الدكتورة جميلة زريقي – عواودة من كَفر كنا.. من اكتشاف الكويكبات إلى صناعة الابتكار التربوي

مارِيّة محاجنة
في كل إنجاز علمي حكاية صبر وكفاح، وفي كل شهادة دكتوراه رحلة طويلة من الإصرار والتحدي والطموح. وبين متطلبات الدراسة ومسؤوليات الحياة اليومية، تبرز نماذج ملهمة استطاعت أن تحوّل التعب إلى نجاح، والطموح إلى واقع يُحتذى به.
وفي هذا اللقاء الخاص مع موقع “موطني 48”، نسلّط الضوء على تجربة أكاديمية متميزة للدكتورة جميلة خالد زريقي – عواودة، من بلدة كفركنا، بمناسبة حصولها على درجة الدكتوراه من جامعة جيرني الأمريكية في تخصص توظيف علوم الفلك والتقنيات الآلية في إدارة الابتكار التربوي. ونقترب من محطات رحلتها العلمية وما حملته من اجتهاد ومثابرة وإيمان عميق برسالة العلم والتعليم.
موطني 48: لحظة حصولكِ على درجة الدكتوراه، ماذا شعرتِ؟ ولمن تهدين هذا الإنجاز؟
د. جميلة: شعرتُ بمزيج من الفخر والامتنان بعد سنوات طويلة من الجهد والمثابرة والعمل المتواصل. كانت لحظة استثنائية مثّلت حصادًا جميلًا لكل ما بذلته من وقت وتعب وتحديات خلال هذه الرحلة العلمية. وأهدي هذا الإنجاز إلى عائلتي التي كانت السند والداعم الأول لي، وإلى كل من آمن بقدراتي وشجعني على مواصلة الطريق وتحقيق هذا الحلم.
موطني 48: تُعدّين من الشخصيات الرائدة في نشر علوم الفلك والابتكار العلمي، وكان لكِ حضور بارز في مجال “علوم المواطن” من خلال مشاركتكِ في اكتشاف الكويكبات ضمن برنامج IASC بالتعاون مع وكالة ناسا. حدّثينا عن هذه التجربة وما تمثله لكِ على المستويين العلمي والإنساني؟
د. جميلة: أعتزّ بكوني من أوائل المشاركين في اكتشاف الكويكبات ضمن برنامج IASC لعلوم المواطن، بالتعاون مع وكالة “ناسا”، وهي تجربة علمية ثرية فتحت أمامي آفاقًا واسعة لدمج البحث الفلكي بالعملية التعليمية.
وانطلاقًا من هذه التجربة، عملتُ على تطوير برنامج علمي تربوي متكامل يجمع بين علوم الفلك والتعلّم القائم على البحث والاستقصاء وفق منهجية STEM، بهدف نقل الطالب من دور المتلقي إلى دور الباحث والمكتشف. وقد حظي هذا البرنامج باهتمام أكاديمي دولي، حيث عُرض في جامعة الأخوين بمدينة إفران المغربية أمام نخبة من الخبراء والمختصين وممثلي المؤسسات التعليمية من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
ومنذ عام 2023، اعتُمد البرنامج كأحد البرامج التعليمية المتميزة في مجال تعليم العلوم والفضاء، وما زلت أواصل تطويره وتطبيقه، إذ يوفّر للطلبة فرصة فريدة لخوض تجارب علمية حقيقية من خلال تحليل الصور الفلكية الاحترافية، وقراءة البيانات العلمية، والمشاركة في عمليات البحث عن الكويكبات ورصدها.
ولا يقتصر أثر البرنامج على الجانب المعرفي فحسب، بل يسهم أيضًا في تنمية مهارات التفكير النقدي والبحث العلمي لدى الطلبة، ويعزز ارتباطهم بأحدث الممارسات العالمية في مجالات علوم الفضاء والحاسوب والتقنيات الرقمية.
موطني 48: كيف يمكن لتخصصكِ أن يسهم في صناعة بيئة تعليمية أكثر إبداعًا وابتكارًا؟
د. جميلة: يسهم هذا التخصص في تطوير أساليب تعليمية حديثة ترتكز على تنمية التفكير النقدي والإبداعي لدى الطلبة، وتوظيف التقنيات المتقدمة في العملية التعليمية بصورة فعّالة. كما يساعد على بناء بيئة تعليمية محفزة على الابتكار، قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، وإعداد أجيال تمتلك المهارات اللازمة للتعامل مع تحديات المستقبل.
موطني 48: بين الدراسة والحياة اليومية، كيف تمكنتِ من تحقيق التوازن والاستمرار حتى الوصول إلى هذا النجاح؟
د. جميلة: كان تنظيم الوقت وتحديد الأولويات من أهم العوامل التي ساعدتني على تحقيق هذا التوازن. كما أن إيماني بأهمية الاستمرار وعدم الاستسلام، حتى في أصعب الظروف، منحني الدافع للمضي قدمًا. ولا يمكنني إغفال الدور الكبير الذي لعبه دعم عائلتي ومساندتها المستمرة، وهو ما ساعدني على التوفيق بين مسؤولياتي الأكاديمية ومتطلبات الحياة اليومية.
موطني 48: برأيكِ، ما أهمية دعم البحث العلمي والتخصصات الحديثة في مجتمعاتنا العربية؟
د. جميلة: البحث العلمي هو الركيزة الأساسية لأي نهضة حقيقية، وهو المحرك الرئيس للتقدم والتنمية المستدامة. كما أن دعم التخصصات الحديثة يساهم في إيجاد حلول مبتكرة للتحديات التي تواجه مجتمعاتنا، ويعزز قدرتها على المنافسة والإنتاج والإبداع، فضلًا عن دوره في بناء مستقبل أكثر ازدهارًا للأجيال القادمة.
موطني 48: كلمة أخيرة تودّين توجيهها بهذه المناسبة؟
د. جميلة: أوجّه رسالتي إلى كل طالب وطالبة بأن النجاح يبدأ بحلم، لكنه لا يتحقق إلا بالإرادة والإصرار والعمل الجاد. لا تجعلوا العقبات سببًا للتراجع، بل حوّلوها إلى حافز للتقدّم. فكل خطوة تبذلونها اليوم تقرّبكم أكثر من تحقيق أهدافكم وصناعة مستقبل يليق بطموحاتكم.