلة تمتلك رؤيتها الخاصة للعالم، وتخضع في تشكيل وعيها لمجموعة من المؤثرات المحيطة، منها التاريخية والمعرفية والنفسية والثقافية، إلخ. وكان الاختلاف في حياة المجتمعات القاعدة التي تشكلت من خلالها الحضارات والثقافات وأنظمة الفكر الإنساني والاجتماعي، لذلك لم يكن يومًا استثناء، فمن هنا يمكن لنا السؤال حول إذا ما كان يمكن تحويله من عامل تفكك إلى مصدر إثراء وتكامل!

وورد في القرآن الكريم هذه الحقيقة قبل أن تتحول إلى موضوع للدراسات الاجتماعية والفلسفية الحديثة، فجاء كتاب الله الحكيم ليؤسس لفلسفة التعدد، يقول تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (هود: 118)، إنّ الآية الكريمة لا تتحدث عن الاختلاف، بل تكشف عنه كجزء من الإرادة الكونية المنظمة للعمران البشري، فلو كانت الوحدة تعني التطابق الفكري والعقدي والثقافي لما وجد التنوع أصلًا!! إلا أنّ الإرادة الإلهية شاءت للإنسان أن يحيا ويعيش ضمن فضاء تعددي تتقاطع فيه الرؤى وتتباين الاجتهادات، علمًا أنّ التعدد هو أحد شروط الحركة التاريخية ونمو الوعي الإنساني!

ويمكن النظر إلى فقه الاختلاف باعتباره علمًا لإدارة التنوع وليس علمًا لفض النزاعات، خاصة أنه يبحث في تنظيم العلاقة بينها، وهذه النقطة تمثل فارقًا جوهريًا بين المجتمعات الحية والمجتمعات المغلقة، فالمجتمعات الحية لا تخاف الاختلاف لأنها تمتلك مؤسسات ثقافية وأخلاقية قادرة على استيعابه، أما المجتمعات الهشة فتتعامل معه بوصفه تهديدًا لهويتها، فتسعى إلى قمعه دون محاولة فهمه.

ويمكن القول، وفي ضوء علم الاجتماع المعاصر: إن قوة المجتمع لا تقاس بمقدار التجانس بين أفراده، بل بقدرته على إنتاج ما يطلقون عليه علماء الاجتماع “التكامل الوظيفي”، وبين ذلك إميل دوركايم: أن المجتمعات الحديثة تقوم على التضامن العضوي الذي ينشأ من تنوع الأدوار لا من تشابهها، وكلما ازدادت المجتمعات اختلافًا ازدادت حاجتها إلى استيعاب ذلك، لذلك يصبح فقه الاختلاف ضرورة اجتماعية تحفظ تماسك البنية المجتمعية وتمنع تحول التنوع إلى انقسام.

ولعل أخطر ما تواجهه المجتمعات العربية والإسلامية اليوم ليس الاختلاف، إنما الانتقال من الاختلاف إلى التمركز حول الذات! فالخلافات الفكرية لا تتحول إلى أزمات إلا حين تتحول الآراء إلى هويات مغلقة!! ويصبح الانتماء للرأي أهم من البحث عن الحقيقة!! وهنا ينتقل الإنسان من دائرة الاجتهاد إلى دائرة التعصب، والحوار إلى فضاء الصراع! ولذلك كان علماء الأمة الكبار أكثر تواضعًا أمام الحقيقة، يقول الإمام الشافعي: “ما ناظرت أحدًا إلا تمنيت أن يُظهر الله الحق على لسانه”، وهذه العبارة تمثل ذروة النضج المعرفي، لأنها تجعل الانتصار للحقيقة مقدمًا على الانتصار للنفس.

إن أزمة العصر الحديث ليست أزمة معرفة بقدر ما هي أزمة أخلاق معرفية! خاصة أن المعلومات أصبحت متاحة أكثر من أي وقت مضى، لكن القدرة على التعايش مع المختلف أصبحت أكثر هشاشة، ولعل هذا ما يفسر اتساع ظاهرة الاستقطاب الثقافي في الفضاء الرقمي، حيث تتحول المنصات الإلكترونية إلى ساحات صراع رمزي يسعى فيها كل طرف إلى نفي الآخر لا إلى محاورته، وربط القرآن الكريم هذا الخلل، قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (فصلت: 34)، وقال سبحانه وتعالى أيضًا: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ (المائدة: 8). فالعدل يطلب أيضًا مع المخالف، وهو ما يمثل ذروة الرقي الحضاري.

إن فقه الاختلاف من الناحية الفلسفية يقوم على الاعتراف بمحدودية الإدراك الإنساني، فالحقيقة المطلقة لا تختزل في رؤية فرد أو جماعة، ولهذا كانت المعرفة البشرية بطبيعتها تراكمية وحوارية!!

لقد أشار أبو حامد الغزالي إلى هذا المعنى حين رأى أن الإنسان قد يكون أسيرًا لما ألفه من أفكار حتى يظنها حقائق نهائية، كما يؤكد الفيلسوف الألماني هانز جورج غادامير: أن الفهم الحقيقي لا يتحقق إلا عبر اندماج الآفاق، أي عبر التفاعل بين وجهات النظر المختلفة لا عبر إقصائها.

وتبرز بوضوح منهجية التصور الإسلامي في أنه لم يكتفِ بالاعتراف بالاختلاف، بل جعل من التعارف غاية وجودية له. يقول تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: 13)، فاللافت أن الآية لم تقل لتتشابهوا أو لتتطابقوا، بل لتتعارفوا، فالتعارف في دلالته الحضارية يعني الاعتراف المتبادل والبحث عن المشترك الإنساني رغم استمرار التباين بينهم، ولذلك فإن التعايش لا يقوم على إلغاء هذه الفروق، إنما على تحويلها إلى جسور للفهم المتبادل.

إن المجتمعات التي تفشل في بناء ثقافة الاختلاف تنزلق غالبًا نحو أحد شكلين من الانهيار: إما الاستبداد الذي يفرض رأيًا واحدًا ويقتل التنوع، وهنالك الكثير من الأمثلة في المنظومات العربية، أو الفوضى التي يتحول فيها التنوع إلى صراع دائم، أما المجتمعات الناضجة فتنجح في إيجاد منطقة وسط تجمع بين وحدة الانتماء وتعدد الاجتهاد، وهذه هي الفلسفة التي أسست للحضارة الإسلامية في أزهى عصورها، حين تعايشت المدارس الفقهية والكلامية والفكرية داخل فضاء حضاري واحد دون أن يؤدي ذلك إلى انهيار الوحدة العامة للأمة.

ونخلص القول: إن فقه الاختلاف ليس بابًا من أبواب الفقه فحسب، بل مشروع حضاري متكامل يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والآخر، وبين الحقيقة والاجتهاد، وبين الوحدة والتعدد، وفي جوهره الانتقال من منطق الإقصاء إلى منطق الاعتراف، ومن ثقافة الغلبة إلى ثقافة الحوار، ومن وهم امتلاك الحقيقة كاملة إلى فضيلة السعي المشترك نحوها. وما أحوج مجتمعاتنا اليوم إلى هذا الفقه بوصفه شرطًا من شروط الاستقرار الاجتماعي والنهوض الحضاري في عالم تتسع فيه مساحات الاختلاف أكثر مما تتسع فيه مساحات الفهم.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى