أخبار وتقاريرمحلياتومضات

الضحايا العرب: هل هم خطرٌ أمني أم مكسبٌ أمني؟

أحمد سليمان

“مَن يَهُنْ يَسْهُلِ الهَوَانُ عَلَيْهِ … مَا لِجُرْحٍ بِمَيِّتٍ إيلامُ” (أبو الطيب المتنبي)

قد يبدو هذا البيت، للوهلة الأولى، واصفًا لواقعنا، حيث تحول الموت في مجتمعنا إلى مجرد “خبر عابر” لا يحرك ساكنًا، مما يعطي انطباعًا زائفًا بأن المجتمع قد خُدِّر، واستسلم للوجع، وقبل بالمهانة. لكن التدقيق الفلسفي والواقعي يكشف حقيقة مغايرة تمامًا، فالمجتمع ليس مخدرًا ولا متواطئًا مع دمه، بل هو مجتمع أُنهكت قواه الحية، وعُطلت مناعته الذاتية، وكُبلت يداه عن عمد وسابق إصرار.

إن غياب الأمن والاستقرار لم يكن يومًا ناتجًا عن قعود المجتمع أو تقبله للجريمة، بل على العكس تمامًا، فقد تداعت الجهود الشعبية والوطنية لتأسيس ما عُرف بمبادرات ولجان “السلم الأهلي” لرأب الصدع، وإصلاح ذات البين، ومحاصرة الفتنة في مهدها، حمايةً للنسيج الاجتماعي. لكن هذه الجهود الواعية صُدمت بجدار الملاحقة الدائم من قبل السلطات الإسرائيلية، التي سارعت إلى حظر هذه اللجان ومنع نشاطها قانونيًا.

ولم يتوقف الأمر عند حظر المؤسسات واللجان الجماعية، بل امتد إلى سياسة الترهيب الفردي الممنهج، حيث وصفت تقارير وشهادات عيان قيام أجهزة الشرطة بإبلاغ شخصيات اعتبارية ومصلحين اجتماعيين بارزين، بصورة رسمية وصريحة، بضرورة التوقف عن التدخل والإصلاح بين الناس، وتحذيرهم من مغبة السعي إلى إنهاء الخلافات بين أبناء الشعب الواحد. وهذا الحصار الممنهج لآليات الدفاع الذاتي المجتمعي يثبت أن تفشي العنف هو نتيجة سياسة مدروسة تهدف إلى تجريد المجتمع من أدوات ومقومات حصانته الداخلية، ليبقى أعزل مستنزفًا، أكثر من كونه خيارًا اجتماعيًا.

وفي ظل هذا التكبيل الممنهج ومصادرة حق المجتمع في حماية نفسه، أصبحنا نعيش ظاهرة “تفاهة الشر”، حيث يكاد لا يمر يوم دون أن تطالعنا أخبار القتل والجريمة. لقد باتت الصحف والمواقع الإخبارية، بل وحتى المنصات التي تسترزق على التفاعل الرقمي، تتجاهل أخبار إطلاق النار لقلة التفاعل معها، فلم تعد الرصاصة الواحدة تلفت الانتباه في ظل تفجيرات تهز أحياءً بأكملها، وتحول الإنسان إلى مجرد رقم في شريط الأنباء.

ومع استمرار هذا النزيف، أفرزت الفوضى إبداعًا دمويًا في الشر، فأصبحنا نشهد أساليب إجرامية مبتدعة ومتغيرة لتخويف الآمنين، فتارة يتخفى القاتل بلباس الشرطة، وتارة ينتحل شخصية عامل توصيل، وغيرها من الهيئات. وسقطت كل الخطوط الحمراء، فطالت الجرائم الصغير والكبير، والنساء والشيوخ، وحتى الأئمة والمصلين في المحاريب، ولم يعد لأي حرمة معنى. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل اتخذت الجريمة طابعًا استعراضيًا مرعبًا عبر توثيقها، ومونتاجها، ونشرها لبث الرعب وتكريس سلطة الخوف.

إن القاعدة الفلسفية والأمنية تؤكد أن: “الشر يتمدد في المساحات التي تنسحب منها سلطة القانون”. وقبل ذلك، فإن القاعدة الشرعية تقول: “من أمن العقوبة أساء الأدب”. وكلما غضت قوى الأمن الطرف عن الجريمة، استفحلت وأخذت أبعادًا أكثر دموية.

لكن فجأة، وفي تناقض صارخ مع سياسة التجاهل السابقة، انطلق المئات من عناصر الشرطة، وحرس الحدود، والوحدات الخاصة، في مداهمات واسعة النطاق استهدفت تجار السلاح والمخدرات. وهذا التوجه الجديد لم يأت استجابة لصرخات الأمهات الثكالى في مجتمعنا، بل جاء بعد أن هزت عدة انفجارات أحياءً راقية في تل أبيب، وحيفا، وحولون، والشيخ مونس (هرتسليا)، ونس تسيونا، وغيرها.

هنا فقط، عندما شعروا بالخطر، وتجاوزت شظايا الجريمة جغرافية مجتمعنا، تحركت الآلة الأمنية بكامل طاقتها، لتسقط ورقة التوت الأخيرة، وتثبت أن ادعاء “نقص الإمكانيات” لم يكن سوى محض خرافة، وأن غياب الأمن كان مسألة “إرادة”، لا مسألة “قدرة”.

ورغم قتامة هذا المشهد، والسياسات الممنهجة المتبعة لتفكيك نسيجنا وحظر لجان السلم الأهلي، فإن السحر بدأ ينقلب على الساحر. فالفلسفة الكونية تخبرنا أن الشر يحمل دائمًا بذور فنائه في داخله، وأن الفوضى لا يمكنها أن تبني كيانًا مستقرًا. لقد ظن صناع القرار الأمني وموجهو الجريمة أنهم يستطيعون حصر الحريق بعيدًا عنهم، واستخدامه أداة لإضعافنا، لكن النيران لا تعترف بالحدود، وسرعان ما امتد لهيبها إلى من ظن أنه معصوم منها.

وهنا تتجلى العدالة الإلهية في أبهى صورها، ونرى مصداق قوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. فالمكر الذي أُريد به محاصرتنا وإغراقنا في الفوضى ارتد عليهم، وأجبرهم خوفهم على مصالحهم وأمنهم الشخصي على التحرك لهدم حصون الجريمة التي غضوا الطرف عنها طويلًا، وحرموا مجتمعنا من مواجهتها.

إن كسر شوكة هذه العصابات الإجرامية المنظمة أمر ممكن، وليس مستحيلًا، متى توفرت الإرادة السياسية. فقد علمنا التاريخ أن الشرطة استطاعت التغلب على أعتى عصابات الإجرام في هذه البلاد، وكانت عصابات عابرة للقارات. فقد وضعت الحكومة نصب أعينها إعادة الحياة الطبيعية إلى مدن مثل نتانيا، ونهاريا، وأشكلون، والرملة وغيرها، بعدما أنهكتها عصابات الإجرام صباح مساء.

أرادوا لنا مجتمعًا مفككًا، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا. ولن ينعم أي شخص بالأمن والأمان ما لم ينعم به جميع الناس، وكل من تواطأ أو غض الطرف عما حدث ويحدث في مجتمعنا سيدفع ثمنًا باهظًا، لا محالة. ورغم كل ذلك، يبقى ممنوعًا على أصحاب الرأي والكلمة، بمختلف مواقعهم ومسمياتهم، أن يتخلوا أو يتنازلوا عن دورهم في بث روح الأمل، وتعزيز التحدي، والإصرار على منع اليأس والإحباط من التسلل إلى نفوس الناس.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى